بقلم : هاني لبيب

أعتقد أنه من الأهمية أن نؤكد على بعض الثوابت قبل الدخول فى مناقشة الأولويات والتحديات، التى تواجه البابا الجديد، منها أنه امتداد لسلسلة تاريخية من البطاركة كان آخرها البابا شنودة الثالث بقيمته الدينية ومكانته الوطنية التى تجلت بوضوح بعد الإعلان عن رحيله، لكنه فى المقابل يمثل بداية مرحلة جديدة فى تاريخ الكنيسة تزامن مع المرحلة المصرية الجديدة.
البابا القادم هو نتاج مرحلة البابا الراحل شنودة الثالث بكل ما تحمله تلك المرحلة التى جاوزت الأربعين عاماً من الإنجازات والإيجابيات أو الانكسارات والضغوط والتحديات على جميع المستويات الداخلية والخارجية فى علاقة الكنيسة بالمجتمع المصرى.
نجاح البابا الجديد فى عدم إقحامه فى أى دور يمكن أن يصفه البعض بأنه دور سياسى.. يعود بالدرجة الأولى لمدى وعى النظام المصرى الحالى باحتواء المواطنين المسيحيين المصريين بصفتهم أبناء هذا الوطن من خلال حل مشكلاتهم وعدم التمييز ضدهم بحيث تعود الدولة المصرية لدورها فى تحقيق منظومة المواطنة بين أبناء هذا الوطن جميعاً.
البابا الجديد سيهتم بدون شك بالجانب الروحى للكنيسة وأتباعها، وهو أمر بديهى يتفق عليه الجميع سواء من الإكليروس «المطارنة والأساقفة والكهنة» أو من المواطنين المسيحيين والمصريين من أتباع الكنيسة.
بناء على ما سبق، أعتقد أن البابا الجديد لدية ثلاثة سيناريوهات تقليدية للتعامل مع الأولويات، وذلك بداية من الاهتمام بالشأن الداخلى الخاص للكنيسة باعتباره السيناريو الأول. مروراً بالاهتمام بالشأن العام الخارجى فى علاقة الكنيسة بالمجتمع والدولة المصرية باعتباره السيناريو الثانى. ووصولاً إلى السيناريو الثالث الذى يمزج بين السيناريوهين الأول والثانى من أجل بدء مرحلة التطوير والإصلاح. وأعتمد فى ذلك على قاعدة عامة... وهى أن كثيراً من أحوال الكنيسة الداخلية ترتبط فعلياً بعلاقة مباشرة بالدولة المصرية.
∎ تحدى التطوير المؤسسى
والمقصود به تحدى التطوير الداخلى للكنيسة من خلال عدة ملفات سواء على مستوى الإدارة الكنسية أو الإدارة المالية للكنيسة أو الإدارة القانونية لبعض الملفات المهمة وذلك كالتالى: - الملف الإدارى والمالى: من خلال تطوير هيكل عمل الكنيسة لتتحول بشكل كامل للعمل المؤسسى الجماعى. وهو ما يتطلب وجود نظام إدارى واضح ومتكامل لعمل كل من: المقر البابوى، والإيبارشيات بكنائسها، والأسقفيات، والأديرة، والهيئات «مثل هيئة الأوقاف»، والمجالس «مثل المجلس الإكليريكى للأحوال الشخصية»، والكليات اللاهوتية «مثل الكلية الإكليريكية»، والمعاهد المتخصصة «مثل معهد الدراسات القبطية» التابعة للكنيسة. وهو ما يعنى وجود نظام مالى عام وموحد وواضح للكنيسة بإشرافها ومتابعتها بدون تدخل من أجهزة الدولة المصرية حسبما يدعو البعض.. فمن الأولى أن يقوم المجلس الملى بدور متابعة النظام المالى للكنيسة باعتباره المجلس المدنى المنتخب تحت إشراف لجنة الانتخابات بوزارة الداخلية. وبالتبعية.. يترتب على ما سبق، الاهتمام بالحالة المادية لكهنة الكنيسة وموظفيها وعمالها.. حفاظاً على كرامتهم الإنسانية وهيبتهم الدينية.
- الملف التعليمى «التكوين»: المتتبع لأحوال الكنيسة خلال مرحلة البابا الراحل كيرلس السادس.. يعرف جيداً الحالة الخلافية والجدلية التى صاحبت تنصيب الراحل القدير د. وهيب عطا الله باسم الأنبا غريغوريوس «أسقفاً للدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العلمى» فى ظل وجود البابا الراحل شنودة الثالث كأسقف للتعليم حينذاك. وبالتالى من المهم أن يقوم البابا الجديد بدمج الأسقفيتين «أسقفية التعليم وأسقفية الدراسات العليا والثقافة القبطية والبحث العلمى» لكى نتمكن من تحقيق نهضة حقيقية للتعليم الكنسى.
كما أذكر هنا الأهمية القصوى لتطوير الأديرة والاهتمام بها، وإعادة الاعتبار لما تملكه من محتوى دينى وثقافى أثرى.. يمثل «كنزاً معرفياً» للباحثين والعلماء والخبراء.
- الملف القانونى: وهو الملف الذى يتضمن كلاً من: 1ـ تعديل لائحة 57 لانتخاب البطريرك. وهو تعديل لا يرتبط بزيادة عدد الناخبين كما يطالب البعض، بل يرتبط بتعديل معايير الاختيار للمرشحين للبابوية حسب قوانين الكنيسة، وحسب المعايير الشخصية الدقيقة للمرشحين. بالإضافة إلى تعديل شروط الناخبين بما يضمن التمثيل العادل لجميع الفئات.
