بقلم : لواء أركان حرب/ جمال عمر
انتهينا في المقال السابق عن عند تقسيم أجيال الحكم لسبعة أجيال متعاقبة بدأت بالجيل الأول (جيل الأيدلوجية الواحدة) ثم الجيل الثاني (جيل الأيديولوجيات المتعددة) ثم الجيل الثالث (جيل الدواوين) أو (هيكلة الدولة المسلمة ) ثم الجيل الرابع (جيل الممالك العظمى) ثم الجيل الخامس (جيل صراع الأيديولوجيات) ثم الجيل السادس (جيل الثورات والديمقراطية والعولمة) وانتهينا بالجيل السابع (جيل الحكومات الخفية) ، ويعد أهم ما يميز هذا الجيل هو ثبات واستقرار إستراتيجية الدولة وعدم تأثرها بمتغيرات الحكومات والأشخاص .
وادعينا أن هذا الجيل لم تدخله سوى عدد محدود من الدول على رأسها أمريكا وبريطانيا وإسرائيل وإيران وبعض الدول الأوروبية والآسيوية بنسب متفاوتة ، ومن المؤكد أنه لا يخفى عن أي محلل استراتيجي أو مفكر أن مصر قد دخلت لهذا الجيل من نظم الحكم خلال السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس السابق مبارك كوسيلة للحفاظ على استمرارية (مبارك) على قمة هرم الحكم لأطول فترة ممكنة ، تحسبا لما قد يأتي من بعده من فوضى وهو ما كانت ملامحه واضحة في أساليب تعامل الإدارة الأمريكية مع الدول والكيانات في الشرق الأوسط وهو ما صرح به (مبارك) في كلماته التي ألقاها محاولا تأخير تنحيه عن السلطة في فبراير 2011م رغم رفض الجموع له على اعتبار أنه خداع يريد به البقاء وعدم الرحيل ، وقد ينظر البعض لهذا النظام على أنه نظام مخابراتي بحت ، ولا أختلف معهم في أنه لابد وأن يتوافر لمثل هذا الكيان قواعد بيانات ومعلومات استخباراتية وعلمية قوية وصحيحة ومتجددة على مدار الساعة لضمان استقرار المتابعة وتقويم الخطوات وتصحيح المسار كيفما يقتضى الأمر ، ولذلك وإذا كنا ندرك أننا ندخل عصرا جديدا تحكمه قوى العلوم الفائقة التقنية والسرية ويتعاظم فيه التباين بين التخصصات فلابد أن يضم هذا النظام بين أعضاءه علماء في شتى المجالات يتمتعون بقدور لا شك فيها من الانتماء والولاء والمصداقية والأمانة والقدرات العلمية والشخصية المتكاملة تشكل دوائر متتالية مخروطية التنظيم .
وكما قلنا أن أهم ما يميز هذا النظام من نظم الحكم هو ثبات الإستراتيجية المستقبلية مع القدرة العالية على المناورة بالأهداف والسياسات المرحلية ، وهو ما أبهر العالم وصدم الغرب وأمريكا في تكتيكات وسياسة تسليم السلطة في مصر في مرحلة حرجة وخطيرة لعملاء الغرب (إخوان المسلمين) كفرصة لهم ليثبتوا مصداقيتهم أو خيانتهم للشعب المصري وبأيديهم ، وقد كان الإخوان عن ظن الجميع بهم فأسقطوا أنفسهم بمنتهى الحمق والغباء السياسي والنفسي ، ولو فطن قادة الإخوان من الماسونية في الغرب لهذا ما استعجلوا تقسيم مصر وهدم مقوماتها وفضح مخططاتهم بهذه السذاجة والهطل السياسي ولاكتسبوا مزيدا من التأييد الشعبي بقليل من الرفاهية للمصريين ومزيدا من مسرحيات الحريات والديمقراطية التي يمارسون ألاعيبها على شعوبهم بتميز وامتياز ، ولكن أمريكا والغرب افترضوا أن المصريين حمقى كغيرهم من جيرانهم وسينزلقون للتصارع وهدم دولتهم بل وافترضوا أن الجيش المصري كغيره من الجيوش التي دمروها بالخيانة والتآمر والخداع وأن هذه الأمة لا يحكمها سواهم وبواسطة عملاءهم الخونة من تجار الدين ، ففجعتهم ثورة شعب يحميه جيش قوي على قلب رجل واحد (في الثالث من يوليو 2013م) وقبل يومين من إعلان أولى خطوات التقسيم لمصر بإعلان الإمارة الإسلامية في سيناء بيومين في الخامس من يوليو (كما تعترف هيلاري كلينتون تفصيلا في كتابها الأخير) ، ليسقط مخطط تقسيم مصر وتدمير جيشها للأبد ، وتعود هيلاري كلينتون لتعترف من جديد أنهم مازالوا لا يعرفون كيفية التعامل مع النظام المصري لأنهم خاسرون في جميع احتمالات ردود الأفعال المتاحة والممكنة .
