بقلم : مصطفي الأسواني
في المقال السابق تحدثت عن تداعيات الاقتصاد للجمهورية الإسلامية الإيرانية ومدى تأثيره على توقيع الصفقة النووية، وسأتطرق اليوم للحديث عن التداعيات السياسية والفارق الذي ستحدثه خلال توقيع الصفقة والتوصل إلى اتفاق نووي نهائي في نهاية يونيو من العام المقبل.
بداية، أود أن أؤكد على أن الصفقة في الوقت الحالي لم تعد ذات أهمية بالنسبة لإيران؛ حيث إن تعزيز العقوبات عليها والخيار العسكري قد فقدا مصداقيتهما، ولا يقلقانها كثيرًا.
ومن الناحية السياسية، أرى أن التوصل لاتفاق نووي من الممكن أن يقوّي مكانة الرئيس حسن روحاني، ويحسّن العلاقات الأمريكية الإيرانية، إلا أن ذلك ليس مضمونًا؛ لأنه في حال لم يؤدِ الاتفاق إلى تحسّن يُرضي الشعب الإيراني فقد تزيد خيبة الأمل من حكم روحاني، وبالتالي قد ينهار الاتفاق، وستقوم كل من الولايات المتحدة وطهران بإلقاء اللوم على بعضهما البعض لحدوث الانهيار.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن بُنْية النظام الإيراني لا تنصب في اتجاه تعزيز قوة روحاني، فمعروف أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي من مصلحته أن يحشد لسلطة أكبر لمكتبه، ما يؤدي إلى ميله نحو الحدّ من سلطات أية مؤسسات أخرى، سواء أكان مجلس الشورى الإسلامي أو رئاسة الجمهورية.
وعطفًا على ما سبق، نجد أن خامنئي دائمًا ما يؤكد أنه لا يمكن الوثوق بالغرب وأن المقاومة أفضل بكثير من الحل الوسط، وأذكر هنا ما قاله في أغسطس الفائت: «إن العلاقات مع أمريكا والمفاوضات مع هذا البلد، باستثناء حالات معيّنة، لا تحمل أيّ منفعة للجمهورية الإسلامية فحسب، بل تضر بها أيضًا.. وقد كان من المقرر إجراء الاتصالات والاجتماعات والمفاوضات على مستوى وزراء الخارجية، إلا أن ذلك لم يعد بأي منفعة، وأمست لهجة الأمريكيين قاسية ومهينة أكثر؛ إذ زادوا من توقّعاتهم غير المعقولة في اجتماعات التفاوض والبيانات العلنية.. إن هذه التجربة قيّمة جدًا جعلتنا ندرك جميعًا أن الاجتماع بالأمريكيين والتحدث إليهم لا يساهمان على الإطلاق في تخفيف عداوتهم ولا يحملان أي منفعة».
ورغم ذلك، إلا أنني أتوقع أن يوافق خامنئي «بصفة مؤقتة» على المضي قدمًا في الاتفاق النووي، وأقول بصفة مؤقتة هنا، لأنها المنهجية التي يتبعها المرشد الأعلى دائمًا؛ حيث إنه اشتهر بقبوله المؤقت لسياسات معيّنة، ليعود وينتقدها أو يعمل على تخريبها في وقت لاحق، وهذا ما قد يفعله فيما يخص الاتفاق النووي، فإذا تبيّن أن تنفيذ الاتفاق كان أفضل مما توقع، فذلك سيعود بالنفع على طهران، أما إذا ظهر أن مخاوفه كانت صحيحة، عندئذٍ ستدرك النخبة والشعب الإيراني أنه كان على حق في اعتبار المحادثات غير مجدية.
خلاصة القول، سيكون الفضل للمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي إذا آتت الصفقة ثمارها، ولكن إذا ما فشلت فسيُلقي اللوم على روحاني، وفي الحالتين لن يعزز ذلك من قوة الرئيس حسن روحاني.
وأتوقع أنه مهما عزّز الاتفاق النووي من قوة موقف الرئيس الإيراني، إلا أن روحاني لن يضغط من أجل إحداث تغيير في السياسات الإيرانية الأخرى المرفوضة، مثل الأزمتين السورية والعراقية، أو إيجاد سبل لتطبيع علاقات طهران مع بقية دول العالم، وذلك لأن روحاني يبدو ملتزمًا بالنظام القائم الذي يرسمه المرشد الأعلى في بلاده، فمن المؤكد ألا يرى سببًا لتعديل دعم بلاده لأنظمة مختلفة في الدول المجاورة، فضلاً عن وضع حقوق الإنسان في الداخل الإيراني.



