في قصة سد النهضة الاثيوبي لا يجب أن يظل تعاملنا مع القضية من مربع الآداء المصري المتعالي الذي ظللنا طويلا نعامل به الأشقاء في القارة السمراء وكأنهم "أولاد البطة السوداء"،فنرسل السفراء في الخارجية  لهذه الدول كنوع من العقاب ونعطيهم أسوأ معاملة في المطارات ولا نعتبرهم شعوبا يستحقون الترويج السياحي لديهم أو دعوتهم لزيارة مصر،وتمادي هذا الصلف في التعامل حتي طال نصفنا الثاني في السودان الشقيق ،ولست في حاجة للتدليل علي نماذج  لسوء تعاملنا معهم وتجاهلنا لحقيقة أنهم مثلنا وربما أفضل.
وعلي مدي سنوات طويلة كانت الطريقة هي"اضحك عليهم"وابتعدنا في وقت اقتربت فيه منهم دول عربية مثل قطر والامارات والسعودية زراعة وتجارة،و دول أجنبية لعل أبرزها الصين واسرائيل وايران بشكل كبير جدا لدرجة أن استثمارات الصين الناشئة في افريقيا تجاوزت الـ13 مليار دولار بمراحل ولم يكن غريبا مع هذا التمدد أن تصل لصفقة انتاج الطاقة من سد النهضة الاثيوبي.
وفي وسط الصورة غابت عنا عدة حقائق منها  أن إثيوبيا هي أكثر دول الحوض معاناة من نقص المياة رغم أنها المساهم الرئيسي في مياة النيل ٬ وليس لدول المصب دخل في هذا الوضع ٬ حيث أن طبيعة الأ ا رضي الإثيوبية لاتصلح لإقامة سدود كبري لتخزين المياه مهما كانت التكنولوجيا المستخدمة ،ومع ذلك فإن إثيوبيا أكثر دول الحوض ملائمة لعمل مشروعات توليد كهرباء تكفي جميع دول الحوض.
وعلي الرغم من هذه الإمكانات الهائلة للحصول علي الطاقة الكهرومائية إلا أن أكثر من ٨٨ ٪ من السكان طبقاً لتقرير البنك الدولي يعيشون بدون كهرباء، حتي من يحصل عليها يعاني من انقطاع التيار الكهربائي،وقد وصل نصيب الفرد من استهلاك الطاقة في عام ٢٠٠٧ حوالي ٢٥ كيلو وات ساعة/سنة علماً بأن متوسط استهلاك الفرد الذي يعيش في مستوي متوسط يقدر ٥٠٠ كيلو وات ساعة/سنة.  
 ومن هنا تواجه الحكومة الإثيوبية تحدياً هائلا متمثلا في توفير الطاقة لتلبية احتياجات شعبها ودعم النمو الاقتصادي. وفي الخطة الرئيسية تسعي إلي زيادة إنتاج الكهرباء بأضعاف أمثالها ،ومن حقها أن تبحث عن مصلحة شعبها حتي لو كانت علي حساب الشعوب الاخري.
ورغم الاحاديث المتكررة وعبارات الطمأنة من هنا وهناك حول عدم تأثر مصر من سد النهضة الاثيوبي بسبب الطبيعة الجيولوجية الخطرة لاراضي اثيوبيا تبقي الحكومات المصرية المتعاقبة من عاطف عبيد ليوسف والي ومن الجنزوري لعصام شرف وهشام قنديل في دائرة الاتهام بأقسي الاتهامات التي قد تصل الي الغباء السياسي وخيانة الوطن لانها  أهملت ملفا رئيسيا وتفرغت لتوافه الأمور فخسرنا كثيرا في افريقيا علي كل الأصعدة،وتبقي مسئولية مبارك ومرسي وبينهما المجلس العسكري عن المأساة قائمة،ولعل هشام قنديل يتحمل بمفرده نصف الاوزار فهو رئيس الوزراء الذي أتي من وزارة الري المسئولة الاولي عن الملف وهو صاحب اختيار الوزير الحالي وهو المكلف من قبل الرئيس مرسي بالتعامل مع أمر لم نجد فيه تعامل ولا حنكة ولافهم ولا رئيس وزراء وهو أمر يحاسب عليه الرئيس الذي أبدي تمسكا غير مبرر برجل أوشك أن يضيع كامل الوطن.
وفي كل الأحوال يبقي التأكيد علي أننا في ورطة حقيقية تتجاوز سد النهضة لأنه واحد من مجموعة سدود ستقيمها دول المصب ودول المرور وآخرها السودان التي تستعد لاقامة سد قبل السد العالي بمسافة قصيرة،ومن هنا فالحديث عن ضروة التلويح بالقوة وقصف سد النهضة بعملية حربية هو حديث خالي من العقل ولن يحل المشاكل المتفاقمة لمصر مع افريقيا ويجب علي الجميع نبذ الخلافات والتعاون علي تهدئة الامور وخلق تحالف حقيقي مع الدول الافريقية بشكل عام ودول حوض النيل بشكل خاص والا فالمجاعة قادمة والانهيار علي أبواب الوطن.