بقلم : م/ عبد الصادق الشوربجي
ثلاثة أيام عظيمة فى حياة مصر، هى تلك الأيام التى انعقد فيها مؤتمر مصر المستقبل على أرض شرم الشيخ.
ثلاثة أيام مهمة حملت معها شهادة الدنيا والعالم بأن ما جرى فى مصر كان ثورة شعب يريد الحياة والسلام.
ثلاثة أيام عشت فيها بنفسى وتحققت من كلمات الشاعر التونسى «أبو القاسم الشابى»: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة».. هذه حقيقة وليست خيال شاعر كتبها ذات يوم.
ثلاثة أيام تابع فيها العالم كله عبر وسائل إعلامه المقروءة والمرئية، أن مصر هى بالفعل بلد الأمن والأمان والاستقرار، وليست مصر الأخرى التى تعرضها الفضائيات المعادية لمصر وشعبها.
حضور عالمى غير مسبوق كان حديث كل الحاضرين فى المؤتمر، فلم يتوقع الكثيرون أن يشارك ثلاثون رئيساً وزعيماً ومائة دولة ونحو ألفين وخمسمائة مستثمر، فعلاً كانت مصر المستقبل حديث العالم كله.
حرص الرئيس السيسى فى خطابه عند افتتاح المؤتمر على التأكيد أن استقرار المجتمع المصرى ركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط، وأن مصر دولة تنبذ العنف والإرهاب والتطرف، دولة تعزز الاستقرار والأمن الإقليمى، تحترم جوارها، تدافع ولا تعتدى، تقبل وتحترم الآخر، وتؤمن بأن اختلافه وسيلة للتعارف وإثراء للحضارة.
ولم ينس الرئيس السيسى أن يوجه التحية والتقدير إلى صاحب هذه المبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبدالعزيز رحمه الله، ثم توجيه الشكر للأشقاء زعماء وحكام (السعودية والكويت والإمارات والبحرين والأردن).
وفى كلمته الختامية أكد الرئيس السيسى على نفس هذه المعانى، معانى الشكر والعرفان لكل من وقف مع الشعب المصرى منذ أن قام بثورته وحتى الآن فى كلمات بسيطة عميقة صادرة من القلب.. قال: «أقول للرؤساء والملوك ومندوبى الدول حضوركم فرّح المصريين».
ومنذ اليوم الأول وحتى اليوم الأخير فى مؤتمر مصر المستقبل، لاحظت وأدركت هذا الاحترام والتقدير لشعب مصر وزعيمها.. سواء من الأشقاء العرب أو الضيوف الأجانب.
لمست رغبة الجميع الصادقة فى مساندة ومساعدة مصر، واستعادة دورها الريادى الكبير والمؤثر فى المنطقة والعالم.
لقد ترددت كلمة مصر آلاف المرات فى كلمات الوفود المشاركة.. مصر الجديدة التى قهرت المستحيل التى أضاءت الدنيا بنورها وسماحتها، وكلما تردد أمامى اسم مصر أتذكر جملة الزعيم الوطنى مصطفى كامل: «لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً».. جملة وعبارة كنا نحفظها وربما لم نفهم معناها ونحن صغار، لكنها الآن تحمل معنى جديدا يدعو للفخر.
لقد فاجأتنا السيدة «كريستين لاجارد» مدير صندوق النقد الدولى فى كلمتها التى بدأتها بمقطع من أغنية كوكب الشرق أم كلثوم: «وما نيل المطالب بالتمنى»، كما اختتمت كلمتها بعبارة لأديب مصر الكبير نجيب محفوظ.. وهذا تقدير كبير لمصر من خلال فنها وأدبها.
كل الوجوه متفائلة وسعيدة بما تراه حولها وما تشعر به من أمن وأمان واستقرار.
وسرعان ما انتقلت عدوى التفاؤل إلى الوفود الأجنبية التى جاءت للمشاركة فى المؤتمر، فما أكثر ما سمعوا طوال الأيام والأسابيع التى سبقت المؤتمر عن خطط إرهابية لإفشال المؤتمر.
