بقلم : د. داليا مجدى عبدالغنى
رائعة جدًا فكرة صنع نصب تذكاري للشخصيات العظيمة التي أثْرَت الحياة ، فكما هي دليل على والوفاء والاعتزاز بهؤلاء الأشخاص ، ورسالة من عالم الأحياء إلى العالم الآخر ، فحواها أننا لن ننساكم مهما مر الزمن ، ولكن للأسف ، في الوقت الحالي أصبحنا لا نعتبر هذه الشخصيات هي المثل الأعلى والقدوة الحسنة . فنحن ننتهي عند النصب التذكاري ، أي التمثال المصنوع فقط ، ويتحول إلى علامة للشارع الذي نريد الوصول إليه ، أما مثلنا الأعلى وقدوتنا قد يكون بعيدًا كل البعد عن العظمة والثقافة والإبداع ، فنحن الآن ننبهر بالظواهر المؤقتة التي تجذبنا بشكلها الخارجي ، وكما نقول اليوم "النيولوك" ، فهؤلاء هم مثلنا الأعلى ، فكل من يظهر على ساحة الحياة في أي مجال من مجالاتها ، ويخرج بظاهرة جديدة غير مألوفة بالنسبة لنا ، يجد صدى لدينا ، حتى لو كانت هذه الظاهرة غير مجدية على الإطلاق ، ولن تفيد البشرية بشيء ، ولم تأتِ بجديد على الحياة ، فنحن أصبحنا ننظر للحياة من الخارج فقط ، وأصبح المضمون ليس له قيمة ، وبتنا نكتفي ببعض السعادة التي نشعر بها حين نرى ما هو جديد لدينا ، دون محاولة التفكير فيما إذا كان هذا الشيء له قيمة حقيقية تستحق الوقوف عندها ، أم أنه مجرد تقليعة جديدة لم تثمر سوى إفساد الذوق العام ، وتغيير مبادئ المجتمع ، وتشتيت الأفكار .
لماذا أصبحنا ندع كل ما هو له تراث وفكر وتاريخ ، ونُعِدُّه "موضة قديمة" ، لا تتواءم مع عصرنا الحاضـر ، وكأن التكنولوجيا تتعارض مع التراث والتاريخ ، فهل يمكن للإنسان أن يهرول وراء أي ضوء أخاذ ، دون أن يسأل نفسه ولو للحظات ، هل هذا الضوء هو نور ينير الطريق ، أم أنه نار تحرق كل من يقترب منها ؟ لقد منحنا المولى عز وجل العقل والعين لكي نرى ونفكر ، ولابد لنا أن نحلل كل شيء قبل أن نسايره ونحاربه ، فنحن لسنا أدوات مهيأة للتأمين على كل ما يبث لنا في الحياة ، بل نحن ذوو عقول وقلوب لها مطلق الحق في أن ترفض أي ظاهرة فاسدة مضللة ، تحاول استقطاب العقول وتغييبها ، وأظن أن الفساد الذي لا يُطلق فقط على الإدارات والسلطات والسياسات ، ولكنه يُطلق أيضًا على كل ما هو مفسد للعقول والأفكار ومُغيب لها ، فقديمًا كانت الخمور والمخدرات هما من يغيبان العقل ، أما الآن فأظن أن أغلب الظواهر المستحدثة والمستجدة علينا أصبحت تُغيب عقولنا ، فنحن على أهبة الاستعداد لأن نساير أي شيء جديد دون تفكير أو تروٍ أو تدبير ، فأين المثل الأعلى الذي كانت الناس قديمًا يكافحون ويتحملون صعوبات الحياة ؛ حتى يجعلوا من أنفسهم مثلاً أعلى آخر للناس . لقد أصبحنا محل شفقة ورثاء ، فمما لاشك فيه أننا لن نصنع نصبًا تذكارية كثيرة في الفترة القادمة ؛ لأن الإبداع الحقيقي اقترب على الاندثار ، والعقول المفكرة غابت مع وهم الأضواء الزائفة ، ولا يسعني سوى أن قول : "وداعًا لأصحاب النصب التذكارية" .



