رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

دخلت ثورة الشعب السوري ضد النظام الحاكم عامها الثالث بمزيد من الغموض الذي يلف مصير سوريا والسوريين؛ ففي الصورة العامة للصراع بين النظام والثورة، ثمة توازن للقوة أو للضعف؛ بحيث إن أحدًا منهما ليس بمقدوره التفوق على الآخر، وليس بقدرة طرف أن يهزم الطرف الخصم، وأن الصراع بينهما في حركة مد وجذر، غير أن ذلك التوازن مهما كانت تفاصيله، لا يعني أن طرفي الصراع في سوريا متساويان.

 

ونلاحظ أن الأزمة السورية دخلت أكثر المراحل خطرًا بخروج جن السلاح الكيميائي من القمقم، ما أثار مخاوف كبيرة ليس في سوريا فحسب، بل وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، ولقد فشلت كل المحاولات السابقة لإسقاط نظام بشار الأسد بالقوة، لكن الدول الإقليمية المعارضة للأسد لا تريد الإقرار بالفشل، وتتابع تجميع القوى لمعركة جديدة، يدفع الشعب السوري وحده ثمنها.

 

وأؤكد أن هناك معركة «تكسير عظام» إقليمية ودولية في سوريا؛ فهناك دول تدعم المعارضة والجماعات المسلحة بمئات الملايين من الدولارات، وترسل شبابها -مصر على رأس تلك الدول- للتخلص منهم لا حبًا بسوريا وشعبها، بل كرهًا ومعاداة لإيران والشيعة، ونستنتج من هذا أن الملف السوري لن يتغير فيه شيء بارز؛ حيث إن روسيا ستظل ترسل السلاح الثقيل للأسد، بينما يبدأ الغربيون ودول عربية بإرسال أسلحة دفاعية فعالة للمعارضة، أما إيران فستظل تندفع أكثر في إرسال السلاح والعتاد والخبراء والمقاتلين، من الحرس الثوري وحزب الله وميليشيات العراق وبعض الشيعة العرب الآخرين، وما عاد أحد من الغربيين والعرب يتحدث عن إسقاط النظام، ليس خوفًا من الفوضى فقط، بل ولأن النظام وإن لم يبق منه الشيء الكثير، فهو قوي بفرق النخبة، وبروسيا، وإيران، ولا يمكن إسقاطُهُ إلا في حرب ضَروس ومباشرة بين الأطلسي والروس، وهذا أمر لا يريده أو لا يستطيعه أحد.

 

وعلى مدى العامين الماضيين من عمر الثورة السورية، أصبحت دمشق ساحة قتال طائفي من خلال تأليب سكان الأكثرية السنية - إلى جانب مئات الجهاديين الإقليميين والمملكة العربية السعودية وقطر وهما دولتان تحت الحكم السني- ضد نظام بشار الأسد العلوي الشيعي اسمًا، ومؤيديه الشيعة إيران وحزب الله، وفي الوقت ذاته، تقوم الرياض بإلقاء القبض على رجال الدين الشيعة في المنطقة الشرقية من المملكة بتهمة التجسس لصالح إيران، وفي الأردن توقع الملك عبد الله أن الصراع الطائفي الطويل في دمشق ستكون له عواقب كارثية على المنطقة لأجيال قادمة، وبهذا ستحل «الطائفية» محل الصراع «العربي الإسرائيلي» كجانب التعبئة الأبرز بالنسبة للعرب.

 

وفي حال اعتبرنا أن الصراع «السني الشيعي» بعيد عن مصر، فهناك صراع آخر، هو «الإسلامي المسيحي» وإحراق الكنائس، ويحضرني في هذا المقام ما قاله عاموس يادلين مدير المخابرات العسكرية السابق في إسرائيل، الذي أكد في عام 2010، أن هدف الموساد هو «تفتيت المجتمع المصري حتى لا تقوم له قائمة بعد زوال نظام حسني مبارك». فضلاً عن فتنة أخرى تطل برأسها، وهي تحريض المؤسسات الدينية من جانب الأطراف العربية والأجنبية ولو بشكل غير مباشر على أن تكون طرفًا في الصراع الجديد «السني الشيعي»، وذلك من خلال مؤشرات كثيرة تتعاظم على عكس ما هو معروف عن تسامح الشعب المصري.

