rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شريف درويش اللبان

في الوقت الذي هلل فيه الكثيرون لانتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 2016، اعتقادًا أنه سوف يكون مناصرًا وحليفًا لمصر في حربها ضد الإرهاب، وأنه كال الاتهامات للسيدة هيلاري كلينتون وإدارة باراك أوباما بأنهم هم الذين صنعوا تنظيم "داعش" الإرهابي، إلا أنني لم أكن متفائلاً إطلاقًا بانتخاب السيد "ترامب"، لأنني أعلم أن هذا الرجل هو مجرد مغامر من عصر "الكاوبوي" الذي راهن بأمواله وعلاقاته الشخصية والإعلامية، وبذل العهود للكيان الصهيوني بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس من أجل وصوله إلى مقعد الرئاسة، كما أن صهره يهودي، فلِمَ نتعجب من مناصرته للكيان الصهيوني في منطقتنا العربية.

وفي الوقت الذي ذكر فيه بعض الإعلاميين أن كيمياءَ جديدة بين الرئيس السيسي ودونالد ترامب سوف تغير المعادلة الأمريكية في موقف الولايات المتحدة من مصر والحرب على الإرهاب والوقوف إلى جانب القضايا العربية، فإننا لا نعلم على وجه اليقين من أين أتى الإعلاميون والمحللون السياسيون بهذا اليقين، وهل تعتبر "الكيمياء" جزءًا من المعادلة في العلاقة بين الدول في النظام الدولي، أم هى المصالح المتبادولة والتعاون المشترك؟!.

ومَن يتفحص الصورة الدالة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء لقائه بدونالد ترامب إبان كان مرشحًا لرئاسة الولايات المتحدة على هامش حضوره لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2016 يدرك تمامًا أن الرئيس السيسي لم يكن يعول كثيرًا على دونالد ترامب وعلى أنه سيكون حليفًا لمصر في حربها ضد الإخوان والتنظيمات الإرهابية المتطرفة. لقد كانت صورة اللقاء دالة على اعتزاز الرئيس السيسي بنفسه لأنه رئيس أكبر دولة في المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط، وكان يعامل ترامب في حجمه الطبيعي كمرشح للرئاسة مثل المرشحين الآخرين الذين قابلهم الرئيس وعلى رأسهم هيلاري كلينتون. 

إن الرئيس السيسي يعلم جيدًا تشابكات العوامل والمواقف والقوى التي تؤدي إلى صناعة القرار الأمريكي، إنها ليست دولة الرجل الواحد، بل دولة مؤسسات، ويدعم القرار فيها مراكز أبحاث وصنع السياسات وقوى الضغط والقوات المسلحة ورجال المال والإعلام. ولذلك كله، فإن بعض القرارات التي قد يتخذها ترامب دون مراجعة دوائر صُنع القرار سُرعان ما يعود فيها تارةً أخرى، وآلاف الحروف والكلمات التي قالها عن "داعش" سرعان ما وضعها في كأسٍ من الشمبانيا وشربه، لأن "داعش" ليست من صنع أوباما أو هيلاري كلينتون، ولكنها من صنع الدوائر التي تقرر الاستراتيجيات الأمريكية في المناطق المختلفة من العالم، وهى الدوائر نفسها التي أغوت صدام حسين باحتلال الكويت ثم حشدت العالم ضده لمحاربته..!!.