لم يحدث شىء من ذلك كله، كان ما يقال عبر فضائياتهم شيئا والواقع شيئا آخر.
رددوا وقالوا إن السعودية بدأت تعيد النظر فى سياستها تجاه مصر، وجاءت كلمة السعودية الشقيقة عبر سمو الأمير «مقرن بن عبد العزيز» ولى العهد السعودى لتؤكد على أهمية دعم المجتمع الدولى لمصر وحرص السعودية على استقرار مصر وازدهارها.
تأتى كلمة «الأمير صباح الأحمد الجابر» أمير الكويت لتوضح المكانة الكبيرة التى تحتلها مصر فى المحيطين الإقليمى والدولى.
وجاءت كلمة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبى ليعرب عن فخر الإمارات بعلاقتها التاريخية الراسخة مع مصر وشعبها التى هى وطن ثانٍ لهم، وقوله: «إن التاريخ يعلمنا أن مصر عندما تكون قوية فإنها قادرة على بث الحياة فى الأمة وتجديد نهضتها وقيادة مسيرتها».
نجحت مصر وفشل الإرهاب، صرفوا الملايين من أجل هدم مصر الدولة والشعب وفشلوا.. كانت كلمات المشاركين الأجانب صفعة قوية لكل من أراد اقتصاد مصر وشعبها بسوء فى أكثر من كلمة، وكان تأكيد زعماء العالم على:
∎ مستقبل مصر هو مستقبل أوروبا والعالم.
∎ روح جديدة تنبعث من قلب مصر.
∎ العالم مقتنع بأهمية وضرورة استقرار مصر.
فى كل النشرات الإخبارية للفضائيات العالمية والعربية كانت مصر هى الحضور، واختفت كل ما عداها من أخبار وشائعات.
نجاح المؤتمر المذهل هو الذى دعا وزير خارجية أمريكا جون كيرى أن يعتذر عن خطئه سواء كان مقصوداً أو زلة لسان.. ثم يعود إلى القول إن الولايات المتحدة ملتزمة بدعم الأمن والإصلاحات فى مصر وأن نجاحها مصلحة لنا جميعاً.
نجحت مصر عبر هذا المؤتمر الاقتصادى أن تجبر العالم كله وتقنعه أن ما حدث على أرضها من تغيرات سياسية كان إرادة شعبية، صحيح أنه كان مؤتمراً اقتصادياً فى المقام الأول، لكن السياسة كانت حاضرة فيه بامتياز سواء فى كلمات الوفود المشاركة أو فى ذلك التضامن والتأييد والمساندة والدعم التى حصلت عليها مصر فى ذلك المؤتمر.
هذا النجاح المدوى كان خطوة أولى لبناء مصر الجديدة، مصر التى استيقظت - على حد تعبير الرئيس السيسى - ويبقى على كل واحد فينا خطوات أخرى، كل فى موقعه ومكانه، مزيد من العرق والجهد والعمل بغير هوادة.
ليس هذا وقت الخلاف أو المشاجرات السياسية ولا مفر من العمل والإنتاج.
لقد عبرت مصر أخطر مراحلها السياسية بسقوط حكم الإرهاب، والآن نبدأ معاً فى خوض معركة المصير والوجود أن نكون أو لا نكون.. إنها معركة الاقتصاد والاستثمار، وإذا كان العالم كله قد وقف مسانداً ومؤيداً وداعماً لمصر وشعبها وقيادتها بكل هذا الدعم، فالآن يأتى دور كل المصريين، هذا وقت العمل لا وقت الكلام، تكفى سنوات ضاعت فى الكلام والخلاف.
إن بناء مصر ودعم اقتصادها قضية وجود لا قضية خلاف بين فرقاء سياسيين.
تحية لمصر شعباً وقيادة وحكومة، فلا أحد ينكر الجهد الكبير الذى بذلته حكومة المهندس إبراهيم محلب لنجاح هذا المؤتمر.
تحية خاصة للقوات المسلحة والشرطة على تأمينها المؤتمر وظهوره بهذا الشكل المشرف.
«تحيا مصر.. تحيا مصر.. تحيا مصر.. وعاش شعبها فى أمن وأمان وسلام».



