الجمعة 27 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : أيمن عبد المجيد

بحلول العام 2011، كانت الخطط الفرعية لاستراتيجية "تحطيم الأعمدة"، مهدت البيئة العربية، باتت هشة، مفروشة بالهشيم السياسي والاقتصادي القابل للاشتعال مع أول شرارة تنتج عن الصدام بين الجماهير والنظام في الجمهوريات العربية.

بينما الملكيات، يأتي أكلها بعد حين بالتبعية، فالمرحلة النهائية للخطة، تفترض سقوط الأنظمة، وتحويل التغيير إلى تدمير، ففي سوريا وليبيا واليمن الأرض ممهدة، والنسيج الاجتماعي قابل للتمزق.

في "سوريا":
أكراد طامحون لانفصال بدويلة، وعلويون وسنة ودروز ومسيحيون يمكن إذكاء نعراتهم المذهبية والعرقية.

وفي "ليبيا":
عند سقوط الدولة ستكون الكلمة العليا للقبلية والصراعات يغذيها التكالب على الحكم والثروات.

و"اليمن":
تمت تغذية الحوثيين مذهبيًا، وتسليحيًا، فضلًا عن تنظيم الإخوان، وشروخ البنيان القابلة للتفاقم مع النزعات الانفصالية لليمن الجنوبي.

وفي "تونس":

السلفيون والإخوان أعدوا العدة، هم القوى المنظمة للقفز إلى السلطة، وهي الحلقة الأضعف لبدء المخطط بنجاح، لتحفيز الشعوب الأخرى على السير على الطريق.

بينما "مصر":

الجائزة الكبرى، واسطة العقد، عمود الخيمة، الإخوان بها الأكثر تنظيمًا، قلة معدودة، لكن المتوقع أن يقفز السلفيون وغيرهم من تنظيمات الإسلام السياسي إلى مركب أبناء البنا وسيد قطب، إذا ما شعروا للحظة بارتخاء قبضة الدولة.

لكن مصر تبقى هي المشكلة في البداية والنهاية، فهي العصية على الكسر، عمودها الفقري- الجيش- صلب، نسيجها- الشعب- متين ومتداخل يصعب فتقه، خالية من الطائفية والقبلية، مؤسساتها الأمنية عميقة عمق تاريخ الوطن وحضارته، نقطة ضعفها الوحيدة، غياب الأمل لدى الشعب في مستقبلها، وضبابية آليات انتقال السلطة، وسيطرة حفنة من رجال المال بالحزب الحاكم على رأس السلطة، والشروع في مشروع التوريث، وهو ما يرفضه الشعب وقادة في أجهزة الدولة.

تقدير الموقف لدى المخططين، يوحي بأن الرفض لمشروع التوريث، يُسهم في تحريك الشارع، وقد يدفع رافضوه بمؤسسات الدولة لتراخي القبضة، أملاً في أن يُمثل الحراك الشعبي الجزئي ورقة للضغط على الرئيس مبارك، لحسم أمره في انتقال سلمي للسلطة لمن يستحقها خارج نطاق أسرته.

المخططون لن يفوتوا هكذا فرصة للحراك، لدفع الأمر للخروج عن السيطرة، لتشتعل الساحة، لكن هل هم قادرون على هدم الدولة؟! قطعًا هم يحاولون، غير أن المعطيات تؤكد أن محاولاتهم قد تفشل، ومع ذلك حاولوا، اقتحام للمؤسسات الأمنية "أمن الدولة"، ومحاولة خلق عداء مع الجيش، "شعار يسقط حكم العسكر، والحشد لاشتباكات أمام وزارة الدفاع وافتعال أحداث ماسبيرو".

لكن في كل مرحلة كان عقل الدولة المصرية يسبقهم بخطوات، الرئيس مبارك تنحى للمجلس العسكري، والجيش نزل الشارع ليحمي إرادة الشعب، والأمن الوطني تم حله، لكن المخابرات العامة والحربية في كامل لياقتهما وقوتهما.
لم تفلح دعوات أوباما لمبارك، "عليك أن ترحل الآن"، في خلق حالة فراغ وفوضى، فعقل الدولة المصرية استراتيجي، لديه تقديرات دقيقة للموقف وخطط بديلة، والشعب الذي راهن العدو (الصهيو- أمريكي) على تحويل مسيرته الثورية من (الإصلاح والتغيير) إلى (التخريب والتدمير)، هو من شكل لجاناً شعبية لحماية منشآته وممتلكاته.