2 ـ تعديل لائحة 38 للأحوال الشخصية. وهو تعديل يرتبط بالتمسك بالثوابت الكنسية فى شروط الزواج المسيحى من جهة، وإيجاد حلول لمشكلات الزواج كحالة اجتماعية من جهة أخرى. فضلاً عن دراسة جدية لمشكلة المواريث والتبنى فى المسيحية. ويترتب على هذا التعديل إعادة النظر فى دور المجلس الإكليريكى للأحوال الشخصية.
3 ـ وضع لائحة واضحة ومحايدة وعادلة لمحاكمات الكهنة بحيث يكون فيها رصد لأنواع التجاوزات التى يمكن أن تحدث، وما يترتب عليها من عقوبات أو إنذارات أو ملاحظات. فضلاً عن وجود درجات متعددة للنقض بحيث يحق لمن تجاوز الدفاع عن نفسه بشتى الطرق والوسائل. ويترتب على هذا التعديل إعادة النظر فى دور المجلس الإكليريكى لمحاكمات الكهنة.
4 ـ تعديل اسم وشكل ودور المجلس الملى ليصبح مجلسا حقيقيا للعلمانيين المسيحيين المصريين. كما يمكن أن يكون هو قناة الاتصال المدنية المنتخبة فى علاقة الكنيسة بالدولة.. وعلى سبيل المثال لا الحصر: بناء الكنائس والتعيين فى المناصب العليا. وربما يتطلب ذلك انتخاب مجلس مؤقت ليقوم بهذا التعديل.. خاصة أن المجلس الحالى الذى شارك فى الإعداد والتنفيذ لانتخاب واختيار البابا الجديد قد انتهت دورته الانتخابية. ويمكن أن يكون الاسم الجديد للمجلس هو مجلس العلمانيين المسيحيين المصريين.
∎ تحدى العلاقات الداخلية
- ملف المواطنين المسيحيين المصريين المهاجرين «المعروفين إعلامياً بأقباط المهجر»: وما يمكن أن تقوم به الكنيسة المصرية الأم فى ربط أبنائها فى المهجر بالكنيسة المصرية بتعاليمها وطقوسها وعقيدتها من جانب، وربطهم بوطنهم الأم مصر من جانب آخر.
- ملف الأساقفة الموقوفين والمستبعدين: بحيث يتم اتخاذ إجراءات قاطعة وحاسمة فى هذه القضايا المعلقة، وعلى ألا يتم ترك أى إيبارشية بدون راعٍ يحرص على أمورها ويتابع أبناءها.
∎ تحدى العلاقات الطوائفية والدينية
- ملف العلاقات الطوائفية «المسكونية»: ويقصد بها العلاقات بين الطوائف المسيحية الرئيسية فى مصر والعالم، وذلك على غرار: الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الإنجيلية والكنيسة الأسقفية «الإنجليكانية». وأيضاً العلاقة مع المجالس الدولية مثل مجلس الكنائس العالمى والمجالس الإقليمية مثل مجلس كنائس الشرق الأوسط. وربما يعاد النظر فى الفكرة الجديرة بالاهتمام، والتى ظهرت فى بداية عام 2011 بتأسيس مجلس كنائس مصر ليضم تحته أبناء جميع الطوائف المسيحية المصرية. وهو ما يمكن أن يساعد على تحقيق الوحدة المسيحية بعيداً عن الخلافات والمشاحنات التى حدثت خلال السنوات الماضية.
- ملف العلاقات الدينية: من خلال علاقة الكنيسة المصرية بالأزهر الشريف وبدار الإفتاء وبمجمع البحوث الإسلامية.. تلك المؤسسات المصرية العريقة، والتى تمثل جميعها صمام أمان هذا الوطن لتجاوز أى أزمات أو توترات طائفية، وللحفاظ على سماحة مصر وأمنها وأمانها فى ظل وجود الإمام الأكبر د. أحمد الطيب «شيخ الأزهر الشريف» ود. على جمعة «مفتى الجمهورية» مع وجود البابا الجديد للكنيسة المصرية.
∎ تحدى الإعلام
- ملف القنوات الفضائية المسيحية: والتى وصلت الآن إلى 3 قنوات فضائية مسيحية الأولى، هى قناة CTV يملكها رجل الأعمال د. ثروت باسيلى ويضم مجلس أمنائها العديد من الأساقفة، والثانية هى قناة «أغابى» التى يديرها ويشرف عليها الأنبا بطرس، والثالثة هى قناة ME Sat التى يشرف عليها الأنبا أرميا. وأعتقد أنه من المفيد توحيد هذه القنوات فى قناة فضائية مسيحية واحدة خاصة القناتين اللتين تندرجان تحت الإشراف الكامل لرجال الكنيسة.. لما فى ذلك من تلافى التكرار فى الأفكار والبرامج وعدم إهدار المزيد من التمويل.. فضلاً عما يمكن أن يؤديه هذا التوحيد إلى رفع مستوى المحتوى الإعلامى لقناة فضائية مسيحية أرثوذكسية مصرية واحدة تعبر عن الكنيسة المصرية.
- ملف المتحدث الإعلامى للكنيسة القبطية الأرثوذكسية: بحيث يكون للكنيسة متحدث إعلامى واحد يتحدث باسمها، ويعبر عن مواقفها وتوجهاتها.. لعدم الالتباس فى التصريحات المتضاربة التى عانينا منها خلال السنوات الماضية.



