كتاب الحقيقة الغائبة لفرج فودة، هو أحد الكتب التي تم قتل فرج فودة بسببها عام 1992، في الكتاب قارن الكاتب بين رؤيته للدولة الدينية في العصر الحالي ورؤيته للدولة الدينية في التاريخ الإسلامي، من خلال ردوده على مدعي إمكانية تطبيق الدولة الدينية على مدار التاريخ الإسلامي في العصرين الأموي والعباسي.
ويرى فرج فودة أن أصحاب النداء بالدولة الدينية ليس لديهم برنامج سياسي متكامل لعلاج المشكلات الموجودة، وعدم وجود تصور لتغيير الواقع.
بمراجعة الكتاب، نجد أن أفكار فرج فودة تنتقد الدولة الدينية التي قامت بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، أما دولة النبي فقد قامت على أسس القرآن الكريم والشورى العامة وشورى أهل الاختصاص والخبرة، ولذلك بدأ النبي بإصدار وثيقة المدينة لوضع القوانين اللازمة لضمان الحرية والعدل والمساواة، مع متابعة تطبيق القوانين حتى يحترمها الناس ويعملون بها.
لقد بدأت التجربة السياسية للنبي عليه الصلاة والسلام بفكرة الدولة الدستورية القائمة على وثيقة المدينة، التي ناسبت الواقع بما يحمل من مشاكل سياسية واجتماعية من أجل إيجاد الحلول وفق مفاهيم القرآن الكريم ومقاصده.
في تجربة النبي السياسية في المدينة كان الحكم يميل إلى مبدأ الفصل بين السلطات فصلاً مرناً، مما يتيح الفرصة للتعاون والتداخل والمراقبة فيما بينهم، دون الميل إلى مبدأ الفصل الجامد والمطلق الذي يقود إلى مخاطر جمع السلطة عند فرد واحد.
ولما بدأت تتسع دولة المدينة رأى النبي عليه الصلاة والسلام أن يختار من الرجال الأمناء الأكفاء لتغطية هذا الاتساع الديني والسياسي في المنطقة، وقد كان اختياره لهؤلاء الرجال من خلال الشخص المناسب في المكان المناسب، حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام يدرك قدرات أصحابه وكان يختار من يمثله، وكان يعين الوالي على الولاية ليرعى الشؤون السياسية ويرسل معه قاضياً يقيم السلطة التشريعية، ومثال ذلك عندما أرسل أبي موسى الأشعري ومعاذ إلى اليمن.
أما عن الشورى في الإسلام فقد وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مجالات، في المجال الأسري: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) البقرة 233، والاجتماعي: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) آل عمران 159، والسياسي: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) الشورى 38، وقد جاء ذكر الشورى بين الصلاة والزكاة لبيان أهميتها، بأن تكون سمة من سمات التطور بالنسبة للفرد والمجتمع، ولهذا جاءت اسم لسورة من سور القرآن الكريم وهي سورة الشورى.
والشورى ضرورية لممارسة ولاية الأمر لكل ما يتعلق بالحكم والسياسة والتشريع، قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، لقد خضع الجانب التنفيذي للشورى للتطور بحيث أعطى إمكانيات لم تكن متوافرة من قبل، والشورى طبقها النبي عليه الصلاة والسلام، كما في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)، وهذا هو الجانب التنفيذي للشورى المتاح في ذلك الوقت، متمثلاً في الحوار مع رؤساء القبائل وكبار القادة، فمفهوم الانتخاب والاستفتاء لم يكن معروفاً وقتها.
ولذلك فالمجتمع الإسلامي هو مجتمع مدني فيه حرية التعبير عن الرأي والرأي الآخر والتعددية الحزبية، وتقوم الدولة فيه على الانتخابات بمستوياتها المختلفة، وكذلك مبدأ تداول السلطة والمساءلة والمعارضة، وأن مفهوم أهل الحل والعقد، وإجماع الجمهور وغيرها من الموروثات، ليس لها إلا قيمة تاريخية لا تفيد في بناء دولة معاصرة، لأنها قامت على ظروف تاريخية مختلفة عن الظروف الحالية، ومن خلال ثقافة وأدوات معرفية تختلف عن ثقافتنا وأدواتنا المعرفية.
كما أن الإسلام بقيمه الأخلاقية غير قابل للتسييس، والمجتمع الإسلامي هو مجتمع مدني فيه حرية التعبير عن الرأي والمعارضة، ودولته مدنية تقوم على تداول السلطة ومحاسبة المسؤولين، وتستمد شرعيتها من ميثاق دستوري، وهي دولة لها قيم أخلاقية فلا يجوز تحت شعار فصل الدين عن الدولة أن يسود الغش والرشوة والفساد.
ولذلك فالخطاب السياسي والتشريعي في القرآن لا يتوجه إلى حاكم، وإنما يتوجه إلى الأمة التي تحكم حسب ما يسمى الآن بالديمقراطية المباشرة.
ولأنه ليس في الدولة الإسلامية سيطرة للحاكم وحده، ولأن المسلمين كانوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم بالشورى، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لم يرشح بعده حاكماً بل ترك الأمة تختار حاكمها بنفسها.
لقد خلط فرج فودة بين الدولة الملكية الوراثية التي ظهرت مع الدولة الأموية، وبين دولة الإسلام التي أسسها النبي عليه الصلاة والسلام، والتي تجمع بين مفاهيم القرآن والقيم الإنسانية والدولة الدستورية القائمة على وثيقة المدينة.