وكما أن للعقل المصري تقديرات للموقف وخططًا بديلة، فإن للعدو أيضًا تقديراته، والجيم الآن يُلعب على المكشوف، الوطن العربي بات رقعة كبيرة للشطرنج، العدو (الصهيو- أمريكي) للدولة المصرية:  "كش ملك"، الانتخابات، لا مفر من الانتخابات الرئاسية، لتمكين تنظيم الإخوان من القفز على السلطة.

لكن السؤال المهم لماذا الإخوان؟! ولماذا الآن؟! أليس هم من خدعوا شباب الجامعات سنوات طوال بتظاهرات حنجورية، ترفع شعار "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود"، "الموت للأمريكان"، لم تكن تلك التظاهرات إلا مزايدات سياسية للعزف على أوتار (العاطفة الشعبية)، لحصد التأييد في (مزارع تربية الأصوات الانتخابية).
أما الحقيقة:

الإخوان ذراع للأمريكان، تم استخدامهم سنوات فزاعة لمبارك، للضغط عليه كبديل إذا ما قرر الصدام مع الإدارة الأمريكية، فكان يناور طيلة الوقت، بينما قيادات التنظيم الدولى الإرهابي، تتواصل مع الإدارة الأمريكية، وتقدم فروض الطاعة لنيل مباركة البيت الأبيض، لاعتلاء عرش مصر.

وقد سجل التاريخ، خطاب محمد مرسي، الرئيس الإخواني، لنتانياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني، يصفه فيه بـ"عزيزي"، وسجل التاريخ تصريحات عصام العريان، عضو مكتب إرشاد التنظيم الإرهابي، وهم في سُدة الحكم يرحب بعودة اليهود لمصر، ويلوم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر على اضطهاده لهم في ظل حكمه، تُرى هل من خدعوا بمظاهرات الإخوان في عهد مبارك أفاقوا، أم في غيهم حتى الآن؟!

نعود للسؤال المهم لماذا لجأ (الصهيو- أمريكي) لدعم تمكين تنظيم الإخوان من حكم مصر؟!

الإجابة تكمن في المرحلة التالية للمخطط وهي:

1 –  مصر دولة كبيرة، مؤسساتها صلبة عصية على الكسر والتحطيم، فالخيار البديل معها هو التحكم والسيطرة بها، ثم العمل على اختراق مؤسساتها وتفتيتها تدريجيًا، لتحقيق أهداف رئيسية وهي:

أ – تغيير الهوية المصرية من دولة مدنية إسلامية وسطية عربية إفريقية، إلى دولة مذهبية إخوانية سنية متشددة.

ب – تغيير العقيدة القتالية للجيش، وتفكيك مؤسساتها الأمنية واستبدال عناصرها بقيادات إخوانية.

2 – التحكم وتحقيق (أ) و(ب)، يأتي باعتلاء تنظيم الإخوان للسلطة، وما هذا إلا هدف مرحلي، حيث تتبعه مرحلة السيطرة والتحكم الكامل في العالم العربي- بدون أي مبالغة-  عن طريق مكتب الإرشاد بمصر، تمهيدًا لتحويل (الصراع العربي- الصهيوني)، إلى (صراع مذهبي سني شيعي)، يتولى العدو (الصهيو- أمريكي) إدارته واستثماره وجني ثماره على النحو التالي:

أ – سيطرة مكتب إرشاد تنظيم الإخوان على مصر، يتبعه اختراق الجيش والمخابرات والشرطة للسيطرة من قبل عناصر التنظيم الإرهابي، ثم السيطرة على الاقتصاد ومفاصل الدولة، وفتح المناطق الحيوية كقناة السويس للاستثمارات القطرية، مخلب القط الصهيوني.

