rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : هويدا عطا

هذه هي المرة الأولى التي أحاول فيها أن أمسك بالقلم بعد رحيلك الموجع وبتفاصيل الذكريات الأليمة الهاربة إليك، حيثما كنت ,واينما ذهبت .. مسكونة أنا دائما برائحة عطرك ومرضك الأخير .. أتذكر قلبك المشدود إلي والمتوهج دائما بنطق اسمي بلهفة المحب الصادق وشغف سماعه ممن حولك، أو من يقصون أخباري عن بعد .. فلماذا اخترت أنا البعد عنك، الذي أشقاني في وجودك وفي غيابك يا أماه.


اقترحي على الآن .. أن أحكي عنك أنت .. متى، قبل أم بعد؟
لا أستطيع أن أنطق أو أكتب اسمك كشخص غائب لن يعود أبدا.


ياللحسرة .. أهي حروف من صخر، وحشة، ظلمة رهيبة لا نهاية لها .. أم أنه الموت .. الحقيقة الأليمة.. تتلقفني كلما ارتميت على صدى صوتك العذب الحنون رغم وطأة أنين المرض، كم كان ناعما خافتا صوتك وهو يعتصره الألم المجنون فيفتك بقلبي المترقب لشفائك المستحيل.


اقترحي يا أماه، عمن أكتب وأسترسل في تفاصيلي وانت كل التفاصيل، ولمن أهديها فيحتفظ بها في أكثر الأماكن سرية ليحافظ عليها ويفاخر بها أمام الآخرين؟
أغيثيني يا أماه... قولي لي .. بماذا أكتب .. وأنت المداد وعمن أكتب وأنت الزاد؟ هل أكتب عن نفسي ؟ وما نفسي ؟ إلا أنت يا كل الناس .. أنت يا بري ويا بحري، يا أمسي وغدي، وحروفي التي تتساقط لتقفز هاربة من بين أصابعي إلى شرياني المسكون بدمك أبدا.


آه يا أماه .. لكم يتمزق قلبي من البكاء والحسرة على رحيلك المبكر عني، وحتى الآن لا تصدق نفسي ما حدث، ما زالت تنتظر صباحاتك المنتشية بصوتك العذب وبسؤالك الدائم عني.


كنت تتحرين حفظ أرقام هواتفي وتواريخي المختلفة، وتقصين علي ما أرتبط بها من أحداث مهمة، مثلما كنت تعشقين إحصاء دجاجاتك وزهور شجرة الياسمين في شرفة بيتك، والآن، هل ترغبين في حفظ أرقامك الأخيرة وعدها؟ حيث اعتلت أبواب حجراتك في صمت مطبق تشاركك الغيبوبة الأبدية، وتنظر الى في شماتة، تزيدني عجزا وحيرة من امري وأمر من ذهبت اليها ولم أجدها في استقبالي كالعادة، لأروي منها ظمأ حنيني وبعدي عنها.


أي أرقام قاسية هذه التي اتت بخاتمتك يا أماه، أي أرقام هذه التي احتوت الآمك وصوت أوجاعك التي كانت تبكي لها الجدران والعيون الملتفة حولك من زائرين وأطباء وممرضات بلا هوادة أوانقطاع، وأي حجرات هذه التي شاركتك تحمل ما كنت عليه من عذاب طال لشهرين كاملين، وأي ألواح معدنية جهنمية تحصنت بها تلك الأرقام المشؤومة (212،907،309)؟ حيث الوجوه تتزاحم على أرقامك وإلقاء نظرة أخيرة على جمالك النائم رغم مرضك وذبولك، وكم كنت من قبل تخشين أن يرى أحد وجهك خجلا وحياء رغم الجمال الذي حظيت منه بقدر كبير من بين قريناتك، فكنت تسدلين على وجهك القمري طرحة سوداء فتزدادين جمالا وجاذبية ونزداد نحن فخرا وسعادة برائحتك الطيبة وبحكاياتك المؤنسة.


آه يا أماه، هذه أرقامك الحزينة ما عدت أرغب في حفظها أو تذكرها أو اعطائها لمن يرغب في زيارة أخيرة، فلا أحبذ تدوينها بمذكرتي السوداء.


آه يا أرقام أمي الحزينة، هل ما زلت تتصدرين حجرات المرضى وتعزفين على نفس الوتر من اللهفة، والترقب والدعاء والخوف والرجاء الخاوي، والطمأنينة الخادعة.
آه يا أمي، لماذا رميتني بنظرة وبكلمة ما زلت لا أفهمها، ولكنني أعيشها وكأنها اللحظة؟! ما زلت أعيشك يا أمي بكل انسانيتك وشفافيتك الرائعة وتفاصيل حكاياتك وسردك الشائق لها..

لكنني أتساءل .. لماذ تسرقنا الأيام ونغفل عمن نحب ، نغفل عن دفء الأم الذي غمرنا بالحب والطمأنينة ، فنصحو ذات يوم لنرى أن ما نكسبه في الغياب والغفلة .. لا يساوي شيئا أمام ما نفقده ونتحسر عليه .


أمي لا أملك إلا أن أقول لك شيئاً الآن بعد أن هربت الكلمات من شاطئ بعيد بعيد ورحلت إليك أنت فقط، أمى لا أملك إلا أن أقول لك شيئاً واحداً الآن تعلمته بعد فوات الأوان والمكان والإنسان وهو أن قيمة المحبين تزداد في قلوبنا وعقولنا ونفوسنا بعد فراقهم لنا ورحيلهم عنا سواء بالموت أو بالغربة•

أمي لن أقيم حفل وداع لك .. لن أعمل مشهدا آخير لك .. لن ألقبك (بالمتوفاة) .. فقط سأمنحك بالحب المتدفق بيننا شهادة جديدة للحياة.


الآن أقولها لكى ايتها  الغائبة الحاضرة : أنت في القلب دائما ، وزهور ياسمينك لن تجف أبدا ،ستبقى ورافة بالروح والقلب ...ستسكن حياتى وتفاصيل ايامنا التى عشناها سويا ،بكل محبة ورضا وتفاهم وكفاح


نامى الان واستريحى وهبى اريجك للريح ،كى تذهر الارض ،وابتسمى فى بهاء كما تعودتك يا وجه الضياء ،فما عادت هناك احزان ولا دموع تكتوى بنارها العيون ،انت وحدك فى جنتك متفردة كعادتك تغردين الحزن انغام ومن اليمام سلام ومن قلبى متكئا تهدأعليه جفونك وتنام

تم نسخ الرابط