رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني


لقد بدأ ما يسمى بثورات «الربيع العربي» حقًا خلال الأيام القليلة الماضية في مصر، وليس قبل عامين في تونس؛ فالاحتجاجات الأخيرة في البلاد تمثل جوهر الديمقراطية، حيث هناك تياران سياسيان يتصارعان على الهيمنة، وهذا الصراع هو التعبير الحقيقي لـ«الربيع العربي».

 

وسيسجل التاريخ العربي أن هذه هي المرة الأولى التي لن يدعم فيها الجيش النظام، كما أن المواطنين يتمتعون الآن بالحرية في التعبير عن أنفسهم دون خوف من القمع العسكري، وذلك يترك العالم العربي مع نوعين من المجتمعات: تلك التي لديها حقوق وحريات سياسية، وأخرى التي ما تزال تعيش في ظل أنظمة استبدادية ودول بوليسية، والخطوة الأولى نحو الحرية هي بداية رحلة ستستغرق عدة سنوات للاكتمال، لكنها ستنتهي بعالم عربي مختلف عما نعرفه الآن، خاصة في مصر.

 

ولن ننسى كذلك، أن رئيس الإخوان محمد مرسي جاء إلى السلطة مدعيًا «كذبًا» أنه سيهتم بجميع المصريين، ومع ذلك، فعلى مدى العام الأول «والأخير أيضًا» من حكمه استمرت حالة البلاد في التدهور؛ فالنظام أكثر تركيزًا على «الأخونة» منها على الشعب، وهذا أحد الأسباب الرئيسية لخروج الناس في 30 يوني الجاري للمطالبة بإسقاط نظام رئيس الإخوان وجماعته، ولو كان قد فهم الطبيعة الكاملة للتطلعات السياسية للشعب المصري بصورة أفضل لكان قد تصرف على نحو مختلف.

 

أضف إلى ما سبق، الاحتياطيات المتقلصة والنفقات المتزايدة، الأمر الذي يهدد قدرة الحكومة على استيراد القمح والوقود الذي تبيعه بأسعار مدعومة، كذلك أثر نقص الوقود وأزمة السماد على إنتاج القمح المحلي، كما أن أزمة الوقود قد زادت من انقطاع الكهرباء بشكل معتاد لعدة مرات في اليوم الواحد، وأن المناطق الريفية تُبلِغ عن انقطاع في المياه، وازدادت هذه المشاكل سوءًا مع فصل الصيف، وسوف يصبح الوضع غير مريح بصورة خاصة أثناء صيام نهار شهر رمضان في أوائل يوليو المقبل.

 

ويذكر التاريخ، أن أزمات نقص القمح وتخفيض الدعم أدت إلى إشعال احتجاجات عارمة في مصر، مثل «انتفاضة الخبز» عام 1977، والمظاهرات التي صاحبت أزمة الغذاء العالمية عام 2008، وفي الواقع، فإن أزمات الوقود قد أسفرت بالفعل عن قيام احتجاجات متقطعة على صعيد البلاد، ورغم أن هذه المظاهرات كانت صغيرة نسبيًا حتى الآن، إلا أن انقطاع التيار الكهربائي في وقت الصيف قد يجبر الملايين من الناس على النزول إلى الشوارع والمشاركة في الاحتجاجات المطالبة بإسقاط حكم الإخوان.

 

وعمل ممثل الإخوان في قصر الرئاسة على إنشاء بيئة سياسية قابلة للاشتعال منذ توليه السلطة، وبالتحديد عندما أكد عمليًا على استئثاره بالسلطة المطلقة، وانطلق في عملية دستورية يهيمن عليها الإسلاميون وعمله على إقرارها بسرعة، وكذلك اعتماد جماعة الإخوان على السلوك الاستبدادي في تعاملها مع المعارضة، واستخدامها للعنف ضد المحتجين من غير الإسلاميين، مثّل نقطة اللاعودة؛ وقد أدى انتهاك الجماعة لحرية الإعلام إلى قيام البعض بمطالبة الجيش بالعودة إلى السلطة.

 

وفي غضون ذلك، يبدو أن جماعة الإخوان لن تتخلى على الأرجح عن الدور الحصري الذي تلعبه؛ فالجولة الأخيرة من التعيينات الوزارية التي قام بها مرسي قد زادت من عدد الوزراء التابعين للإخوان دون إضافة أي شخص من الأحزاب غير الإسلامية، وكان قد رفض مطالب المعارضة بإعفاء وزيري الإعلام والداخلية، وعلاوة على ذلك، إن جميع المسؤولين الذين سيقودون المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض 4.8 مليار دولار هم من الإخوان، ومن المؤكد أن هذا الاستقطاب سوف يعرقل من عملية الانتعاش الاقتصادي في مصر في المستقبل القريب.

 

وفي ظل تواتر الكلام عن تدخل جديد للجيش يمنع انهيار الدولة، فإن ذلك تكمن فيه حالة انكشاف للنظام الحالي ونوازعه لتمكين جماعة بعينها من مفاصل الدولة، وعجزه شبه الكلي أن يوفر لمجتمعه شيئًا من الطمأنينة العامة في التصدي لأزماته بشيء من الكفاءة، كما أن المشاحنات من حين لآخر بين جماعة الإخوان والقوات المسلحة عبر وسائل الإعلام تدل على أزمة أعمق في بنية مؤسسة القوة الأولى في الدولة، ولا يمكن تجاوزها إلا بقواعد لعبة جديدة، غير أن مكامن الخطر في تسييس الجيش ظاهرة، وقد دفعت مصر فواتير باهظة لتسييس مؤسستها العسكرية، وقد كان من بين أسباب هزيمة يونيو عام ١٩٦٧ وغياب قواعد الانضباط العسكري فيها، وشيوع نوع من التسييس في قياداتها، وترسخت فكرة عدم التسييس في المؤسسة العسكرية عند إعادة بنائها من جديد وخوض حرب الاستنزاف، وقد حافظت فيما بعد حرب أكتوبر١٩٧٣ على سلامة الجيش وسط تحولات السياسية وانقلاباتها. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه الآن، لمن سينحاز الجيش هذه المرة؟.

 

وبقراءة متأنية للوضع الحالي الذي تعيشه البلاد، أرى أن هناك سيناريوهات لاحتمال تدخل الجيش مجددًا في السياسة، غير أن ذلك التدخل يخضع لحسابات داخلية ودولية، وسيكون «مرجحًا» في حالة الشعور بدخول الدولة في انهيار، وسيكون «غالبًا» في حالة استعداد القوى الدولية للقبول به. وتحوطه في الوقت ذاته، مخاوف أن يتورط في مواجهات داخلية دامية، وهو الجيش الوحيد في المنطقة العربية الذي لم تصبه التحولات الحادة في دول ما يسمى بـ«الربيع العربي»، خلل الحسابات يفضي بطبيعته إلى مزالق لا نهاية لها.

 

وفي رأيي فإن السيناريو الأول لتدخل الجيش سيكون تحت ضغط الكوارث وانهيار الدولة والحرب الأهلية، لكن يصعب أن يتحول إلى سلطة حكم دائمة، فالأوضاع الداخلية والدولية لا تسمح، وهو غير مهيأ بطبيعته للحكم، كما ثبت ذلك في تجربة حكم المجلس العسكري قبل انتخاب مرسي.

 

أما فيما يخص السيناريو الثاني، فأتوقع ألا يتدخل الجيش بصورة مباشرة، لكنه سيضغط على الرئاسة لتصحيح المسار الكارثي نحو الهاوية الذي تندفع إليه البلاد، وأن يدخل في مشاحنات جديدة معها تفضي إلى إضعاف مركزها أكثر مما هي عليه الآن، دون أن يقوم بانقلاب مباشر عليها، بمعنى أن يوازن لا أن يحسم، يضغط لا أن يحكم، إلا إذا اضطر للتدخل اضطرارًا لمنع انهيار الدولة أكثر مما هي عليه الآن.

 

أخيرًا وليس آخرًا، فإلى جانب سيناريوهات تدخل المؤسسة العسكرية، هناك أيضًا توقع آخر أرى أنه الأقرب للتحقيق، من خلال تشكيل مجلس رئاسي يعبر عن القوى السياسية الرئيسية، ويشرف على وضع دستور جديد ويواجه الاستحقاقات والأزمات الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية الضاغطة، ويمهد لانتخابات رئاسية جديدة، ومن الطبيعي أن يمثل الجيش في هذا المجلس شخصيات تنتسب إليه.. وحفظ الله مصر من كل سوء.

تم نسخ الرابط