ب – تمكن مكتب إرشاد التنظيم الدولي من مصر، يتبعه تدريجيًا تمكين فروع التنظيم في (تونس وسوريا واليمن وليبيا) كمرحلة أولى يتبع ذلك خلخلة (المغرب والأردن) وقفز على السلطة بهما، لتأتي دول الخليج الجائزة الكبرى سطو الإخوان على الحكم في (الكويت والسعودية والإمارات) بالترتيب، ليسيطر التنظيم على الحكم بالوطن العربي، مواليًا ومتحركًا بتعليمات مكتب الإرشاد في مصر، الذي يتحرك بأوامر السي آي إيه الأمريكي.

3 – المرحلة الأخيرة الخطيرة:

 يُمثل تنظيم الإخوان الإرهابي بعد السيطرة على البلدان العربية، رأس حربة سنية متشددة، بينما يمثل نظام (الملالي الإيراني) رأس الحربة الشيعية الأكثر تشددًا للفرس، اتباعهم مذهبيًا (العلويين بسوريا، حزب الله الشيعي بلبنان، الحوثيين باليمن، شيعة العراق)، ويبدأ العدو (الصهيو- أمريكي) إدارة الصراع المذهبي السني الشيعي، في الشرق، لتتآكل الدول العربية، وتدفع ثرواتها ثمناً للسلاح والدواء والغذاء في حرب بلا نهاية يظل فيها (الصهاينة) القوة الأكبر الآمنة بالمنطقة.

فما الفرس إلا حليف خفي للعدو (الصهيو- أمريكي) يستخدمهم، كما الإخوان، في تهديد الأمن القومي العربي، محاولات التمدد المذهبي- لبنان نموذجًا- وما تعانيه اليمن اليوم خير دليل، وليس أدل على (التحالف الأمريكي- الإيراني الخفي) المناقض لـ(العداء الوهمي المعلن)، من نتائج الحرب في أفغانستان وإسقاط نظام صدام.

فلم يكن بإمكان الأمريكان إسقاط نظام طالبان بدون دعم إيراني، وكذلك العراق، واليوم سقط نظام سني طالباني متشدد، ونظام عراقي سني معتدل، لحساب نشأت الأحزاب الشيعية في أفغانستان، وسيطرة فارسية على بغداد. عبر مؤسسات اجتماعية وتعليمية ودينية وإعلامية، فجني الثمار اقتصر على الأمريكان وإيران.

وكان نظام الإخوان في طريقة لإذكاء النعرة المذهبية، المؤتمر الجماهيري باستاد القاهرة، وما تلاه من قتل وسحل مواطنين مصريين (حسن شحاتة) على أسس مذهبية خير شاهد.

نجح المخطط جزئيًا، سيطر الإخوان على حكم مصر، وسقطت اليمن، وانهارت ليبيا، وأصيبت سوريا بشروخ عميقة، تنبهت دول الخليج لمخاطر التهديد الإخواني، باستثناء نظام الحمدين القطري، واصل عمالته ودعمه للإرهاب، لصالح الجهات ذاتها المحركة للإخوان.

وكما كانت مصر هي الرقم الصعب في البداية، ظلت العصية على التحكم والسيطرة حتى النهاية، نهض الشعب المصري، أفزعه الخطر الذي يُحاك بوطنه، انتفض في 30 يونيو ثائرًا موجهًا لطمة مدوية لوجه العدو (الصهيو- أمريكي) سجلها التاريخ، وتتدارسها مراكز الفكر وأجهزة الاستخبارات.

وجه الملايين من الشعب المصري ركلة قوية أصابت مؤخرة تنظيم الإخوان، فألقت به من على كرسي الحكم إلى مزبلة التاريخ، وما أفاق العدو المحرك لهم من ذهوله، حتى بدأ مرحلة جديدة (الجيل الثالث لاستراتيجية التحطيم) .

وللحديث بقية إن شاء الله.

هل تعرف الحكاية؟! (١)...الصفعات واستراتيجية تحطيم الأعمدة

هل تعرف الحكاية؟! "2"...الاستنزاف لوقف النمو تمهيدًا لـ"الهدم"

هل تعرف الحكاية؟! (3)... جني الحنضل المر

هل تعرف الحكاية؟! "4" ... مرحلة "السوفت باور" و"رؤوس الأفاعي"

[email protected]

 

 

تم نسخ الرابط