rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شريف درويش اللبان

ما أصعب الشعور بالفراق، ما أصعب الإحساس بأنك فقدت شيئًا غاليًا في هذه الحياة، الحياةِ التي لا تخلو من المشاعر والأحاسيس المختلفة من تقاربٍ وتباعُد، من تصالُحٍ وخِصام، من تواصُلٍ وتنافر، من وصلٍ وقطيعة، إلا أن الذي يبقى أن ثمة أشخاص مهمين في حياتنا نتألمُ لغيابهم عن هذه الحياة أيًا كانت عملية تبادل المشاعر والأحاسيس والعواطف معهم في هذه الحياة الدُنيا؛ فاختفاؤهم من الحياةِ فجأة يجعلُ الحياةَ نفسها بلا نبْض أو دقات قلْب أو فوْرة مشاعر سواء كانت بالحبِ أو غيره، يجعلُ الحياةَ تُسدلُ ستائرُها السوداء على كلِ الأحداثِ الصغيرة، على كلِ المعاركِ الحقيرة، على كلِ ما كان يعتقدُه الإنسان أنه أمورٌ عَظام، تتحولُ مع الفراق إلى أن تكونَ والعدمُ سواء.

حقيرةٌ هى الحياة، لا تعدِلُ عندَ اللهِ جناحَ بعوضة، ولكن يقررُ الناسُ فيها أن يعيشوا بقوةِ الدفع أو التدافع، ولولا هذا التدافع لفسدت الأرض، لله في خلقه شئون، لن يُعرف المُفسدُ من المُصلح إلا يوم الموقفِ العظيم، يوم أن تُوزنَ الأعمالُ للناسِ أو عليهم، فمن يعمل مثقالَ ذرةٍ خيرًا يره ومن يعملُ مثقالَ ذرةٍ شرًا يره. لا أحدَ يعرفُ ولا يستطيعَ أن يُجزم من سيدخلُ الجنةَ بسلام ومن يدخلُ النارَ جزاءَ ما اقترفت يداه، كلنا على أكُفِ الرحمن، وطامعون في فضلِه قبلَ عدلِه.. رَحِمَ اللهُ جميعَ من رَحلوا عن دنيانا.

ولكن يظلُ الرحيلُ ثقيلاً وصعبًا ومؤلمًا على كلِ الأُسر التي فقدت أحدَ أفرادِها لتهلَ عليها نسماتُ العيد دونَ وجودِه ودونَ التطلعِ إلى طلتِه المُعتادة ووجوده بينهم في العيد يهنئهم به ويشاركهم فرحتَه. فقدتُ خالي منذ أسابيعَ قليلة، وأحسستُ هذه المشاعر مع قُربِ قدومِ العيد.

وقُبَيْلُ فجرِ يومِ عيدِ الفطر ليلة الأربعاء الماضي تلقيتُ خبرَ وفاةِ شقيقي الأكبر الذي حولَ العيدَ إلى حزنٍ كبير، ما بين مستشفى وصلاةِ جِنازة ومراسمِ دفن وليلةِ عَزاء، العيدُ كلُه تم تلوينُه بفرشاةٍ سوداءٍ قاتمٍ لونُها، المشهدُ كلُه كان مُجَلَلاً بالسوادِ الذي يليقُ بمُصيبةِ الموت، فالأسودُ هو المجهولُ الذي يذهبُ إليه المُتَوَفَى ولا يعودُ أبدًا ليخبرنا بما حدثَ له، ما بالُ الناسُ يذهبونَ ولا يعودون ويرحلونَ ولا يأتون، ولكننا نحسبُهم على خير وندعو لهم، ولا نملكُ لهم غيرَ الدُعاء، وهم لا يملكونَ لأنفسِهم سوى أعمالُهم الصالحة وشهاداتُ حقٍ تُقالُ في حقِهم.

بَيْدَ أن هذه الأحاسيس الشخصية تشعرُ في العيد عندَ ذهابِك للمقابر بأنها أحاسيسٌ جمعية عاشها المصريون الفراعنة منذُ قديم فيما كانوا يسمونه "العيدَ الجميلَ للوادي" حين كانوا يذهبون إلى الجبانات ليؤنسوا وحدةَ موتاهِم، وليتذكروا خِصالَهم الطيبة، وتستطيعُ أن تشعرَ عند مروركِ على المقابر من له متوفٍ جديد، من هم المجاريح الذين لم تندمل جِراحَهم التي تسببت فيها آلامُ الفَقْدِ والفراق.

لا تستطيع أن تفرقَ في هذه المشاعر بين الأُمهاتِ الثكلى والأبناءِ اليتامي والزوجاتِ التي ترملت، بين من ماتوا قضاءً وقدرًا، وبين من انتزعتهم يدُ الإرهابِ الآثمِ من ضباطِ وأفرادِ الجيشِ والشرطة والقضاة ورجالِ الدينِ المسيحي والمواطنين المصريين الذين بذلوا جميعًا دماءهم دفاعًا عن شرفِ هذا الوطنِ وكرامتِه، لا تستطيع أن تفرقَ في هذه المشاعرِ بين المسلمينَ والأقباطِ تحتِ سماءِ الوطنِ الواحد.

وفي النهاية، ندعو لجميعِ موتانا مسلمينَ وأقباط بأن يتغمدَهم الله برحمتِه وفضلِه، وأن يُلْهِمَ آلهم الصبرَ والسُلوان، وأن يُنزلَ الشُهدَاءَ مَنْزَلَ صِدْقٍ عندَ مليكٍ مُقْتَدِر، وأن يربِطَ على قلوبِ ذويهم، وأن يُنزِلَ عليهم السكينة، وأن يعيدَ عليهم الأعيادَ أعوامًا عديدة مديدة، وأن تكونَ هذه الاعيادُ ليست كهذا العيد الذي كان بطعمِ الدُموع لعديدٍ من الأسر المصرية .. مِصْرُ باقية.. وكُلُنَا زَائلون.  

تم نسخ الرابط