رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

لقد تخطت حياتنا اليومية التي نعيشها عتبة الفعل المسرحي، بل إنها فضاء مسرحي بالفعل، وهذا ما جعل المسرح الذي نعرفه قاصرًا على التعبير عنها الآن، لكن البعض يسيئون ذلك التعبير ويسفّهون منه أحيانًا، غير أن عرض «روح» الذي يقدمه مسرح الطليعة منذ مايو لعام 2015، تجاوز ما هو موجود بخشبات المسرح، ونجح القائمون على العرض في إيجاد أشكال تعبير جديدة ليتمكنوا من حُسن التعاطي الفني مع مشاغل الناس على أرض الواقع.

كما نجحوا وبجدارة في تخطي خانة التقليد التي اعتدنا عليها في عصرنا الحالي، وقاموا بالتجريب، ذلك النمط الذي يحتاج إلى مهارات كثيرة في العمل المسرحي، وأثبتوا أنهم يمتلكون أدوات الهوية الثقافية الفنية على مستوى النّص وغيره الخاصة بالتجريب الصحيح، مراعين في ذلك اللغة العالمية الخاصة بالمسرح وأدواته المُعممة، وتمكّنهم من استخدام العربية الفصحى في العرض دون إغفال لغات الإيماء والإشارة والحركة والصوت والضوء، والفعل المسرحي الذي يفهم لغته الجميع.

أحداث المسرحية تدور داخل «بار»، وفيه يقدم الممثلون مشهدًا بانوراميًا لحياتنا اليومية يرتبط بمرحلة زمنية معينة خاصة بكل واحد من جمهور المتفرجين حسب طريقة تفكيره في الروح والحياة وكيفية عيشه لها. وعلى مدار ما يزيد عن ساعة هي مدة العرض تقدم المسرحية تجربة ثرية تبدو عصيّة على التخليص في عرض مسرحي واحد، لكنها كافية للتعبير عن حياة الآلاف من البشر في واقعهم اليومي.

كلنا يعلم أن طبيعة الإنسان تحب أن ترى وتسمع، فنحن نستمتع بحاستي السمع والبصر، وحياتنا اليومية مملوءة بالموسيقى، وقد تمكن القائمون على العمل المسرحي «روح» من استخراج تلك الموسيقى وإظهارها للعلن، وأعتقد أن فكرتهم تلك ليس المقصود منها ترجمة النّص من خلال الموسيقى والصورة، لكنهما في حوارٍ معه.. فلقد نجح الفريق في تشارك فكرة هذا العمل الرائع، وعبّروا عن الفكرة ذاتها بأدواتهم الفنية الخاصة بكل منهم، ما أنتج ذلك العرض الذي يتداخل فيه الأداء التمثيلي والموسيقى والغناء وفن الإضاءة والتأثير الصوتي في مساحة واحدة على الخشبة بتناغم بوسع المكان.

وقاموا أيضًا بتوليف هذا العمل في قالب موسيقي مكّون من أربع حركات، تشغل كل منها حكاية تنهض على بطلين اثنين، يتحركان في فضائهما الخاص، قبل أن يتحولا إلى شخصيتين ثانويتين في الحركة التالية، حين يظهر بطلان رئيسان آخران لحكاية أخرى.. وحين نصل إلى الحركة الرابعة، تبدأ الحكايات الأربع في التكامل، حول الحياة والروح، في ربط ممتع بطريقة ما بين تحرّك العمل القصصي للمسرحية وحركات عمل موسيقي.

يأتي عرض «روح» ليقتطع جزءًا مهمًا في حياتنا وأفكارنا عن الحياة والروح والموت، مشكّلاً بمساعدة المساحات التعبيرية الأخرى كالموسيقى والغناء وفنون الإضاءة وتأثيرات الصوت فضاء تلّقٍ وفهمٍ إضافيين للنّص المسرحي، فلا تأتي الأشكال الفنية الأخرى لتكون مجرد مرافق فني للنّص، بل شريك في استخراج الصورة وإغنائها وبناء الاستعارة معه.

ورغم أن هناك من يريدون للجمود أن يسري في أوردة الفنون المصرية بصفة عامة والمسرح بصفة خاصة بأساليبهم القديمة، إلا أن هذا العرض كسر عددًا من القواعد الجامدة للمسرح بجعلهم الجمهور جزءًا من العرض نفسه من دون أن يشعروا بذلك وهم يشاهدون العرض في الوقت ذاته.

وفي أول مقالة لي عن عمل فني، أرى أن ظهور عمل كهذا هو عودة للمسرح الهادف من جديد، بعدما أوشكنا على التسليم بموته في عصرنا الحاضر بما يقدمه آخرون من عروض لا تهدف لشيء سوى الضحك من أجل الضحك فقط. هذه العودة التي شاهدتها من خلال عرض «روح» تقول لنا بصوت عالٍ إن المسرح لم يمت، بل لم يتراجع، ولكنه أصبح نادرًا في عصرنا وبحاجة للظهور والاهتمام أكثر، على الرغم من كثرة من يدّعون وصله، إنها عودة لذلك المسرح الذي يفتقده الناس وقلّما يجدونه، وافتقادهم لأسئلة المسرح، تلك الأسئلة الإنسانية الكبرى التي طرحها المسرح قديمًا، ولا تزال تطرح نفسها، وستظل هكذا فهي مرتبطة بجوهر الإنسان ووجوده في هذا الكون.

