بقلم : د. شريف درويش اللبان
فى الوقت الذى تبرز فيه المتاجر الكبرى والمحلات حلاوة المولد النبوى، وتعرضها بطريقة تلفت الأنظار، شن الداعية السلفى ناصر رضوان عضو الدعوة السلفية هجومًا على حلاوة المولد، التى يشتريها المصريون تزامنًا مع احتفالاتهم بهذه المناسبة الكريمة. وقال رضوان فى كلمة عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعى "فيس بوك": "جنب بيتى مصنع أصنام بدعة المولد النبوى، هُبل واللات والعزى حصان ونائلة عروسة. وأضاف: " لقد حطم النبي ﷺ الأصنام ليأتى من يصنعها بزعم أنه يحتفل بمولده!". وقد أفتى شيوخٌ سلفيون بتحريم الاحتفال بالمولد النبوى، واصفين مثل هذه الأعياد والمناسبات بأنها أعياد الجاهلية، كما اعتبروا إقامة الاحتفالات بدعة ما أنزل الله بها من سلطان.
وفي الحقيقة، فإن مثل هذه الفتاوى التي يخرج علينا بها السلفيون من وقتٍ لآخر هى البدعة، ولاشئ غير الابتداع في الدين بما ليس فيه، وإلا لماذا تكون عرائس المولد بمثابة أصنام، رغم مرور أكثر من ألف عام على إرساء الفاطميين لهذا التقليد الذي يُدخل البهجة على الرعية أثناء الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ليرتبط عيد مولده بالبهجة والسعادة لدى الأطفال وبالتواد والتراحم لدى الكبار بتبادل الهدايا من حلوى المولد.
وأعتقد أن عيد الأضحى المبارك ارتبط لدى المسلمين بمظاهر مماثلة من ذبح للأضحية والتواد والتراحم وتذكر الأهل والأقارب والفقراء والمساكين من لحوم الأضحية، فلماذا هذا حلالٌ وذلك حرام؟! .. السبب معروف لدى السلفيين وهو أن عيد الأضحى المبارك احتفل به الرسول والمسلمون وله ما يؤيده من القرآن الكريم والسنة المطهرة، أما مظاهر الاحتفال بمولد الرسول الكريم، فلم ترد عن السلف الصالح، وبالتالي فكل مالم يرد عن الرسول أو صحابته من السلف الصالح فهو في نظرهم حرامٌ .. حرامٌ.. حرام..!.
المشكلة في هؤلاء السلفيين أنهم لا يُعملون عقولهم، إن لم يكن يلغونها بالكامل ليجعلونها خارج نطاق الخدمة، ويقيسون كل المظاهر الحالية في المجتمعات الراهنة على ماورد عن السلف. وإن كان الأمر كذلك فلماذا يعيش هؤلاء السلفيون حياتنا المعاصرة ويستمتعون بكل منجزاتها من وسائل انتقال ورفاهية منزلية واتصالات حديثة.
لماذا يركب شيوخ السلفية المرسيدس والبي إم دبليو والهامر، بدلاً من أن يتنقلوا بين الناس مستخدمين الدواب كما كان يفعل السلف الصالح، لماذا يستقل السلفيون الطائرات إلى السعودية لأداء الحج والعمرة، رغم أنه من الأوقع أن يضربوا أكباد الإبل إلى الحجاز شهرًا للذهاب وشهرًا آخر في العودة عسى الله أن يثيبهم بذلك مزيدًا من الحسنات. لماذا يستخدم السلفيون التليفونات المحمولة للاتصال بعضهم ببعض داخل مصر وخارجها، لماذا يستمتع السلفيون بكل هذه المنجزات التي أنجزها في الغالب الغرب "الكافر" من وجهة نظرهم دون أن تطرف لهم عين، ليخرجوا بعد ذلك علينا بفتوى أن "عروسة المولد" حرام.
والأدهى من ذلك أنهم يشبهون "عرائس المولد" بآلهة الشرك هُبل واللات والعزى وإساف ونائلة.. وكأن المصريون يضعون هذه "العرائس" موضع التقديس في بيوتهم، ويصلون لها صباح مساء للتبرك بها كما كان يفعل الكفار والمشركون في غابر الزمان.
وأنا أعلم – كما يعلم هؤلاء السلفيون – أن "عرائس وأحصنة المولد" المصنوعة من الحلوى كان مصيرها بعد انقضاء المولد وفرحة الصغار بها إلى "حلة الأرز بلبن أو المهلبية" كبديل عن السكر. حد عمره شاف حد بيكسر إلهه علشان يستفيد به في صنع رز بلبن أو مهلبية يفرح بها الصغار والكبار بعد انقضاء المولد بفترة.
أعلم أن السلفيين يعرفون ذلك جيدًا، ولكنهم "حافظين مش فاهمين" ذلك الفكر الوهابي الأجوف الذي يأتي بالعجائب والغرائب كل يوم، لكي يقول معتنقوه إننا نعرف الله أكثر منكم، أو إننا متمسكون بأمور ديننا أكثر منكم، وهذا غير صحيح بالمرة.
لقد ضحكت ذات مرة عندما كنت في إحدى محطات مترو الأنفاق، عندما رأيت سلفيًا يلبس جلبابًا قصيرًا ويطلق لحية طويلة كثة، وتحتل مقدمة جبهته ثلاث علامات للصلاة، وينتعل شبشبًا وكأنه خارج من فيلم "فجر الإسلام"، وفي الوقت نفسه وجدته يحمل تليفونًا محمولاً ويضع في أذنيه سماعة لاسلكية.. في مشهد يتسم بالتناقض، والأدهى من ذلك أن ذلك الشخص عندما جلس على مقعد ظهرت نصف أفخاذه لي ولكل من يقف على الرصيف الآخر من المحطة.
أيها السلفيون أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، استقيموا يرحمكم الله، ومصر ليست في حاجة لفتاواكم السقيمة، وكل سنة وكل المصريين بخير، واشتروا لأولادكم الحلوى والعرائس وتذكروا رسولكم الكريم في يوم مولده، ولا تخشوا من السلفيين أعداء الحياة وفتاواهم الجوفاء.