ورغم حداثة دخول مصر لهذا النظام العالمي الجديد لنظم الحكم إلا أن مصر تعد رائدة بما إضافته من مستجدات لقيم مستحدثة لقدرات المناورة الإستراتيجية التي أبهرت العالم وعلى رأسها أكبر وأشرس رجال المخابرات حنكة وقدرة واحتراما وهو الرئيس الروسي (بوتين) وهو من أحيا رفات الاتحاد السوفيتي في عشر سنوات وأعاد روسيا كدولة عظمى بعد سقوطها المدوي ، فتظهر ملامح النظام المصري في استقبال بوتين التاريخي لوزير الدفاع المصري ورجل مخابراتها قبل ترشحه للرئاسة ثم استقباله مرة أخرى كرئيس لدولة عظمى لها وزنها وثقلها ، ثم زيارة بوتين التاريخية لمصر وما تخللها من تفاهمات واتفاقيات تم توقيعها ، وهو ما يثبت أن بوتين يدرك تماما مدى استفادة بلاده من شريك استراتيجي قوي له مصداقيته مثل مصر في ظل نظام حكمها الجديد والقوي والقادر على إحداث الفارق المطلوب في موازين القوى على الساحة الدولية مستقبلا ، ولذلك لا تألوا الإدارة الروسية جهدا في مساندة مصر والوقوف بجانبها ودعمها بشتى الصور المعلنة والغير معلنة .
ولعله لا يغيب عنا بعض اللمحات العارضة والتي تثبت أن هناك نظاما واعيا وقادرا على تحقيق الاستقرار والتقدم مثل سرعة وقوة رد الفعل المصري ردا على ذبح داعش للمصريين في ليبيا ، فلو لم يكن هناك تخطيطا مسبقا وتقديرا وتوقعا لحدوث مثل هذه المواقف ما كان رد الفعل السياسي والعسكري الفائق الامتياز قد جاء بمثل هذه السرعة والقوة وهو يثبت أن هناك عقولا واعية تدير وتدار بتقنيات وعلوم فائقة القدرة والتقنية والولاء والانتماء ، وهو ما ألجم كل من خطط ومول وساعد وساهم ونفذ ، بل ودفع تركيا لمحاولات الصلح مع مصر بوساطة أردنية سعودية إماراتية ، ثم كانت مفاجأة المؤتمر الاقتصادي ومستويات نجاحه التي فاقت كل التوقعات حتى أبهرت المتربصين قبل المؤيدين ، وأسقطت حسابات الكثيرين وقدراتهم على التحليل والفهم لقدرات وإمكانيات هذا النظام ، ثم كانت مفاجأة تصريح رئيس الوزراء الأثيوبي في المؤتمر لتؤكد أن هناك نظاما مصريا يعي ما يفعل ويعمل في صمت أضعاف ما هو معلن أو معروف ، ودللت كلمات جون كيري المهزوزة فضلا عن تعبيرات وجهه عن فقد الاتزان والاتجاه .
