رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
كنت قد حدثتكم من قبل عن الارتباط الوثيق للصعيد في جنوب مصر بعادة الثأر، والممارسات والسمات المختلفة التي تصنع في مجملها ثقافة الثأر، ومدى تأثر تلك العادة بالمجتمع الذي يقوم على «القبَلية» بقيمها المختلفة، وأبرزها قيمة «العار».
 
ولفَتُ كذلك إلى أن حكايات الثأر لا نهاية لها، ولا يوجد حدٌ للقتل فيها، ما يهم هو الانتصار للكرامة والنخوة ومحو العار ورد الاعتبار لتاريخ القبيلة وهيبتها، حتى ولو بعد حين، فهناك مثل شائع في بلادي يقول: «أخذ ثأره بعد أربعين عامًا.. فقالوا له لقد تعجّلت»!!
 
وسأحدثكم اليوم عن دور المرأة في إحياء عادة الثأر وإبقائها حيّة تتوارثها أجيال وراء أجيال من أبناء الصعيد؛ حيث إنها تلعب دورًا محوريًا مهمًا في تربية الطفل وتنشئته وتغذيته بمفهوم الأخذ بالثأر، فالمرأة المكلومة التي قُتل لها أحد ذويها تُعلّم أطفالها حمل السلاح، وتدربهم على استخدامه، كما أنها تُعنّفهم ليكونوا رجالاً من قبل أن تنبت شواربهم، فضلاً عن كونها قادرة على تنظيف وفَكْ وتركيب السلاح، بدءًا من حلّ الغطاء وصولاً إلى الياي ثم التخشيبة، وأخيرًا إنزال الخيط في بيت النار أو ماسورة السلاح.. وإنه أمرٌ لو تعلمون عظيم.
 
والبعض يتصورون -خطًأ- أن الرجال «الآباء» في الصعيد يلعبون الدور الأكبر في تعليم أولادهم لغة الأخذ بالثأر، إلا أن المرأة «الأم» هي التي تتكفل بهذه المهمة، إلى جانب أن الأبناء يكونون في الأساس ليسوا بحاجة إلى الأب الذي يعلمهم تلك الثقافة؛ حيث إن المناخ والأجواء التي ينمون فيها تتردد بها بصفة مستمرة أصداء الثأر، بفضل المرأة التي تأخذ على عاتقها هذه المهمة بالكامل.
 
ولمن لا يعلم، فإن الأخذ بالثأر في بلادي له ضوابطه التي لا يحيد عنها أحد هناك؛ حيث إن الأبناء هم الأحق بالقصاص لدم أبيهم -على سبيل المثال- يليهم الأخوة الأشقاء، فالأخوة غير الأشقاء، وإذا لم يكن للقتيل أبناء أو إخوة، فحق الأخذ بالثأر ينتقل إلى أبناء العم الأشقاء، ومنهم إلى أبناء العمومة غير الأشقاء؛ حيث إن الأخذ بالثأر في الصعيد لا يلزم سوى «أقارب الدم»، أي من ناحية الأب فقط، ولا علاقة لأقارب الأم بعملية الثأر، وإن كان الأمر لا يخلو من الدعم والمساعدة والمساندة.
 
وبالعودة إلى دور المرأة في الأخذ بالثأر، نجده لا يتوقف عند التربية والتنشئة والتحريض عليه فقط، بل يتعداه إلى اختراق المرأة للأعراف والعادات والتقاليد في الصعيد بحملها السلاح، في حال التهام الثأر أو القتل لرجال العائلة ولم يُبقِ منهم أحدًا؛ وذلك دفاعًا عن نفسها أو أرضها وعن عرضها.
 