وينطبق الكلام نفسه على معاملة ترامب لمصر، فبعد الكلام الجيد الذي قاله عن مصر في حربها الضروس ضد الإرهاب، نجد أن الكونجرس يخفض المعونة الأمريكية لمصر بدلاً من دعمها في حربها ضد الإرهاب، وكان يمكن للرئيس الأمريكي أن يعترض على قرار الكونجرس إلا أنه لم يفعل ذلك، مما يؤكد سوء النوايا تجاه الدولة المصرية، ولم يختلف الحال كثيرًا في عهد ترامب عن عهد سلفه أوباما. كما كانت الولايات المتحدة طوق النجاة لقطر من حصار مصر والسعودية والإمارات والبحرين لها ووقعت معها بروتكولاً لمكافحة الإرهاب رغم أنها تعلم جيدًا أنها أكثر الدول العربية الداعمة للإرهاب، وفي هذه الأيام تخرج الأصوات من الكونجرس الأمريكي لمعاقبة مصر على التمييز ضد الأقباط رغم أن الأقباط لم يحيوا على أرض مصر في ظل المواطنة بالقدر الذي يتمتعون به بمصريتهم وحقوقهم في عهد الرئيس السيسي.

إذاً ما الداعي لهذا الكلام؟ .. الداعي هذا الكلام والخلفية المعرفية المهمة أننا نريد أن نؤكد أن مصر لم ولن تركع للقرار الأمريكي ولم ولن تنصاع للمصالح الأمريكية البحتة، بل إن القرار المصري ينحاز فقط للمصالح المصرية والقضايا العربية المصيرية في علاقات تتسم بالندية لسنا فيها أتباع أو ذيول لأحد أيًا كان، ولعل هذا الموقف المبدئي هو الذي أفسد "الكيمياء" المزعومة بين مصر والولايات المتحدة في مرحلة ما بعد أوباما؛ فمصر قامت على غير العادة بتنويع مصادر سلاحها وأبرمت صفقات مع فرنسا وروسيا والصين، وعمقت من علاقاتها الخارجية مع هذه الدول، ولم ترتمي في أحضان الأمريكان كما فعل نظام مبارك طوال 30 عامًا في حكم مصر، كما أن مصر لجأت لروسيا في بناء مفاعلها النووي وهى صفقة يعز على الأمريكان إبعادهم عنها، كما أن مصر موقفها ثابت من الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، ولن تتورط في حرب بالوكالة لا ناقة لنا فيها ولا جمل.

وفي هذا الإطار جاء الموقف المصري شجاعًا وحاسمًا ومجلجلاً في الوقوف إلى جانب الشرعية الدولية والحقوق العربية والفلسطينية عند إعلان ترامب "الأرعن" بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس كاعتراف بأن القدس عاصمة الكيان الصهيوني، وأعدت مصر مشروعًا ببطلان القرار، ودعت مجلس الأمن الدولي لجلسة طارئة أوضحت خلالها أن القرار الأمريكي يأتي منافيًا للشرعية الدولية ولقرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وهو ما اقتنع به كل الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن عدا الولايات المتحدة التي رفعت يدها بالفيتو في مواجهة العالم أجمع، وهو ما وضعها في موقف حرج أمام العالم من جهة، وأفقدها دورها التاريخي كوسيط في عملية السلام المزعومة التي بدأت في أوائل عقد التسعينيات من القرن الماضي بمؤتمر مدريد للسلام واتفاقات أوسلو، وأفقدها كذلك مكانتها كدولة راعية للسلام والمبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها الدول بشكلٍ سافر غير مسبوق. لقد تعرت الولايات المتحدة أمام العالم مثل أية عارضة "ستربتيز" تخلع ملابسها وأخلاقياتها قطعةً قطعةً أمام العالم المتحضر والمنحاز لحق الشعوب في تقرير مصيرها وإدانة العدوان على الحقوق المستقرة للشعوب التي اغتصب الصهاينة أرضها.

ولقد أثبتت موقعة الجمعية العامة أن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت، الإمبراطورية التي تشير بإصبعها فتُطاع، والتي حين تتحدث يُنصت لها الجميع، والتي تُغدق على الجميع المعونات ويجب لكل الدول أن تنصاع لإرادتها المنفردة.

إن مصر استطاعت أن تكتب في "موقعة" الجمعية العامة للأمم المتحدة فصلاً جديدًا من فصول كُسُوفِ شَمْسِ الإمبراطورية الأمريكية نتحدث عنه تفصيلاً في المقال القادم.

 

تم نسخ الرابط