 

والمثير للسخرية أن هؤلاء المحرضون ينتقدون مصر ويحاسبونها على طريقة التعامل مع ما أسموه «الطائفية الشيعية في مصر»، باعتبار أن ذلك «دين جديد»، وزاد الطين بلة ما ردده بعض السلفيين بأن الشيعة خارجون عن الملة، وأن التحول من المذهب السني إلى الشيعي هو ارتداد عن الإسلام، وهذا رأي بعض علماء السعودية أيضًا وبعض أقطاب التيارات الإسلامية، وهذا في رأيي ما هو إلا إضافة فتنة الشيعة والسنة إلى مصر بجانب فتنة المسلمين والمسيحيين. وحقيقة الأمر أنه لو اعترفت اليوم إيران -الشيعية- بإسرائيل، فسوف يصبح الشيعة في العالم العربي كله أبناء أمة إسلامية واحدة، وأن فقهاء اليوم سوف يملاؤن الدنيا ضجيجًا وخشوعًا طلبًا للاستغفار عما بدر منهم في حق مسلم منهم لم يفارق الإسلام.

 

ما أود قوله في هذه النقطة تحديدًا، هو أن هذا الصراع بدعة «إسرائيلية أمريكية»، وقد بلغت مهارة تل أبيب في هذا الأمر، بنجاحها في وضع إيران وحزب الله في مأزق تاريخي، فبعد أن كان حسن نصر الله معبود الجماهير العربية في زمن عزَّ فيه الرجال، أصبح متورطاً في حرب غاشمة في سوريا وداعمًا لكل الشيعة في العراق والبحرين والسعودية وغيرها، مما عمق الخطر بين الشيعة والسنة.

 

واللافت في ثورات ما يسمى بـ«الربيع العربي» منذ عام 2011 هو عودة التوترات بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط، وقد ظل هذان الفرعان من الإسلام يتقاتلان من أجل الهيمنة السياسية والدينية منذ القرن السابع، وفي الوقت الحالي نجد العنف يثبت أقدامه بين طوائف المسلمين وينتشر من سوريا إلى العراق والبحرين والسعودية وباكستان وأماكن أخرى.

 

وبتدقيق النظر نجد أن الصراع تحوَّل في جوهره أو أساسه إلى صراع بين إيران والعرب، ساحتُه الرئيسية الآن دمشق، لكنها كانت قبل الآن في العراق ولبنان، ولقد وجهّت الثورة السورية ضربة قوية للنفوذ الإيراني، ليس في سوريا فقط؛ بل في لبنان والعراق أيضًا؛ لذلك سارع الإيرانيون للتصدي بالتدريج وصولاً لإرسال الجيوش والميليشيات، وفي الوقت نفسه سارع الشبان العرب في لبنان والعراق والأردن ومصر لمساعدة الثوار السوريين، ولتصعيد الاحتجاج في بلدانهم ضد السيطرة الإيرانية على الأنظمة القائمة في لبنان وسوريا والعراق، ورغم ظروف وفوضى «الربيع العربي»، فإن الشباب العرب خارج سوريا تقدموا أيضًا لدعم الثورة في سوريا، وما ظل الأمر قاصرًا على مزاج الجمهور الشاب وإمكانياته، بل تدخلت أطراف عربية خليجية رسمية لصالح الثوار السوريين من خلال الجامعة العربية، ومن خلال المؤسسات الدولية، وبطرق غير مباشرة ومباشرة عبر الأردن وتركيا، وبالتأكيد ما كان الدعم العربي للثورة مُضاهيًا للجهدين الإيراني والروسي.

 

أخيرًا وليس آخرًا، نجد أن العديد من الإسلاميين في الشرق الأوسط يركزون -حتى في ذروة الصراعات الطائفية- على السيطرة على الاختلافات المذهبية من أجل تحقيق الهدف صعب المنال المتمثل في إعادة إقامة «دولة خلافة إسلامية عليا»، إذ لا يزال هناك عدد من العقبات الكبيرة التي تحول دون تحقيق هذا الحلم، من بينها الحركة السلفية المتطرفة المزدهرة في المنطقة، والسؤال عما إذا كان الفقه السني أم الشيعي هو الذي سيسود في نهاية الأمر داخل تلك الدولة؟، وعلى أي حال، فإن الفرص بعيدة لظهور مرحلة تاريخية تجمع شمل السنة والشيعة على المدى القريب.

تم نسخ الرابط