وعندما تجد المرأة في الصعيد أن هناك من أفراد العائلة من يريد العفو أو الصُلح قبل الأخذ بالثأر، أو أنه يتباطأ في ذلك، تقوم بشحذ همم الرجال في العائلة وتحريضهم، فضلاً عن تهديدها لهم بقولها: «هاخد بتاري وأجيب لكم العار»؛ ما يدفع أفراد العائلة للانصياع لها والتراجع عن العفو والصلح، خوفًا من الفضيحة التي ستلاحق العائلة أو القبيلة ووصمهم بالعار والجُبن والعقوق، حال قيامها بذلك.
 
كما أن المرأة في الصعيد تلعب -إلى جانب دور الحارس على عادة الأخذ بالثأر من الاندثار- دور المتصدي لأي محاولة من أفراد عائلتها للتهرب من «الثأر»، وتظل تدعو الله أن يحفظ لها ابنها أو شقيقها، لا لشيء إلا ليكبر ويأخذ بثأر عائلته، فهي التي تُرضع ابنها وتُربي شقيقها على أن «الثأر» هو الوجه الآخر لـ«الرجولة»، أضف إلى ذلك، أن المرأة في الصعيد أحيانًا لا تتردد في الإقدام على حلق شعر رأسها بالكامل وارتداء ملابس الرجال تشبهًا بهم، حتى يتم الأخذ بالثأر لفقيدها!!
 
عطفًا على ما سبق، تستمر المرأة المكلومة في الصعيد في ترديد المواويل البكائية الجنائزية الممزوجة بالدم، وأول من توجه حديثها لهم هم أشقاء القتيل؛ حتى تحثهم على الأخذ بثأر شقيقهم، وتقول: «وصّيت يا بايا علينا مين‏..‏ قلب قاسي ولا قلب حنين»، وكأن الابن الأصغر للقتيل هو المتحدث، ثم توجه حديثها بعد ذلك لأشقائها على لسان ابنها أيضًا، قائلة: «يا خال ربيني ووديني حَدَاك.. لابد أبويا يوم الرحيل وَصّاك»، وفي حال أنها وجدت هؤلاء الأقارب يتلكأون في الأخذ لها بالثأر، فإنها توجه حديثها إلى ابنها، باعتباره الأمل والملاذ الأخير، وتتحدث بلسانه قائلة: «يا أبويا هات لي توب ما يدوبش.. ‏ده العم ولا الخال ما يدومش».
 
أما في حال كان القتيل هو الابن، فإن المرأة «الأم» في الصعيد تتخيل وكأن ابنها يناديها، فنجدها تُحدث نفسها على لسان ابنها، فتقول: «يا أمه خديني على حجرك اليمين.. أنا مليش قبايل تعدل اللي يميل»، وتُكمل ذلك الحديث بردّها على ابنها قائلة: «من غيبتك والنفس أهي انكسرت، من غيبتك والقلب فيه وسواس‏.. يا اللي شبابك يشبه التفاح، حزني عليه سكن اللحود وراح.. يا اللي شبابك يشبه العِنَبِي، حزني عليه سكن اللحود وَبِلي»، كما تتذكر تلك المرأة «الأم» رغبة ابنها القتيل في الزواج قبل أن يُغيّبه الموت، فتقول على لسانه أيضًا: «يا أمه اخطبي لي بيضة بشعر طويل»، وترّد عليه مُسرعة بقولها: «خطبت لك، بس العمر قصير».
 
 

وهذا ما يغرس في نفس الأبناء منذ نعومة أظافرهم عشق عادة الأخذ بالثأر، في حين أن المرأة «الأم» تعلم جيدًا أن ثمن ذلك سيكون فقدانها لفلذة كبدها إن عاجلاً أو آجلاً، إلا أنها لا تتوانى في تربيتهم على تلك العادة، كما أنها لا ولن تتخلى عن عقيدة الثأر أبدًا ما لم تأخذ أو يأخذوا بحقها من القاتل.. وكلمتي الأخيرة أؤكد لكم فيها أن المرأة في الصعيد ستظل هي «الحارس» والمقاوم بعنف لأية محاولة لخرق تلك المراسم والعادات العتيقة.

تم نسخ الرابط