بقلم : عبدالجواد أبوكب
لم أكن أتوقع عندما وافقت علي كتابة مقال طلبه مني زميل المستقبل والصحفي المجتهد إسلام الطحاوي الطالب باعلام الأزهر أن الموضوع سيتعلق بسكان القبور، فعادة ما يلجأ طلاب السنة النهائية في كليات وأقسام الإعلام إلي موضوعات براقة لها علاقة بالنجوم ،وهو ما تحول بعد 25 يناير إلي موضوعات لها علاقة بالثورة ورموز المجتمع الجدد.
ولعل إختيار هذا الموضوع بالتحديد منحني إشارة إلي نوعية الشباب الذي نعول عليهم ليحملوا راية الإعلام في المستقبل إلي جوار زملاءهم بالجامعات الحكومية والخاصة، وقد لا يعلم كثيرون من الجيل الحالي حجم المأساة التي تعاني منها العاصمة المصرية التي أصبحت تتعايش مع مشكلاتها علي طريقة "مريض السرطان" المتمسك بالحياة لكنه لا يسعي لعلاج نفسه.
وبلا تجميل لم تسعي حكومة في مصر ولا رئيس مصر لحل أزمة "أحياء القبور" التي نمت وترعرعت لتشمل غالبية مدافن القاهرة مثل مقابر البساتين والتونسي والإمام الشافعي والإمام الليثي وباب الوزير وجبانات عين شمس ومدينة نصر ومصر الجديدة يقطنها نحو مليون ونصف المليون مواطن يعيشون وسط رائحة الموت مع الأرواح والأشباح ، يستيقظون كل صباح على صورة شواهد القبور التي ينامون عليها أو داخلها أحيانا.
وتعطينا الدراسة الأبرز حول هذه الظاهرة والتي قام بها عالم الاجتماع المصري الدكتور محمد الجوهري، رؤية صادمة لكنها واقعية جدا عن الأمر، وقد بدأت بالاسباب التي تدفع الناس إلي السكن في المقابر وقالت أنها تعود إلى البحث عن مأوى بعد الهجرة من الريف إلى القاهرة، فلا تجد هذه الفئة سوى المقابر تضمهم وتشجعهم على ذلك وأحيانًا لوجود أقارب لهم هناك، وأهم الأسباب فعليًّا هو الاكتظاظ السكاني لمدينة القاهرة مع ما يشمله من مشكلات المساكن الآيلة للسقوط والانهيارات الفعلية.
وحول مناطق النفوذ في المقابر يقول الجوهري: تتشكل القوة في هذا المجتمع في محورين رئيسيين يتجسدان في شخصيتين هما أولا صاحب "الحوش" الذي يقوم بتأجير حوشه مباشرة لبعض أقاربه أو معارفه أو لرقيقي الحال دون مقابل مادي وذلك بدون توقيع عقود لأن هذه الأماكن غير مخصصة للسكن، والثاني هو "التربي" وهو يمثل الشخصية القائدة لمجتمع المقابر وهو الذي يسيطر سيطرة شبه كاملة على كل ما يقع بالمنطقة من دفن وإسكان وجريمة وتأدية خدمات واتصال بالمسئولين.
وأشارت الدراسة إلى أن سكان المقابر فيما يتعلق بالعمل سينقسمون إلى فريقين، الأول فريق "يعمل" والثاني "لا يعمل"، والذي يعمل ينقسم إلى نطاقين الأول داخل المقابر والثاني خارجها.
أما التقسيم المهني لساكني المقابر فهناك أولا الحرفيون وهذه الفئة تمثل أبرز المهن حيث تبلغ نسبتهم 37% من إجمالي السكان العاملين، ثم ثانيًا الموظفون وتنخفض نسبتهم حتى تصل إلى 9.4%، أما نسبة المشاركين في أعمال التجارة فتنخفض نسبتهم كثيرًا لتصل إلى 1.7%، وأخيرًا أصحاب الأعمال المتصلة بمنطقة المقابر حيث تبلغ نسبة هذه العمالة نحو 5.5 %.
ولفتت الدراسة إلى أن العلاقة بين سكان المقابر تتسم بالعزلة الاجتماعية، التي تعد سمة خاصة بهم، كما أن الخوف هو سمة أخرى من سمات الحياة في منطقة المقابر مثل الخوف من بعض المعتقدات والخيالات مثل "(العفاريت والجن) التي تطرق على الأبواب ليلا".
ولكن هذا الخوف ليس هو المشكلة الوحيدة التي يعانون منها فهم يعيشون في خوف مزدوج من الموتى تارةً ومن الأحياء حيث يستغل اللصوص هذا الاعتقاد الخرافي لدى السكان فيطرقون أبوابهم ليلا لتخويفهم وذلك ليتمكنوا من سرقتهم أو دفعهم لترك المنطقة نتيجة إحساسهم بالخوف وعدم الأمان، وهناك مشكلات أخرى داخل المسكن، مثل ضيق المساحة وعدم وجود مرافق مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء والخدمات الصحية والمواد الغذائية.
وبعد الثورة كان يجب أن يتغير الأحوال أو أن يبدأ علي الأقل في التغيير خاصة أن سكان المقابر نظموا وقفات متتالية أمام ديوان عام محافظة القاهرة، للمطالبة بتوفير وحدات سكنية لهم لكن أحدا لم يتحرك.
وفي تقديري أن أي حكومة تمتلك عقلا مفكرا علي المستوي الانساني والاقتصادي ستجعل من حل هذه المشكلة أولوية قصوي علي جدول أعمالها لأن ذلك سيحقق عدة فوائد،أولها منح شهادة آدمية لسكان المقابر عندما ينقلون لمساكن تليق بالانسان وحقه في المسكن الذي كفله الدستور، ثانيا ستتخلص القاهرة من معامل تفريخ رئيسية للبلطجية وأطفال الشوارع، ثالثا ستنقل الحكومة المقابر ليتحول قلب العاصمة المصرية ليكون الأبرز سياحيا في العالم بما لآثار القاهرة القديمة من سحر في البناء والمعمار وفنون العمارة وحكايات التاريخ التي جعلت منها مزارا رغم كل العقبات،رابعا ستتمكن الحكومة من استغلال الأراضي المقام عليها القبور بعد نقلها خارج الكتلة السكنية بشكل اقتصادي يعوضها عما ستنفقه في تخصيص الوحدات السكنية ونقل المدافن بمئات الأضعاف،فهل يتحرك النظام وهل تسمع الحكومة وهل يدعم المجتمع حل مشكلة"أحياء القبور"،أم سنظل كما نحن محلك سر نري ونسمع ثم نغمض أعيننا وتستمر الحياة؟!!



