بقلم : مصطفي الأسواني
في ظل هذا التدهور الذي تعاني منه مصر بعد مرور عامين على الثورة، والذي يشير إلى فشل عام في الإدارة يهدد بعدم الاستقرار غير المحدود، نجد أن جماعة الإخوان -مدعومة من الغرب- لا تتخلى عن مطامعها في السيطرة على مفاصل الدولة، وتعتبر ذلك لحظة تاريخية لها لا تريد أن يسرقها منها أحد، أما من نسميهم الفلول فينتظرون الفرصة السانحة لاسترجاع ما خسروه، بينما ها هم الثوار يأسفون على إرثٍ لم يحافظوا عليه كالرجال.
ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية بزعامة باراك أوباما، لم تعد تتحمل حالة عدم الاستقرار في مصر، والتي تنعكس على المنطقة وتسمح للعناصر الجهادية بتشكيل خلايا نائمة لها، الأمر الذي من شأنه تهديد دول المنطقة والمصالح الأمريكية وأمن إسرائيل، وكأن واشنطن لم تكن تعرف منذ البداية أن أجهزتها الأمنية ودعمها لتيار الإسلام السياسي تساعد على ذلك، وأن مخابراتها ومخابرات دول حلف الناتو ساعدت، أو في أحسن الأحوال أغمضت عينيها عن التسليح والدعم المالي وعودة المجاهدين إلى مصر في ظل حكم ممثل الإخوان في القصر الرئاسي، محمد مرسي!!وفي الأثناء، أجدني أتساءل هل منكم من يدرك مدى الخطر الذي يتعرض له عالمنا العربي، وهل هناك من سائل نفسه مثلي ما الذي تريده إسرائيل منا؟!
نتفق أننا قمنا بثورات شملت العديد من دول العالم العربي، تُعد عمليات تاريخية ما زالت مستمرة، إلا أننا لم نقدّر بعد نتائجها وعواقبها؛ لذا أخشى أن تكون مثل تلك التي حدثت في عام 1916، والتي نتج عنها تشرذم وتشتت عالمنا العربي، وانقسامه إلى دويلات صغيرة ما زالت قائمة إلى اليوم وفق اتفاقية «سايكس بيكو»، التي وضعت في لندن من قبل البريطاني مارك سايكس، والفرنسي جورج بيكو؛ لتقاسم التركة العثمانية.
والتاريخ يروي لنا أن الاتفاق رسم خرائط منطقة الشرق الأوسط والحدود المستقبلية لبلدانها، وكان الإنجليز والفرنسيون حريصون على تغذية الطائفية؛ ففصلوا لبنان عن سوريا، وفصلوا الموصل بسنتّه ومسيحييه عن حلب، وأبعدوا علويي إسكندرونة عن اللاذقية، ووزعوا الأكراد على عدة دول، ووضعوا في فلسطين حجر الأساس لدولة إسرائيل.
وأعتقد أن هناك كثير من الأحداث التي يعيشها العالم العربي يوميًا تدلُّ على وجود شبه اتفاق استعماري جديد على نهج «سايكس بيكو» القديم، غير أن المختلف فيه هذه المرة؛ هو أن سكان العالم العربي ينفذون تلك المشاريع الاستعمارية الجديدة بأنفسهم؛ وقد بدأت زعزعة الاستقرار في المنطقة مع الغزو الأمريكي للعراق في العام 2003، وبمرور الوقت تحولت واحدة من أقوى الدول العربية إلى بلدٍ ضعيف تتقاتل فيه الطوائف، وساحة لنفوذ دول إقليمية، وتدخّل من قبل تركيا والجمهورية الإسلامية الإيرانية والمملكة العربية السعودية؛ ففي سوريا -على سبيل المثال- حصل الأكراد نتيجة الأزمة الحالية على حكم ذاتي يستطيعون تطويره إلى ما يشبه الاستقلال الذي يتمتع به إخوانهم في العراق
ولمن لا يعلم؛ فإن الولايات المتحدة تحرص على دعم جماعة الإخوان في مصر؛ لتحقق واشنطن تقدمًا في مجموعة من الملفات المهمة بالنسبة لها؛ منها «ملف الأمن الإسرائيلي، والملف السوري، والملف الإيراني». ولا شك أن الإخوان يوفرون كل الضمانات اللازمة لأمن إسرائيل، حتى ولو كانت على حساب الملف الأمني المصري على المديين المتوسط والبعيد؛ وهذا ما يساعد على تقسيم مصر أيضًا. ومعادلة أسلمة المنطقة العربية تتحقق تدريجيًا، ولن ننكر أن طبع المنطقة بطابع ديني شكلي في ظل حكم الإخوان المسلمين الممول من قطر والمحمي بسلاح حماس، يوفر لإسرائيل ليس فقط الأمن، بل وأيضًا يهوديتها الكاملة.
