بقلم : د. شريف درويش اللبان
الذهب له مكانةٌ خاصة في حياة المصريين ليس في وقتنا الحالي بل منذ أمدٍ بعيد، منذ عهد الفراعنة، حيث كان للذهب بريقٌ وقيمة لدى الفرعون الإله .. انظروا إلى قناع توت عنخ آمون الذهبي، والحُلي الذهبية التي وجدت في مقابر الملوك، وبالنسبة للملكات كان الذهب أعظم قيمة، حيث كانت تتحلى به الملكات وسائر النساء بحسب المقدرة الاقتصادية لكلٍ منهن. ونظرُا لاهتمام المرأة المصرية الفرعونية منذ قديم بالذهب والحُلي، فقد قامت نساء اليهود ليلة الخروج من مصر هروبًا من فرعون ووزيره هامان باستعارة الحُلي الذهبية من جيرانهن بحجة التزين لحضور مناسباتٍ اجتماعية، ثم خرجن مع نبي الله موسى، ويُقال إن الحُلي التي جمعها السامري لكي يصنع عجلاً جسدًا له خُوار لكي يعبده بنو إسرائيل كان من ذَهَبِ المصريين وحُليهم.
وكانت فكرة الخبيئة دائمًا ما تلاحق مقابر الفراعنة القدماء التي نهبها اللصوص على مر العصور، وحتى عندما جاء الخليفة العباسي المأمون إلى مصر أخبره أولاد الحلال بكنوز الفراعين الذهبية المخبأة في الهرم الأكبر، وبالفعل فتح الخليفة المأمون فتحة في الهرم الأكبر لازالت مسماة باسمه حتى يومنا هذا للبحث عن هذه الكنوز إلا أنه لم يجد شيئًا.
ورغم بريق الذهب على مر العصور، وخاصةً بالنسبة للنساء اللاتي يتخذنه للزينة وللوقاية من غدر الزمن، إلا أن سعره لم يكن مرتفعًا؛ لدرجة أن بعض العُملات النقدية المعدنية كان يتم سَكَها من معدن الذهب. ففي الفترة التي حكمت فيها أسرة محمد علي مصر كان الريال (عشرون قرشًا) توجد منه سَكَتَان إحداهما بالفضة (28 جرامًا) وثانيتهما بالذهب (1.7 جرامًا)، وكان النصف جنيه (50 قرشًا) يزن 4.25 جرامًا من الذهب، والجنيه المصري المعدني يزن 8.5 جرامًا من الذهب، أما الخمسة جنيهات المعدنية فكانت تزن وزن الجنيه مضروبًا في 5 أي 42.5 جرامًا من الذهب. وكان الجنيه الورقي ليس جنيهًا بالمعنى المفهوم بل كان سندًا يعطي لحامله الحق في التوجه إلى البنك الأهلي المصري ليسترد ما يعادله من الذهب.
بعبارةٍ أخرى، كان يمكن أن تكون الشَبْكة في ذلك الزمان في الأربعينيات وما قبلها 10 جنيهات للأسرة متوسطة الحال (85 جرامًا من الذهب) وأكثر من ذلك بالنسبة للأسر ميسورة الحال، وقد يكون المهر في المقابل 20 أو 25 جنيهًا للأسرة متوسطة الحال وأكثر من ذلك للأسر ميسورة الحال. ولكن مع انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع أسعار الذهب بدأت الشبكة سعرها يزيد، أنا شخصيًا عندما قدمت الشبكة لزوجتي في أواخر عام 1992، كانت هذه الشبكة لا يتعدى قيمتها 1500 جنيهًا، وكان سعر جرام الذهب دون الثلاثين جنيهًا.
أما الآن فقد فاق سعر جرام الذهب عيار 21 التصور والخيال، حيث لامس الأيام الماضية حدود 500 جنيه شاملاً الضريبة والمصنعية، وهو ما رفع قيمة الشبكة التي لا تزيد عن 100 جرام من الذهب إلى 50 ألف جنيه أو دون ذلك بقليل، وهو ما أدى إلى حالة من الغضب دفعت بعض الشباب إلى تدشين مبادرة على مواقع التواصل الاجتماعي أطلقوا عليها اسم “زواج بدون ذهب”، للتعبير عن رفضهم لتقاليد المجتمع المصري والتي تفرض على شاب في مقتبل العمر أن يحضر شبكة بآلاف الجنيهات. ومن هنا أطلق هؤلاء الشباب صرخات من خلال حملتهم التي يؤكدون من خلالها أن مزايدة والد الفتاة في قيمة الشبكة ليس معناه أنه سيحافظ على الفتاة، وأن الجواز لمن ترضينه خلقًا ودينًا، معبرين عن رفضهم لما تنادي به التقاليد المصرية بأن الذهب الكثير دليل سعادة أكبر للفتاة. ولاقت تلك الحملة رواجًا كبيرًا وموافقة كبيرة بين الشباب المصري الرافض لتلك العادة المصرية، واصفين الشبكة بوحشٍ ينهش الشباب.
ودخلت القرية المصرية على الخط، وبدأت المبادرة من قلب الصعيد، حيث استجابت 3 قرى في الأقصر، لمبادرة شباب قرية دنفيق التابعة لمركز نقادة بمحافظة قنا، بإلغاء الشبكة للحد من المشكلات التي تتسبب في تأخير سن الزواج، ومواجهة ظاهرة العنوسة التي تفشت في الصعيد، ولجوء الكثير من أبناء الأقصر خاصة في البر الغربي للزواج من عجائز أوروبا التي لا تكلفهم أي مصاريف للزواج. وبدأ شباب من منطقة الكرنك ومركز القرنة ومركز أرمنت جنوبي الأقصر، في عقد اجتماعات متواصلة خلال هذا الأسبوع لتفعيل المبادرة، وإقناع كبار العائلات بالموافقة عليها.
وفي النهاية، إذا كانت الشبكة سوف تؤدي إلى صعوبات في زواج الشباب .. يبقى بلاها شبكة خالص، أو يمكن الاكتفاء كما يفعل الغرب الذي تتم فيه الزيجات بخاتم الزواج فقط، الشبكة كما نراها عادة مصرية أصيلة انتقلت إلى الدول العربية بعد ظهور النفط فيها، ولكنها على أية حال ليست عبادة.. لا بد أن نفكر خارج الصندوق علشان ولادنا يعرفوا يعيشوا بعيدًا عن تكاليف الزواج التي تنوء بها الجبال في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.. وإلا هنلاقي الشباب يهرب من الارتباط والخطوبة والشبكة والمهر والشقة.. وينفد بجلده قائلاً: اللي شبكنا يخلصنا..!.