ومنجز «روح» الأكبر، كغيره من الأعمال المسرحية العظيمة، يكمن وراء الكيفية التي تناول بها هذه الأسئلة، وكيف يحوّل الفكرة إلى صورة حيّة، تتغلل في نسيج العرض، بمعنى آخر، نجح المخرج باسم قناوي في خلق ما يسمى بالصورة المفكرة، التي تمدنا بتجربة حسية وذهنية ومتعة روحية معًا، وتصيبنا بتلك الحمى الرائعة، التي تطّهر أرواحنا، وتعيد صياغتها وتشكيلها، وليس عروضًا تافهة كما يفعل بعض معاصرينا، ربما تصل إلى رؤوسنا، لكنها لا تتغلل قط إلى أعماقنا ووجداننا، ولا تصيبنا بتلك الرعشة الرائعة التي تصيب كل جهازنا العصبي.

المطمئن في الموضوع أن عرضًا مثل «روح» نتج في ظل الثقافة التي نعيشها، وفي شبه غياب للمعرفة الروحية التي تنطلق من التجربة الحسية لتصل إلى مستوى التجريد، لتعود وتستقر في وجداننا في وحدة نادرة بين الفكر والإحساس. كل الأعمال المسرحية العظيمة منذ القدم حققت هذه المعادلة، ولهذا السبب لا نزال نشاهدها على الرغم من مرور قرون، بينما تموت أعمال معاصرة لنا، بعد المشاهدة الأولى لها.

ومن أفضل المشاهد في المسرحية، ذلك المشهد الذي يظهر فيه قابض الروح «الرجل الذي لم يُذكر له اسم» جليًّا لأبطال العرض، ويمنحهم فرصة اختيار أحدهم لقبض روحه وتخليصه من حياته التي لا تروقه، ثم يسود صمتٌ مُطبق على المكان، والصمت جزء أساسي من العرض، في تجسيد رائع للحيرة والتيه الذي لا نهاية له داخل كل واحد من أبطال العرض أمام فرصة الاختيار تلك، التي تصبح مأساة بالنسبة لهم، لكنها مضحكة للجمهور.

في هذا المشهد تحديدًا نجح الممثلون جميعهم في عيش لحظة مواجهة الموت وقبض الروح، وكأنهم عاشوها حقيقة من قبل، تلك اللحظة التي ينتهي فيها الإحساس بالزمن، الزمن الذي يستمر في الدوران، لكنهم لا يشعرون به، لا يعود بهم للماضي ولا للحاضر، فيتجمد كل شيء. كما نجحوا في الوقت نفسه في دفع الجمهور لمعايشة تلك اللحظة معهم، والتي تُمحى فيها الذاكرة والتاريخ، يختلط الماضي بالحاضر، والشخصي بالعام، والموت بالحياة، والخوف بشجاعة الاستسلام لقابض الروح.

مسرحية «روح» تنتهي كما حياتنا اليومية وواقعنا الذي نعيشه، تنتهي بعرض الهرب من الموت، الجميع يهربون، رجال ونساء وعشاق يهربون، سعداء وتعساء ومترددون يهربون، يركضون، يحثون الخطى ويمتنعون عن النظر خلفهم أو التفكر فيما قالوه من قبل، فجميعهم يهربون من شيء، من الحب، من الكلام، من الناس، من واقعهم في الحياة، من الماضي، من الموت.. بكل تأكيد ستشعر بهم، تراقبهم وهم على خشبة المسرح بألم وحسرة لمحاولات هربهم العبثية من قبضة الإله التي لا تفلت ولا تخطئ، لا تهمل ولا تمهل ولا تمهد.

أخيرًا وليس آخرًا، أدعوكم لمشاهدة قصص هؤلاء الذين يحاولون أبدًا الهرب من أنفسهم، لكنهم يعجزون، كما أنهم سيقتحمونكم ولن تستطيعوا الهرب منهم، ولن تندموا على تلك المشاهدة الطيبة.

 

  • العمل مأخوذ عن مسرحية «الوردة والتاج» للكاتب الإنجليزي جي بي برستلي. وأبطال مسرحية «روح» هم: (حسن نوح، سمية الإمام، عابد عناني، سماح سليم، عمر عبد الحليم، أحمد الرفاعي، ياسر عزت، هايدي عبد الخالق). ودرامانورج ياسر أبو العينين، أشعار محمد زناتي، رؤية موسيقية حاتم عزت، إضاءة أبو بكر الشريف، أزياء علا علي، ديكور محمد جابر، ومن إخراج باسم قناوي.
تم نسخ الرابط