rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : د. شريف درويش اللبان

أثبتت موقعة مجلس الأمن من خلال المشروع المصري الداعي لبطلان قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس أن الولايات المتحدة وإسرائيل يقفان وحيديْن في هذا العالم المتسع، ورغم الفيتو الأمريكي الذي لم يجد له ما يدعمه من الدول الأخرى دائمة العضوية، إلا أن الذي سقط ليس مشروع القرار المصري، بل الذي سقط هو الولايات المتحدة وإسرائيل، وعاشت مصر والدول الأخرى دائمة العضوية على قمة هذا العالم المحب للسلام المُنادي باحترام الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة. لقد نجحت مصر وروسيا والصين والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن في كشف العَوَار الأمريكي وفُحش القرارات المتهورة التي عفا عليها الزمن، ووجدت دول العالم المتحضر نفسها وهي تنفر من القرار الأمريكي ولم تسانده لأنها لا تجرؤ على مواجهة شعوبها بهكذا قرارات تنتقص من وقوفها إلى جانب حقوق الشعب الفلسطيني المسلوبة المتمثلة في أرضه التي لم يبقَ منها غير القدس التي تريد الولايات المتحدة أن تجعلها عاصمةً للكيان الصهيوني..!!.

وعندما أعيد طرح المشروع المصري أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ظنت الولايات المتحدة أنها يمكنها أن تؤثر على القرار الأُممي مثل الأيام الخوالي التي كانت تمثل فيها دور "سيدة العالم" والإمبراطورية الوحيدة المتبقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفتته إلى جمهوريات متناثرة، وأن القرن الحادي والعشرين هو قرن الولايات المتحدة الأمريكية بلا منازع، ولكن من الواضح أن الأوهام الأمريكية في القوة والسيطرة والهيمنة على الدول الأخرى انكشفت كما لم يحدث من قبل، فقد أوضحت الاتصالات الدبلوماسية الأولى مع وفود دول العالم أنها لا تؤيد القرار الأمريكي وسوف تصوت لمشروع القرار الداعي ببطلان قرار ترامب الأرعن، لتنكشف ورقة التوت الباقية عن عورة الولايات المتحدة وإمبراطوريتها المتداعية.

 أن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت، الإمبراطورية التي تشير بإصبعها فتُطاع، والتي حين تتحدث يُنصت لها الجميع، والتي تُغدق على الجميع المعونات ويجب لكل الدول أن تنصاع لإرادتها المنفردة. ولأول مرة لا تستخدم الولايات المتحدة قوتها الناعمة في التأثير على تصويت الدول الأعضاء بالجمعية العامة للأمم المتحدة، بل ظهرت أشبه ما تكون بالبلطجي أو "الفتوة" الذي زالت عنه قوته، ولا زال يعيش أوهام سطوته التي كانت، فأخذت مندوبة الولايات المتحدة "نيكي هايلي" تهدد بتبليغ أسماء الدول الرافضة للقرار الأمريكي الأرعن للسيد ترامب، وكأنه "البُعبع" الذي يخيف الصِغَار، وهذا كل ما تملكه "أبلة الناظرة"، وتارةً أخرى تهدد بقطع المعونات عن الدول التي ستصوت لصالح مشروع القرار المطروح على الجمعية العامة.

وبعد أن كانت المعونات سلاحًا يدعم القوة الناعمة الأمريكية في مناطق العالم المختلفة، وتُضفي الهيبة على الإمبراطورية الأمريكية، أصبحت المعونات في عهد ترامب ومندوبته "هايلي" عبارة عن رشاوى تدفعها الولايات المتحدة للدول لكي تكون تابعةً لها، تتبعها حيث أرادت، وظهرت العبارة الشهيرة "كيف ندفع لهم ويصوتون ضدنا". لقد حول ترامب وإدارته المعونات إلى لعنة في حق الدول التي تقبلها وكأنها صك التبعية للإمبراطورية الأمريكية، وختم يستتبع دمغ قرارات الدول التابعة بالخاتم الأمريكي. من هنا أصبحت هذه المعونات سُبة في جبين مَن يحرص عليها أو يستجديها من شِرار الدول. لم تعد المعونات من الإمبراطورية المتهاوية في إطار التعاون المشترك والمصالح المشتركة بين الدول، وهي التسمية المهذبة لها في ألاعراف الدبلوماسية، ولكن في عصر تهاوي الإمبراطوريات وتولي من لا يجيدون الدبلوماسية بل يجيدون أساليب المغامرين ورُعاة البقر إلى "ثمن" للخضوع والتبعية.

ورغم كل هذه التهديدات الخرقاء بقطع المعونة، إلا أن السيد ترامب وإدارته ومندوبته لا يعلمون أنهم لن يشتروا ضمير مصر ودول العالم بحفنة دولارات، لذا جاءت نتيجة التصويت مجلجلة تعلن أن الولايات المتحدة بدأت فصلاً جديدًا من فصول كُسُوف شمس إمبراطوريتها؛ فقد صوتت 128 دولة لصالح القرار، وامتنعت 35 دولة عن التصويت، وغابت 21 دولة عن الحضور إيثارًا للسلامة وهو غياب دبلوماسي تريد بعض الدول من خلاله ألا تعادي الولايات المتحدة بشكلٍ مباشر ولا تريد أن تؤيدها في المساندة الظالمة لدولة معتدية على حق الفلسطينيين، ولم تقف إلى جوار الولايات المتحدو وإسرائيل إلا سبع دول لا وزن لها ولا تأثير في العلاقات الدولية مثل بالاو وناورو وميكرونيزيا وجزر المارشال وجواتيمالا وهندوراس. ولم تؤيد الولايات المتحدة أية دولة لها ثقل على الصعيد العالمي حتى حليفتها التقليدية بريطانيا التي بذلت وعد "بلفور" للصهاينة منذ 100 عام.

لقد انكشف الغطاء عن الإمبراطورية الأمريكية بشكلٍ تام، وأدخلت موقعتا مجلس الأمن والجمعية العامة الولايات المتحدة في غَيَاهب الجُب التي لن تخرجا منه لوقتٍ ليس بالقصير. وفقدت الولايات المتحدة دورها كوسيط في عملية السلام، بل اتضح أنها كانت تشارك إسرائيل مناوراتها للالتفاف على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الذي لم ينل سوى "سلطة فلسطينية" أشبه بالمجالس البلدية التي لا ترقَ إلى مصاف أحلام الشعب الفلسطيني. إن الولايات المتحدة وحليفتها سوف تدفعان الفلسطينيين والعرب والمتعاطفين معهم من دول العالم الأخرى إلى نيْل الحقوق السليبة بمختلف الطرق التي ليس من بينها السلام الذي لم ينتج أو يثمر شيئًا سوى الحنظل المر الذي يتجرعه الآن الفلسطينيون والعرب والمسلمون والشعوب المساندة للحقوق المشروعة وقرارات الأمم المتحدة. وهذا كفيلٌ بأن يؤدي إلى فصلٍ جديد من فصول كُسُوف شمس الإمبراطورية الأمريكية، والتي بدأت أولى فصول كُسُوفها في 11 سبتمبر 2001، وشهدت ثاني فصول كُسُفها بتولي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وهو ما نتناوله في المقال القادم.

 

 

تم نسخ الرابط