في السياق ذاته، تدرك واشنطن جيدًا أن سوريا يجب أن تخضع لحكم «إسلام ديمقراطي!» تماشيًا مع الموجة السائدة في المنطقة، وبالتالي، فسقوط حكم جماعة الإخوان في مصر، يقلل من فرص تحقيق هذا الأمر في دمشق، ويعطي دفعة للشعب السوري في تحقيق نموذج حكم حديث لا استبدادي ولا ديني أو طائفي، وإنما نموذج قائم على وحدة الدولة والتحديث وتفعيل المجتمع المدني وتدشين منظومة الحريات. وبناءً على ذلك، يتضح لنا أن الملفين «المصري والسوري» مرتبطان ارتباطًا عضويًا من وجهة نظر واشنطن وأوروبا وقطر والسعودية، من خلال خلط الأوراق وطرح مبادرات تحتمل عدة أوجه وعدة معايير ومكاييل.
أما فيما يخص إيران، فملفها مهم إقليميًا ودوليًا، ويأتي ضمن معادلة معقدة تلقي بظلالها على المنطقة بأسرها، وتتألف متغيراتها الإقليمية من «قطر والسعودية وتركيا وإسرائيل ومصر» فضلاً عن «روسيا والصين وأوروبا» من جهة أخرى، وتواجه الولايات المتحدة بمفردها أو إسرائيل بمفردها أو كلاهما صعوبة في التصرف بشأن هذا الملف بدون اللجوء إلى مساعدة تركيا من جهة، ودول الخليج العربي من جهة أخرى، فالملف الإيراني له أطراف عدة ذات مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
ولك الحق في أن تسأل ما دور مصر في هذه المعادلة المعقدة، وأجيبك بأن القاهرة لها دور محوري للغاية في هذا الملف، وأذكِّركَ بأنه في وقت سابق أعلنت جماعة الإخوان مسؤوليتها عن ملف أمن الخليج على لسان الرئيس الإخواني محمد مرسي، بالرغم من أن دول الخليج أصلاً لا تدخل في حروب أو مواجهات مباشرة.. أما تركيا فهي أكبر من أن تدخل في مواجهة مع إيران لأسباب كثيرة داخلية ودولية، إضافة إلى أن تركيا تضطلع بملفات أكبر وأوسع؛ نظرًا لعضويتها في حلف الناتو وثقلها الإقليمي والدولي، وهذا ما يجعل المسؤولية تقع على عاتق نظام الإخوان في مصر وعلى إسرائيل في آن واحد، وقد تكون مصر هي التي ستضطلع بهذا الملف مقابل الدعم الأمريكي الكامل للنظام في الداخل والخارج، لذا تحرص واشنطن على دعم «الجماعة»؛ لأنه في حال انهار حكم الإخوان ستصبح الولايات المتحدة في مأزق حقيقي بشأن هذه الملفات الثلاثة.
