الثلاثاء 24 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : محمود حبسة

حسم الرئيس عبد الفتاح السيسي الأمر، قال القول الفصل في قضية سد النهضة: لن يستطيع أحد أن يمس حقوقنا في مياه النيل، مضيفا: إذا كانت القضية بالنسبة لهم تنمية ونحن نقدر ذلك فهي بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت.

لم يكن الرئيس يمزح عندما تحدث بهذا الشكل القاطع على هامش افتتاح أكبر مزرعة سمكية في المنطقة بمحافظة كفر الشيخ، في إضافة إلى المشروعات الضخمة التي يفتتحها الرئيس، فصل الخطاب في قضية السد جسدته عبارة الرئيس "هذا ليس كلاما"، من يعرف الرئيس السيسي ويتابع تصريحاته يدرك جيدا جدية كل كلمة يقولها، يدرك جيدا أن الرئيس لا يمزح ولا يهادن في قضية تتعلق بمصر ومستقبلها وتتعلق بمصالح المصريين، يدرك جيدا أن الرئيس لا يطلق تصريحات للاستهلاك المحلي ولا يعرف هو هذا الأسلوب في السياسة الذى يعرفه ويمارسه غيره من السياسيين.

حديث الرئيس عن سد النهضة جاء في معرض إجابته عن سؤال لأحد الحضور يطالب الحكومة برفع الغرامات عن الفلاحين المخالفين لقواعد زراعة الأرز، وهو ما رفضه الرئيس بشدة، مؤكدا أنه لا بد من احترام القواعد حتى نحافظ على المياه وحتى نحافظ على مصر.

في اعتقادي أن الرئيس في رده كان متسقا مع ذاته ومتسقا مع ما يؤمن به، صادقا ومتوافقا مع ما أعلنه من قبل عندما طالبه أحد نواب البرلمان على هامش افتتاح أحد المشروعات بتأجيل إجراءات الإصلاح الاقتصادي الخاصة برفع أسعار بعض السلع والخدمات، وهو ما رفضه الرئيس بشدة، متسائلا في حدة: "أنتم عايزين مصر تقوم ولا لأ؟!".

الرئيس الذى يفترض أنه مقبل على انتخابات التجديد لفترة رئاسية ثانية في شهر إبريل المقبل ويفترض أنه يسعى لتحقيق شعبية وهي فرصة لكسب أصوات الفلاحين وهم بالملايين وقد أعلنوا بالفعل تأييدهم لفترة ثانية له إلا أنه لم يفكر بهذه الطريقة بل رد على السؤال بشكل تلقائي بما يستقر في وجدانه من مبادئ وقيم وبما يستقر في عقله من رغبة وخطط للنهوض بمصر من كبوتها والمضي قدما في طريق الإصلاح وبما يعكس إلمامه بأسباب فشل تجارب الآخرين سواء في مصر أو غيرها من الدول، في اعتقادي أن رد الرئيس في الحالين أو على السؤالين يغلق الباب أمام التراجع عما انتوت مصر فعله للنهوض والتقدم لتحقيق الإصلاح ليس الاقتصادي فقط بل والسياسي والإداري.

الرئيس أغلق الباب أمام التسيب والاستثناءات، وهو الباب الملكي للفساد والباب الملكي لسقوط أي نظام بل والباب الملكي لوقوف أي دولة مهما امتلكت من قدرات وإمكانات محلك سر دون أن تخطو خطوة واحدة للأمام، وهو الباب الملكي للظلم الاجتماعي وخلق الطبقية والأحقاد الاجتماعية حيث يضعف وينهار القانون ويصبح بلا قيمة ومن ثم سقوط الدولة ذاتها.

الرئيس السيسي كشف أن مصر منذ اللحظة الأولى وهي تتفاوض مع إثيويبا بشأن سد النهضة شددت على ثلاث مسارات أهمها عدم المساس بحقوقها التاريخية في مياه النيل، والمعنى أنهم أي الإثيوبيين يدركون مدى أهمية وخطورة وحيوية هذه القضية بالنسبة لنا، ومن ثم فهي ليست محور تفاوض وليست مجالا للتراجع، وأتصور أن على إثيوبيا أن تعي رسالة الرئيس جيدا، وعدم الاعتداد بتصريحات وزير خارجيتها السابق تيدروس أدهانوم، التي قال فيها إن مصر لا تستطيع دخول حرب مع إثيوبيا وأنها مشغولة بمعركتها ضد الإرهاب في سيناء وأن اقتصادها الضعيف يمنعها من ذلك.

وإن كان ما قاله أدهانوم يعبر عن رؤية أديس أبابا فهم واهمون ولا يعرفون حجم مصر وقيمة رئيسها وقوة جيشها وصلابة شعبها، في اعتقادي أن كلمات الرئيس سوف تلقي بالحجر الأول في بركة مياه راكدة منذ سنوات ووصلت إلى حد التجمد مع إعلان فشل المسار التفاوضي وتمسك الإثيوبيين بالمواصفات التي حددوها، للسد رافضين إدخال أي تعديلات خصوصا مع ميوعة الموقف السوداني الذى كثيرا ما وقف ضد مصر إلى جانب إثيوبيا، وتؤكد ذلك التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور، الذى قال فيها: إن مصر كانت تسرق حصة السودان وعليهم أن يدفعوا الثمن.

وللإثيوبيين ولبعض المصريين المتشككين نقول: افهموا رسالة الرئيس جيدا واعلموا أن الرئيس إذا قال نفذ وأن مصر فعلا تستطيع، مصر لن تمنعها مواجهة الإرهاب من الدخول في أي مواجهة من أى نوع للحفاظ على حقوقها التاريخية في مياه النيل، ومصر لديها من القدرات العسكرية ما يمكنها من ذلك، فجيشها ترتيبه العاشر على مستوى العالم، ومصر حققت انتصارات على الإرهاب في وقت خاضت فيه معركة التنمية دون أن يمنعها مواجهتها للإرهاب في سيناء من الدخول في العشرات من المشروعات التنموية العملاقة التي تكلفت مئات المليارات من الدولارات ومن ثم فالاقتصاد المصري ليس ضعيفا كما تتصورن بل الاقتصاد المصري قادر على تمويل أي معركة تخوضها مصر.

مصر تستطيع أن تخوض أي معركة داخلية أو خارجية كما خاضت معركتها ضد تنظيم الإخوان الإرهابي في الداخل والخارج وكما خاضت معركة الإرهاب الذي مولته وتموله دول في المنطقة وخارجها بجميع أشكال الدعم والتمويل وكما خاضت معركة التنمية بمشروعات تنموية عملاقة، فقط مصر تخوض معاركها بشرف وتقدر حقوق الآخرين في التنمية وترفض التدخل في شئون الآخرين، لذا فقد وقعت على اتفاق المبادئ تقديرا منها لحق الإثيوبيين في التنمية، لكنها لن تفرط في حقوقها مهما كلفها ذلك من ثمن، وكل الخيارات مطروحة أمامها، وهذا هو ملخص رسالة الرئيس.

 

تم نسخ الرابط