رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

​أشرق أول أيام شهر "محرم" يوم الثلاثاء الماضي، ونبضت معه قلوب العالم الإسلامي فرحة وسعادة، احتفالاً بذكرى غالية وعطرة، وهي رأس السنة الهجرية الجديدة، ويعد هذا الحدث ليس مجرد بداية لتقويم زمني جديد، أو تاريخ عابر لعام مقبل، بل هو محطة سنوية لها أهميتها وقيمتها، تجمع بين العبادة، والتاريخ، والبهجة الاجتماعية.

 

​كما يتزامن هذا التوقيت مع واحد من أبرز المظاهر الإيمانية الجليلة، وهو استبدال كسوة الكعبة المشرفة بكسوة جديدة تُصنع بأيدي أمهر الفنيين والصناع، بعد أن كان موعده التاريخي السابق يوافق يوم عرفة "التاسع من ذي الحجة" خلال موسم الحج، وجاء هذا التغيير التنظيمي ليتيح لضيوف الرحمن التركيز في مناسكهم، ويمنح مناسبة رأس السنة الهجرية حدثاً استثنائياً يحتفي به المسلمون في شتى بقاع الأرض.

 

​تتكون السنة الهجرية من 12 شهراً، من بينها أربعة أشهر مميزة لها مكانة عظيمة عند الله عز وجل، وتسمى "الأشهر الحُرُم"، وهي: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، رجب وهو الشهر الذي يأتي منفرداً.

 

وتعود تسمية هذه الأشهر الأربعة بـ"الحُرُم" نظراً لأن القتال فيها كان محرماً منذ القدم لتأمين الطرق للحجيج والمسافرين وحركة التجارة، بجانب أن الوقوع في الذنب والظلم خلال هذه الأشهر يُعد أعظم عقاباً ووزراً، في حين أن العمل الصالح والعبادة خلالها يكونان أكثر أجراً وثواباً.

 

​تتنوع مظاهر الاحتفال برأس السنة الهجرية في عالمنا العربي والإسلامي ما بين الشق الروحي والشق الاجتماعي، فالاحتفال باستقبال السنة الجديدة ليس مجرد يوم إجازة رسمية، بل هو مناسبة سنوية غالية على القلوب من أجل الاستثمار النفسي والديني، لذا فإن من أفضل الطرق لاستقبال هذا الحدث الجليل: ​الذكر والدعاء بأن يجعله الله عام خير وبركة وسلام، ومحاسبة النفس من خلال الجلوس مع أنفسنا لمراجعتها على ما قدمناه العام الماضي، وتحديد ما نسعى لتحقيقه في العام الجديد بما يرضي الله، بالإضافة إلى السعي لتجديد النوايا بهجر الذنوب والابتعاد عنها والتقرب إلى الله عز وجل، فضلا عن الحرص على صلة الأرحام، والتسامح، وتصفية القلوب من خلال بدء صفحة بيضاء جديدة مع الأهل والأصدقاء.

 

​الفرق بين السنتين الهجرية والميلادية يعتمد على "الشمس والقمر"، فالسنة الميلادية تعتمد على دوران الأرض حول الشمس، وعدد أيامها 365 أو 366 يوماً، وهي ثابتة في فصولها "فمثلاً شهر يناير يأتي دائماً في الشتاء".

 

بينما السنة الهجرية تعتمد على ظهور الهلال ودورة القمر حول الأرض، وعدد أيامها 354 أو 355 يوماً، وهنا نلاحظ أن السنة الهجرية أقل عدداً في الأيام من السنة الميلادية بحوالي 11 يوماً تقريباً كل عام، وهذا الفارق هو السر وراء اختلاف مواعيد المناسبات الإسلامية، فنجد أن رمضان أو رأس السنة الهجرية يأتي تارة في الصيف، وتارة أخرى في الشتاء، الأمر الذي يجعله يدور على فصول السنة الأربعة كل 33 عاماً.

 

​ترتبط السنة الهجرية بحدث غيّر مجرى التاريخ، وهو الهجرة النبوية المشرفة للرسول "صلى الله عليه وسلم" من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ولم يكن هذا التقويم موجوداً بشكل رسمي حتى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب "رضي الله عنه"، فقد احتاجت الدولة الإسلامية المتسعة إلى نظام محدد لتأريخ الرسائل والمعاملات، لهذا اتفق الصحابة على أن تكون "الهجرة النبوية" هي نقطة الانطلاق والصفر لكل عام جديد.

 

​ختاماً.. ​تساهم الأعياد والمناسبات السعيدة في إنعاش قلوبنا ونفوسنا بالسعادة والفرحة، وتُعيد لنا البهجة من خلال مشاركة الجميع التهاني والتبريكات، التي هي بمثابة ترمومتر الحياة، فبدون حياة اجتماعية تصبح الأيام  بلا معنى، والكل ينتهز الفرص للسعي نحو التقرب إلى الله "عز وجل" بالأعمال الصالحة التي ترضيه.

 

​وما أجمل أن ينظر الإنسان في عامه الراحل: ماذا أنجز؟.. وماذا أخطأ فيه ليصححه؟.

​كل عام وأنتم بخير وسعادة وسلام، اللهم اجعل أيامنا جميعها أعياداً ومناسبات سعيدة تفرح القلوب وتُهدئ النفوس.

 

 

تم نسخ الرابط