بقلم : عاصم حنفى
استوعب حسنى مبارك الدرس مبكرا.. وقد أدرك أن شباب المنظمة التى أسسها جمال عبدالناصر فى الستينيات فى الجامعات هم قادة مظاهرات الرفض والتغيير فى عهد أنور السادات فى السبعينيات.. فقرر مبارك إلغاء النشاط الشبابى تماما اعتبارا من الثمانينيات.. ومنع اشتغال الطلاب بالعمل السياسى فى المدارس والجامعات.
لعل منع النشاط الطلابى بالجامعات والمدارس هو ما أتاح الفرصة لشباب الإخوان للسيطرة على الجامعات.. خصوصا أن الإخوان تنظيم سرى منظم حظى بدعم السلطة الرسمية التى كانت تخشى النشاط الطلابى.
وهكذا كانت الأحوال فى مدارسنا.. والكلام فى السياسة عيب وقلة أدب.. والتضامن مع أطفال الحجارة خروج عن العرف والتقاليد.. على اعتبار أن المدارس خصصت فقط لألف باء ودراسة الحساب والإنشاء والجغرافيا.. أما التاريخ والتربية الوطنية فتدخل فى باب الممنوعات والمحظورات التى لا يصح ولا يجوز الاقتراب منها..!
وهو ما تكرر فى الجامعات تقريبا.. وحكومات مبارك كشرت عن أنيابها وحاصرت مظاهرات الطلاب.. على اعتبار أن السياسة خروج عن العرف والتقاليد والأصول الراسخة.. مع أن الحكومة أول من يعلم أن مظاهرات الطلاب بريئة لوجه الوطن.. تثبت لنا بالصوت والصورة أن الجامعة لاتزال بخير.. لم يصبها الترهل وفقدان الإحساس!
لم يدرك العبقرى الذى أفتى بأن اشتغال الطلاب بالسياسة حرام وأن وظيفة الطالب هى العلم والتحصيل وخلاص.. لم يدرك أن المجتمع الذى لا يسمح بالحركة الطلابية النشطة.. هو مجتمع عجوز مترهل.. والجامعة التى لا تسمح للطالب بتعاطى السياسة هى جامعة عاجزة تعانى الشيخوخة المبكرة.
ومن غير المعقول أبدا ونحن نسعى للجدل.. والمجتمع يموج بالمتغيرات.. أن يبدأ المواطن نشاطه السياسى بعد أن يتخرج فى الجامعة.. لأنه بذلك يكون كمن يبدأ لعب كرة القدم وتعلم ركوب الدراجة وهو فى سن الأربعين.. بعد أن فقد لياقته وحيويته.. فالسياسة فى الصغر كالنقش فى الحجر..!
إن دور الجامعة الحقيقى ليس مجرد تخريج المحاسب والمهندس والطبيب.. لكن دورها خلق الكوادر والقادة.. الذين يقودون المجتمع فى مشوار بكره.. الذى هو فى حاجة للمهندس والطبيب والعالم الفاهم للتكنولوجيا.. والمدرك فوق هذا كله للسياسة والظروف المحيطة بالمجتمع.
وبصراحة ووضوح.. فإننا إذا لم نسمح للطالب بممارسة السياسة والانشغال بهموم المجتمع.. فنعقد له الندوات واللقاءات والمحاضرات مع قادة الرأى العام.. فإننا ببساطة نفتح الباب على البحرى للسلبية والتطرف والعنف وأفكار الإرهاب الدينى.. على اعتبار أن الطالب هو عجينة طرية يسهل تشكيلها وصياغتها فى سن مبكرة.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى الشباب.. وشباب الجامعات تحديدا.. والذى يقف يتفرج علينا ونحن نبنى مصر.. مصر بكره التى سوف يعيش فيها الشباب دون أن يشارك فى بنائها.
ولماذا لا تعود منظمة الشباب من جديد.. تحت اسم مختلف وربما بأساليب جديدة.. منظمة تخاطب الشباب وتجيد التعامل معهم وتعرف لغتهم وأفكارهم التى لا يجيدها العواجيز من أمثالنا.
منظمة الشباب ضرورية والله.. فى مبادرة من الدولة للتصالح مع الجيل الصاعد.. والغاضب جدا لأنه مستبعد من الميدان.. يشعر أنه مواطن زائد عن الحاجة.
ولعلها فرصة أن نطالب بالإفراج الفورى عن أعداد محترمة من الشباب المحتجزين بالسجون. فى مصالحة من الدولة التى لن تستطيع البناء وحدها.. فى حين يرقد خيرة شبابها الغاضب فى السجون والمعتقلات.
ليس هناك أفضل من الشباب للمواجهة السياسية مع الجماعة الإرهابية.. وأقطع ذراعى أنه لو نزل الشباب إلى الساحة لهربت جماعة الإخوان نهائيا والتى تمرح وحدها دون منازلة من الأجيال الصاعدة.
أما المظاهرات للاحتجاج أو للغضب.. فهى دليل بالصوت والصورة على حيوية المجتمع الجديد الذى نسعى إليه.. بدليل ما يحدث فى المجتمعات الأخرى فى جميع دول العالم الشرقى والغربى.. وبدليل ما حدث فى الماضى مع منظمة الشباب التى أسسها جمال عبدالناصر!.



