رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

لقد تفاجأت الولايات المتحدة بثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي»، وفي الردود الأولى أظهرت المواقف الأمريكية ارتباكًا واضحًا، خصوصًا أن الحراك بدأ في مصر وتونس المحسوبتين تاريخيًا ضمن أصدقاء أمريكا في المنطقة، وشيئًا فشيئًا بدأت واشنطن تصوغ خططًا بديلة للتعامل مع الأوضاع المستجدة، كما أنها ارتاحت للحراك ضد الرئيس بشار الأسد، ووجدت فيه فرصة سانحة لتقزيم دور سوريا الإقليمي، وتدمير مقدراتها العسكرية وبنيتها التحتية خدمة لمصلحة إسرائيل، وانتقامًا من دعم المقاومة في العراق وفلسطين ولبنان.

 

وفي الأثناء، تزداد مخاوف أمريكا من اندلاع حرب أهلية بمكونات طائفية، تهدد وقوع المنطقة بالفوضى، وقد تطال نيرانها حلفاء واشنطن في المنطقة وفي مقدمتهم إسرائيل، وتفرض الأحداث ضرورة خروج الولايات المتحدة عن سياسة الظل، والتوقف عن التذرع بالموقف الروسي والصيني، وكَيْلُ الاتهامات بأنهما كانا السبب في تعطيل التوصل إلى حلول للأزمة.

 

وتلكؤ الولايات المتحدة وعدم وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمة السورية يشي بأنها مازالت ترغب في كسب مزيد من الوقت عبر تبني مبدأ عدم الوضوح، وتشجيع العنف الداخلي المنفلت من أي عِقال، في محاولة ربما لإعطاء الوقت لحلفائها في المنطقة للقيام بإصلاحات سياسية واجتماعية تمنع عنها انتقال شرارة الاحتجاجات.

 

في الوقت الذي تشكل فيه تطورات المواجهات العسكرية بين قوات المعارضة والجيش السوري، وصعود التيارات الجهادية، ضغوطًا إضافية باتجاه حسم الموقف الأمريكي وجعله أكثر وضوحًا بعدما اتسم بالغموض طويلاً، وعدم تبني سياسة واضحة للحل، عسكرية كانت أم عن طريق تشجيع الحل التفاوضي السلمي، غير أن واشنطن مازالت مصرة على تحديد مصير الرئيس بشار الأسد قبل أية مفاوضات، رغم أن الأزمة باتت تهدد أمن واستقرار الإقليم بأكمله.

 

ولا يخفى على أحد أن الخطوط العامة للسياسة الأمريكية في المنطقة بعد الربيع العربي تتمحور على احتواء آثار التغيير في الأنظمة الجديدة للمحافظة على مصالحها، ومنع «التطرف السني»، ومعالجة ملف إيران النووي، إضافة إلى حماية الأنظمة الملكية المؤيدة لها من الانهيار وضمان عدم تعرضها لهزات عنيفة تأثرًا بموجة الثورات، ويبقى أمن إسرائيل العامل المحرك الأهم في السياسات الأمريكية.

 

ويبدو أن هذه الطريقة في التعامل مع الأزمة السورية دفعت واشنطن إلى البحث بسرعة عن وسائل تسهل الخروج من عنق الزجاجة، حيث إن التطورات الميدانية تفرض نفسها بقوة، فالمعارك في حلب مستمرة دون إمكانية الحسم، ونجم التيارات الجهادية في صعود، والنظام يفقد السيطرة على المناطق الشرقية، ويحقق معارضو الأسد مكتسبات كبيرة على الأرض، ويتضح أن أيًا من الطرفين لن يستطيع حسم الأمور عسكريًا في فترة قصيرة، بينما المحيط الإقليمي يغلي بفعل أنباء القتل التي لا تتوقف.

 

وعليه؛ فإن الإدارة الأمريكية برئاسة أوباما أوصلت نفسها إلى خيارات أحلاها مرّ؛ فإما دعم المعارضة بالأسلحة، مع عدم وجود ضمانات بأنها لن تقع في أيدي المتشددين، وعدم استخدامها ضد إسرائيل أو لتقويض أمن واستقرار دول الجوار، وإما التحالف مع الرئيس الأسد لمواجهة خطر الإسلاميين الجهاديين، أو التدخل العسكري، بما يعني عودة واشنطن إلى سياسة تجريب المُجرب في حربي العراق وأفغانستان، غير أنها لم تجد أمامها سوى الاعتراف بالحكومة المؤقتة للمعارضة السورية كأحد الخيارات الأقل كلفة «أمريكيًا»، وسيتبع ذلك عاجلاً «فرض منطقة حظر طيران على المناطق المحررة» وتأمين دعم مادي للحكومة، لكنه لا يعني استقرار الأوضاع، فالمعارك سوف تتواصل وتشتد في بعض المناطق، وقد يفتح هذا الخيار على تقسيم سوريا على أساس عرقي وطائفي واشغالها لسنوات في بحر من الدماء في معارك لتوحيدها مرة أخرى.

 

ومع الأسف يبدو أن واشنطن لا تعطي أولوية لرفع المعاناة عن السوريين، كما لا تضغط للتوصل إلى حلول تفاوضية حفاظًا على الدولة السورية، وتحقن دماء الأبرياء، بل إنها تحصر جلّ اهتمامها بمصير الأسد، ولا تتعاون بما يكفي مع جهود روسيا لجمع المعارضة والنظام على طاولة الحوار، رغم أن موسكو أكدت أنها غير متمسكة بالأسد ولن تطلب منه الرحيل، خاصة وأنه بنفسه أكد في العلن بأنه «لن يرحل»، كما أنه لن يصغي إلى روسيا ولا إلى الصين ولا إيران ولا لأي أحد، وتستند موسكو في هذا باعتبار أنه شأن يجب أن يقرره السوريون وحدهم، ولأنها مقتنعة بأنه يجب التفكير في أن سقوط الأسد، أو إسقاطه، لن يشكل حلاً للأزمة، بل قد يعقدها أكثر، وقد يسرع اشتداد القتال وزيادة أعداد اللاجئين بانتقال الصراع من سوريا إلى الإقليم المجاور، إلى العراق والأردن ولبنان وتركيا، ونشوب حرب طائفية في سوريا والمنطقة، وتحول سوريا إلى دولة فاشلة تصدر العنف إلى جيرانها.

تم نسخ الرابط