ولكن تبقى ملاحظة هامة على مفردات الواقع الدولي من نظم حكم الجيل السابع ، وهي أن أبرز نظم الحكم الغربية تتبع منظومة واحدة هي الماسونية العالمية وهي أقوى وأكبر المنظمات المسيطرة على دول كبرى وكيانات بأكلمها وتمارس الضغوط على الكثير من الدول التي خضع حكامها لمؤامرات الإخضاع والإفساد الماسونية مثل قطر وتركيا ، وعلى الجانب الآخر تقف روسيا التي تناهض الماسونية التي فككت الاتحاد السوفيتي من قبل ، وبجوارها الصين وكوريا الشمالية والهند بتسليحها الروسي ، ثم فجأة تنضم مصر لأعداء الماسونية العالمية في مفاجأة صادمة ومدوية بعد أن كانت أكبر قلاع الماسونية لعام كامل تحت سطوة عبيد الماسونية (إخوان المسلمين) ، فتقلب موازين القوى وتوقف مخطط الماسونية للسيطرة على الشرق بأكمله ليبدأ عصر جديد من ترتيب خريطة العالم على غير هوى ومخطط الماسونية والتي عملت عليه لأكثر من ثلاثة قرون .
تلك كانت لمحات من تطور أجيال الحرب ونظم الحكم وليس هناك من يعرف الحقيقة الكاملة ، ولا توجد الحقيقة المطلقة ، ولا كل ما يعرف يمكن أن يقال ، ولكن لا ننسى أن تطور الأمم هو صناعة تتطلب أصحاب القدرات لا أصحاب الأبواق والشعارات ، ونكرر للمتشدقين دوما أن للدول أعمار مثل البشر تنهار بعدها لتقبع في قاع الحضارة عقودا وربما قرونا حتى تستعيد وعيها الجمعي فتنهض وتعاود الكرة في سباق التقدم ، ونذكرهم (لو كانوا يفقهون) أن جميع المؤشرات تؤكد أن مصر قد حان دورها لتعود دولة عظمى مرة أخرى وفي غضون سنوات قليلة وهو ما تخشاه كثيرا من الكيانات المسيطرة على مقادير العالم ، وتحاول مستميتة عرقلة النهوض المصري ولكن دون جدوى (فقد سبق السيف العزل) وانفجرت فوهات البركان المصري ، وأحرقت في طريقها من ساء حظهم وطمست قلوبهم فظنوا أن مصر غنيمة ومغنما للخونة ، وسيحرق في طريقه كل معترض أو رافض مهما كان .
وإذا كانت نظم التسليح قد تطورت من الأسلحة التقليدية المعروفة إلى الهارب والكيمتريال وما خفي كان أعظم وأخطر ، وتطورت وسائل نظم الحرب وتكتيكاتها وأساليبها في العقود الأخيرة هذا التطور الرهيب ، حتى بلغت حدود السيطرة على البشر عن بعد آلاف الأميال ، فالعلم ليس حكرا على بشر دون بشر فنحن أصله وأصحاب المفاجأت غير المسبوقة دوما ، والأهم أن لا ننسى أن أساس حياة الأمم وتقدمها هو الإنسان ولا يقهر بشر إلا من داخله ، ولن تستطيع أية قوى أن تجتاح أو تعرقل تقدم وطن فيه بشر يدركون قيمة العلم وقيمتهم وقدور نفوسهم وكرامة أوطانهم ، ولا عيب في وجود الضعفاء بل وحثالة البشر من المغيبين والعملاء والخونة في كل أمة وشعب فتلك سمة البشرية ، بل هم ضرورة لإيقاظ الوعي الجمعي للشعوب لما يتهددهم من أخطار ، فلولا الخيانة ما أدركنا روعة الإخلاص والولاء ، ولولا الغباء ما عرفنا عظمة الفهم والإدراك ، فلولا الليل ما تمتعنا بجمال النهار .



