رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

قد تعتقد بعض الشركات أن خدمة ما بعد البيع تعد منحة منها، تقدمها للعميل الذى شاء سوء حظه أن قام بشراء أحد منتجاتها، فمن حقها سحب هذه المنحة متى شاءت ومتى أرادت، رغم أنها فى حقيقة الأمر حق أصيل للمستهلك. ولكن فى عرف السوق المصرية، من الوارد السماح بتحويل هذا الحق إلى معركة يومية لدى بعض الشركات مع المستهلك، حين يكتشف أن رحلة الشراء لم تكن سوى بداية لمعاناة طويلة مع مراكز الخدمة والضمانات والصيانة، عند ظهور عيب فى المنتج. من هنا تحديدا تبدأ رحلة العذاب والتعقيدات التى تصاحبها مرحلة تسويف ومماطلة ليس لها من آخر. حتى يجد من يسعفه أو حتى يجيب عليه. لتتحول وبقدرة قادر خدمة ما بعد البيع، التى كان من المفترض أن تكون عنوانًا للثقة والالتزام، إلى واحدة من أكبر المشكلات التى يعانى منها المواطن، الذى تم خداعه عن قصد وتعمد من قبل بعض الشركات، بحملات إعلانية مدفوعة الأجر، عن مدى جودة منتجاتها، وعن توافر قطع الغيار اللازمة ومراكز الصيانة التابعة لها. ليكتشف العميل أن الضمان الذى حصل عليه والذى دفع ثمنه ضمنًا عند الشراء لا يساوى حتى الحبر الذى كتب به، عقب خوضه رحلة طويلة من الاتصالات الهاتفية والانتظار وتحويل المسئولية بين الوكيل ومركز الصيانة والبائع. وقد تمتد فترة الإصلاح (إذا تمت) لأسابيع أو أشهر دون تقديم بديل مؤقت أو تعويض مناسب، بعد تقديم العديد من المبررات، مرة بعدم توافر قطع الغيار، ومرة بمواعيد تؤجل المرة تلو الأخرى، ومرة بردود معلبة لا تحل مشكلة ولا تعيد حقًا، فى الوقت الذى يتحمل فيه المستهلك وحده تكلفة التعطل والخسارة.
 

 


بالمناسبة المنتجات (المعيوبة) لا تقتصر على الأجهزة الكهربائية أو الإلكترونية، بل تمتد إلى قطاعات عديدة، من السيارات إلى الأجهزة المنزلية، مرورًا بخدمات الاتصالات والتجارة الإلكترونية. ففى بعض الأحيان يواجه العميل صعوبة فى الوصول إلى خدمة العملاء، وفى أحيان أخرى يتم تجاهل الشكاوى أو التعامل معها باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه بأسرع وقت، لأن مثل هذه الشركات تعتبر أن خدمة ما بعد البيع ليست حقًا أصيلًا للمستهلك، وبالتالى تتعامل معها باعتبارها تكلفة إضافية ينبغى تقليلها، لا استثمار يحافظ على سمعتها وثقة عملائها. فتتراجع جودة الصيانة، وتقل قطع الغيار الأصلية، وتزداد فترات الانتظار، ما يخلق حالة من الاحتقان وعدم الثقة فى السوق بأكملها. متغافلة إن ضعف خدمة ما بعد البيع لا يضر بالمستهلك وحده، بل يضر بالاقتصاد أيضًا. فالسوق التى تفتقد إلى الثقة تصبح أقل جذبا للاستثمار وأكثر عرضة للشكاوى والنزاعات، كما أن المستهلك الذى يشعر بأنه تعرض للخداع أو الإهمال مرة، سيفقد ثقته فى العلامات التجارية وربما يحجم عن الشراء مستقبلًا، بل سيطلب من العشرات غيره، عدم التعامل مع مثل هذه الشركات، التى لا تعرف سوى فن البيع والخداع، أكثر مما تعرف عن فن احترام حق العميل فى شراء سلعة جيدة.
 

 


وللتصدى لهذه الظاهرة التى تضر بالسوق المصرية، لا بد من اتخاذ عدة خطوات حاسمة. أولها تشديد الرقابة على التزام الشركات بشروط الضمان وخدمات الصيانة المعلنة. وثانيها فرض عقوبات رادعة حال المماطلة أو الامتناع عن تنفيذ الضمان. وثالثها تسهيل إجراءات الشكوى والفصل السريع فيها من خلال أجهزة حماية المستهلك والجهات الرقابية المختصة. كما ينبغى إلزام الشركات بإعلان مدد الإصلاح بوضوح، وتوفير بدائل مؤقتة فى الحالات التى تستغرق وقتًا طويلًا، وفى حال لم تجدى هذه الخطوات، هنا يصبح الحل إغلاق مثل هذه الشركات، لأن نجاح أى شركة لا يقاس بعدد ما تبيعه من منتجات فحسب، بل بقدرتها على الوقوف إلى جانب العميل بعد إتمام عملية البيع.
 

 

فالمستهلك قد ينسى الإعلان، لكنه لا ينسى أبدًا كيف تمت معاملته عندما احتاج إلى الدعم والمساندة. ولذلك عليه أيضا دور لضمان حقه، يتمثل فى الاحتفاظ بالفواتير والمستندات، وتوثيق الشكاوى وعدم التنازل عن حقوقه القانونية. مهما كانت الأسباب والمغريات، فكل شكوى موثقة تسهم فى كشف أوجه القصور ودفع الجهات المعنية إلى ضرورة التدخل، ويأتى فى مقدمتها جهاز حماية المستهلك، الذى نشاهد ما يقوم به بين الوقت والآخر، بدلاً من الجلوس فى المكاتب المكيفة، حتى نضمن أن تكون خدمة ما بعد البيع هى الاختبار الحقيقى لمصداقية الشركات واحترامها لعملائها.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط