بقلم : مصطفي الأسواني
يصعب في الوقت الحالي التنبؤ بتطورات الوضع في مصر بالتفصيل على خلفية عدم الاستقرار المستمر في البلاد؛ حيث نجد أن الرئيس المخلوع محمد مرسي يرفض ما جاء في خطاب الفريق أول عبد الفتاح السيسي، جملة وتفصيلاً، ويصر على أن «الشعب اختاره في انتخابات حرة نزيهة، وكان وما زال وسيظل متحملاً للمسؤولية»، ويجدد تمسكه بـ«الشرعية»، كما أنه أبدى استعداده للتضحية بحياته ودمه للدفاع عنها، ويسانده في ذلك أهله وعشيرته، وحلفاؤه من أنصار تيار الإسلام السياسي الذي أثبت فشله.
ومن الواضح أن مصر على حافة حرب أهلية، أو في وضع من المجابهة المستمرة وعدم الاستقرار، ما سيؤدي إلى تردي الوضع وخطورته، والخطورة تكمن في أن التناقضات التي أدت إلى موجة ثانية من الثورة في مصر، موجودة أيضًا بالبلدان الأخرى في شمال أفريقيا.
واليوم، وبعد مرور عام على حكم جماعة الإخوان لمصر، ثبت لنا باليقين القاطع، أنها جماعة لا برنامج لها سوى الشعارات، ولا استراتيجية لها سوى البقاء أطول مدة في السلطة، وما يثير الانتباه «كيف لتنظيم عمره 85 سنة يُضيّع معظم رصيده خلال سنة أو سنتين؟!»؛ فالتعاطف الشعبي والاحترام الدولي للجماعة في العالم العربي هبط بشكل مريع، ومن الأخطاء التي وقعوا فيها وأصروا عليها، أنهم كانوا يُسوّقون «الشرعية» على أنها صك على بياض، في حين أن التمسك بالشرعية والبلاد قادمة على خراب اقتصادي وأمني هو قمة الفشل.
ولعل رئيس الإخوان المخلوع، اعتقد أنه يستطيع أن يواجه إرادة الشعب المعارض، بأنصاره المحتشدين في ميدان رابعة العدوية ردًا على المتمردين في ميدان التحرير، غير أن حجم التظاهرات كان أكبر مما توقعه أعتى المحللين السياسيين، كما أن الرئيس المخلوع واجهها بتعليقات تماثل تلك التي أطلقها الرئيس السابق حسني مبارك، على التظاهرات ضده، وهكذا فمن «خليهم يتسلوا» إلى «الفلول» و«البلطجية»، ليس هذا فحسب، بل اتهم الثائرين عليه بأنهم ينتهكون «الشرعية الدستورية»، وهذا كلام من شخص «غير سوي» لا رئيس دولة؛ حيث إن «الشرعية الدستورية» تستمد قوتها من الملايين من أبناء الشعب، هم الشرعية وهم يقررون نصّها وهم يسحبونه إذا لم ينفذ.
وكانت فترة حكم رئيس الإخوان تتميز بـ«الإرباك والارتباك»، وكان سمته الشخصية والسياسية منذ البداية، قبل القَسم وبعد القَسم، وكذلك كانت سمةً لمرؤوسيه أيضًا، ولقد نجح الرئيس المخلوع وحزبه وجماعته ومن معها، في سنة واحدة ما اقتضى أكثر من 30 عامًا للرئيس السابق حسني مبارك وحزبه وأزلامه، لتحقيقه، لا بل تفوق مرسي على مبارك، لكونه تمكن من أن يجمع بعد سنة واحدة من الحكم، من المعارضين في الشوارع والميادين أضعاف أضعاف ما جمع مبارك ضده، بعد طول حكم واستبداد وفساد، ونذكر أنه في الوقت الذي كان فيه الإخوان لا يزالون يراهنون على تعايش مع حكم الحزب الوطني ورفع سيف الاعتقال عن رقابهم، كانت الشوارع والميادين بدأت تهدر بشعار «ارحل» الذي لم تعتمده الجماعة إلا بعدما اتضح أن مبارك راحل بالفعل.
والمؤكد أن رئيس الإخوان المخلوع، تصرف هو وجماعته، على أساس ملكيتهما لمصر وشعبها، إذ لم يصدر أي قرار منه على أي مستوى كان، يعكس الاهتمام بالآخرين وتطلعاتهم، والأخطر من كل هذا، هو التبرير «المؤامراتي» لحجم المعارضة التي راحت تتسع منذ الإعلان الدستوري الأول الذي شكَّل صدوره العنوان الفعلي والعميق للديكتاتورية الزاحفة على مصر، وتهديداته المتتالية لتطلعات الشعب المصري هي التي جعلت مرسي ينجح في حشد هذه الملايين ضد حكمه في الشوارع والميادين، وهذا ما لم تدركه أو لا تريد إدراكه جماعة الإخوان.
وكانت عاقبة ما سبق، هي نهاية وفشل المشروع الإخواني ودولته المعبرة عن إسلامه السياسي، ليس في مصر وحدها، لكن ربما في العديد من الدول الأخرى؛ وذلك لفشل التجربة التي طرحوها معبر عنها في شخص مرشح الجماعة محمد مرسي، وثبوت المراوغة السياسية، وعدم الشفافية وغياب الرؤية السياسية والاستراتيجية لإدارة البلاد، وكذلك العلاقات بالغرب والولايات المتحدة على وجه التحديد، فضلاً عن ثبوت أولوية الأهل والعشيرة وثانوية الوطنية والمصالحة الوطنية، والتصعيد من بنية خطاب العنف والراديكالية وممارسة العنف، وهو ما اتضح في ممارسات وخطابات قادة الجماعة عن القتل والاتهام بمؤامرة لم تعلن حتى الآن، وتبقى حبيسة هواجس من يعلنها فقط، بالإضافة إلى تفريغ شعارات الجماعة من مضامينها كتحرير القدس والأقصى وتطبيق الشريعة؛ فالحكم أثبت أن هذه شعارات لا محل لها على أرض الواقع، وأخيرًا، المراهقة وغلبة التناقضات والإرباكات داخليًا وخارجيًا؛ ويتضح ذلك في تناقضات ومراهقات موقف النظام الحاكم من أزمته المائية مع سد النهضة الإثيوبي، أو علاقاته العربية أو الموقف من الثورة والنظام السوري، الذي يصر على نصرة الأولى ويتوافق مع الجانب الإيراني والروسي في إيجاد حل سياسي له يُبقي بشار الأسد!!
ما أود قوله، هو أن غياب الرؤية المتطورة والفاعلة في ممارسات مرسي، ناتج عن أن جماعة الإخوان تعاني فقرًا نظريًا وجمودًا فكريًا لم تستطع تجاوزه منذ استشهاد مؤسسها حسن البنا في العام 1949، وظل خطابه الموجه لعصره وابن لحظته، حاكمًا لهذه الجماعة دون أن تنجب مفكرًا أو فكرًا قادرًا على التعاطي مع مستجدات اللحظة الراهنة أو مستجداتها، مكتفية بتكراره وتكرار الجيل الأول والثاني من أجيالها دون تصحيح أو نقد.
من جانب آخر، عندما خرجتُ يوم 30 يونيو، وما بعده، رأيت أكبر تجمع بشري في تاريخ البشرية، بشهادة العالم، يطالب برحيل الحاكم الفاشل في الحكم، ملايين من الآباء والشبان والفتيات والأطفال والمسنات والأحفاد يلوحون بأعلام البلاد، وقتها وجدتني أتذكر المقولة التي تُنسب إلى عمرو بن العاص، عن مصر، والتي قال فيها: «نيلها عجب، نساؤها لعب، رجالها عبيد لمن غلب»، وتأكد لي، أنها لم تكن موفقة وتجافي الحقيقة، وقد نُفيت تمامًا بعدما فاجأ الشعب المصري نفسه والعالم، عندما هبَّ لاستعادة ثورته المخطوفة، مثبتًا أن نساء مصر ورجالها وشيبها وشبابها شجعان وجديرون بالكرامة والحياة، عصيون على الاستبداد، وأذهلوا العالم بثورة التصحيح وتصحيح الثورة، وضرب أروع مثل ودرس للشعوب الطامحة إلى الحرية في كل أرجاء المعمورة.
أخيرًا وليس آخرًا، أؤكد لك قارئي الكريم، أن حركة التغيير هذه، وبكل مفاعيلها ومفاهيمها، لن تتوقف عند حدود مصر، إنما ستنتقل وباندفاع سريع وقوي إلى العالم العربي بأسره، ومن يدري، فقد تتوغّل إلى أبعد وأعمق من ذلك.. حفظ الله مصر العروبة وشعبها.