وإن سألتني ثانية، ما الدافع الذي يجعل واشنطن حريصة على عدم انهيار حكم الإخوان في مصر، أقول لك إنه في حال انهار حكم الإخوان سينهار بالتالي السيناريو العام الذي تم اعتماده للسيطرة على المنطقة العربية عمومًا من جهة، وسوف تثار قلاقل داخلية قد تسفر عن قيام حكم وطني قائم على التنوع والتعدد في العلاقات الخارجية، ويمتلك رؤى مستقبلية ومشروعات وطنية تفسد على القوى الكبرى خططها الاقتصادية من جهة أخرى، وستصبح واشنطن في هذه الحالة مضطرة لاعتماد سيناريو إحراق المنطقة، أو اعتماد خطة وسطية بالإسهام في إشعال المنطقة بشكل غير مباشر وخلط جميع الأوراق، على أن تتعامل -كعادتها- مع من سيخرج سالمًا من انهيار دول المنطقة
وعليه، نجد أن واشنطن تبذل جهودًا جبارة لإثارة النعرات الطائفية بمنطقة الشرق الأوسط على وجه التحديد خدمة لمصالحها، وقد بدأت جهودها تثمر دمًا بتحول الخلاف المحتدم حاليًا بين أطياف المجتمع والدولة الواحدة في ظل ثوراتنا العربية إلى حرب، تصطبغ تدريجيًا بالصبغة الطائفية، وأثناء انشغالنا بتلك الحرب، تستمر الولايات المتحدة في إعادة رسم خرائط جديدة للعالم كله عمومًا وللمنطقة العربية خصوصًا، وستظهر دولاً جديدة على خارطة الغد، ولكن هذا المشروع الاستعماري الجديد يختلف عن القديم في طريقة التنفيذ؛ فهذا ينفذه سكان المنطقة بأنفسهم، بقليل من العمالة وكثير من الجهل، وتجد المنطقة العربية نفسها في براثن الطائفية تغتسل بدمها.
وتعتمد أمريكا في ذلك على العمل بمبدأ «فرق تسد»، حتى تتمكن من تفكيك العالمين «العربي والإسلامي»، وتحويلهما إلى إمارات صغيرة، وقد وضعت حجر الأساس في هذا البناء فعليًا؛ فسوريا تمزقها حرب أهلية وعدد القتلى بها في تزايد مستمر، وينعكس ذلك على لبنان في صراع يهدد بإشعال حرب طائفية في المنطقة بأسرها، كما أن السودان انقسم إلى سودانين ولم يفقد قدرته على الانقسام أيضًا، والعراق يبدي الرغبة في التفكك، أما مصر وتونس تخضعان لأزمة تقود تدريجيًا إلى الاقتتال، والقبائل الليبية تقتل بعضها، في حين أن الجامعة العربية التي لا حول لها ولا قوة تشارك في المعركة، وإسرائيل تتفرج وتزداد قوة
وحتى الآن يُعتبر الإخوان هم الحليف المثالي المناسب لكل السيناريوهات الأمريكية المتحركة، وأظن أنكم تلاحظون أنه منذ بدء الانتفاضات والتحركات الشعبية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، لم نعد نسمع عن تهديدات إرهابية لأمريكا وأوروبا، ولم تعد تُنَفَّذ هناك عمليات من تلك التي كنا نشهدها خلال الأعوام السابقة!! فالمواجهات والعمليات انتقلت إلى حيث أُريد لها. في الوقت ذاته، من الصعب أن نكون مثاليين ونطالب الولايات المتحدة بتغيير سياساتها، التي لن تغيرها وستظل مستمرة في دعم القوى اليمينية الدينية المتطرفة، وإذا ساءت الأمور، ستقوم بدعم القوى الجهادية كما حدث في أفغانستان والعراق وليبيا.
ولكن ما يبعث على التفاؤل، هو أن الشعب المصري -القوى المعارضة الأكبر نفوذًا وتأثيرًا- أرسل إلى واشنطن، من جميع محافظات ومدن مصر بفعاليات تاريخية، رسالة واضحة ومفهومة ولا تحتمل التأويل؛ حيث إن المصريون قرروا مواصلة ثورتهم إلى أن تحقق أهدافها، وأصبحوا يدركون جيدًا أن صناديق الانتخابات ليست أبدًا هي الديمقراطية، وأن الدساتير تصاغ عن طريق الشعوب وللشعوب وليس بيد مجموعات وجماعات من أجل نفس المجموعات والجماعات الدينية المتطرفة، وأن الفقراء وأطفال الشوارع والمهمشين لابد وأن يكونوا على رأس قائمة الأولويات في الوطن.



