رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

مصطفي الأسواني

 

فور فوز الرئيس الأمريكي باراك أوباما بولاية ثانية، سارع إلى التأكيد على أنه سيكون أكثر تصميمًا على التصدي للتحديات التي تواجه أمريكا، ووعد بأن «الأفضل قادم»، وشدد على أن قيم «الثقافة والتضامن» هي التي تضمن للولايات المتحدة التفوق، وليس فقط التفوق العسكري.

 

 

 

الرئيس الذي حكم أكبر قوة في العالم طيلة أربع سنوات، اعتمد خلالها على إتباع سياسة «الحلول الوسط» سواء في سياسته الداخلية أو الخارجية، وعمد على التدخل من «خلف الستار» بخصوص المواضيع الساخنة على الساحة فيما يعرف بـ«الحروب الناعمة»، يواجه حاليًا مجموعة تحديات خارجيًا سيجب عليه التصدي لها، وسأركز عبر السطور التالية على واحدة من أبرز تلك التحديات، والمتمثلة في عملية التسوية السياسية المتعثرة بين الفلسطينيين وإسرائيل.

 

 

ومن خلال قراءتي لطريقة تفكير أوباما وسياساته على مدى السنوات الأربع الماضية من حكمه للولايات المتحدة، أرى أنه يريد بشكل أساسي الابتعاد عن الشرق الأوسط والتركيز على آسيا، وأستبعد أن يقوم بمحاولة جديدة في عملية السلام «الإسرائيلية الفلسطينية»، خاصة بعد أن طبعت فترة ولايته الأولى بالفشل في الملف «الإسرائيلي الفلسطيني»، ولا أرى كذلك أن مثل هذه الأمور تتصدر جدول أعماله مقابل بناء علاقة مع الصين، وتشجيع صعود الهند في آسيا، والسعي إلى اقتناص فرص كامنة في تلك المنطقة من العالم.

 

*****

 

وبالرغم من تراجع النفوذ الخارجي للولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، فإن كثير من الدول العربية لا تزال تفضل التعلق بفلك «الهيمنة الأمريكية»، في الوقت الذي لا يحب الكثير من العرب الولايات المتحدة، ولكن الجميع يحبون المال والمساعدة الفنية والعسكرية الواردة من واشنطن.

 

 

هذا، وينتظر الفلسطينيون بفارغ الصبر أن يعطي أوباما اهتمامًا إلى قضيتهم المغيبة عن جدول أعمال تحالف «نتنياهو- ليبرمان»، وكذلك عن الأجندات العربية المنشغلة بما آلت إليه الثورات، ومصير الأزمة السورية والإيرانية على السواء. في الوقت الذي تراهن فيه تل أبيب على أن أوباما ليس حرًا تمامًا في اتخاذ قراراته، ويعرب القادة الإسرائيليون عن ارتياحهم من التزام واشنطن المطلق، أيًا كان حاكمها، بـ«أمن إسرائيل».

 

 

وبعيدًا عن التوقع للفترة المقبلة، فإن قرار أمريكا -بقيادة أوباما نفسه- في موضوع العضوية غير الكاملة في الأمم المتحدة يمثل مؤشرًا لما سوف تكون عليه السياسة الأمريكية في الصراع «الفلسطيني الإسرائيلي» خلال السنوات الأربع المقبلة.

 

*****

 

إن حل القضية الفلسطينية مهم جدًا بالنسبة للمصالح الاستراتيجية الأمريكية، إلا أن غياب الضغط العربي الفعال، وتماهي المواقف الأمريكية مع نظيرتها الإسرائيلية بأولولية الملف الإيراني، والاكتفاء بسلام اقتصادي مع الفلسطينيين يمكن أن يخيب مرة أخرى آمال الفلسطينيين.

 

 

ومن المؤكد أنه ليس لأوباما الآن منطلقات جديدة تجاه القضية الفلسطينية، وقد أكد الرئيس الأمريكي «القديم الجديد» مرارًا وتكرارًا أن إسرائيل كانت وستكون حليفًا استراتيجيًا رئيسيًا للولايات المتحدة في المنطقة، وتنطلق الولايات المتحدة من ضرورة تعايش الدولتين «العبرية والعربية» معًا.

 

 

وفي الوقت ذاته، لا تتدخل واشنطن في عملية المصالحة الوطنية الفلسطينية، ولا تقبل حركة المقاومة الإسلامية «حماس» كطرف في المفاوضات، كما لن يحصل محمود عباس «أبو مازن» على دعم واشنطن في الأمم المتحدة إلا بعد تشكيل الموقف الفلسطيني الموحد تجاه إسرائيل وعملية السلام، وفي الظروف الراهنة هو أمر مستحيل إطلاقًا.

 

*****

 

في القضية ذاتها، أود أن أخيّب أمل البعض الذين أشاروا إلى أن باراك أوباما سيواصل عداءه لرئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في ضوء الخلاف بينهما حول كيفية السعي لتحقيق السلام مع الفلسطينيين، والتعامل مع التهديد النووي الإيراني.

 

 

ولا يمكن إنكار أن العلاقة بينهما انتابها التقلب والضعف، ورغم أننا نستطيع أن نفترض مطمئنين أن نتنياهو شخصيًا كان يفضل فوز المرشح الجمهوري ميت رومني، إلا أنه لم يسانده في الحقيقة، بالرغم من جهود جميع الصحفيين الإسرائيليين لتشجيعه على ذلك، وكما قال أحد مساعدي نتنياهو في حديث خاص، نشرته الصحافة العبرية: «عندما يتعلق الأمر بالانتخابات الأمريكية؛ فإن مساحتنا للمناورة حول هذه القضية تكون ضيقة للغاية، مثل خيوط تنظيف الأسنان».

 

ما أريد قوله، وبكل تأكيد، إنه من غير المحتمل في النهاية أن تكون هناك تصفية حسابات بين أوباما ونتنياهو. فمن غير المجدي لكليهما أن يركزا طاقاتهما على الماضي في وقت يواجهان فيه مجموعة من التحديات التي تتطلب منهما أن يعملا معًا.

 

*****

 

إن أسلوب أوباما العقلي تجاه القادة الأجانب جعل الإسرائيليين يتشككون فيه، إلا أنه يسعى إلى تجنيب الولايات المتحدة وإسرائيل الآن نشوب أية خصومة على الملأ، ومثلما صرح المساعد الأقدم السابق لأوباما في البيت الأبيض وسفير الولايات المتحدة الحالي لدى إسرائيل دان شابيرو، أمام جماعة من المتناقشين بتل أبيب في نوفمبر الجاري، بأن «الرئيس مفكر استراتيجي؛ وسياساته لا تحكمها العواطف». وقال أيضًا إن الحديث عن انتقام أوباما من نتنياهو «سخافة».

 

 

كما ستكون هناك مخاطر لا تحصى لكلا البلدين لو تم السماح للأحقاد القديمة بالتحكم في دفة السياسة، وإسرائيل تعلم هذا جيدًا، لكن يصعب أن نتخيل أن واشنطن لن ترحب بالأفكار الإسرائيلية لضمان عدم تعارض أفعال البلدين مع أهدافهما.

 

 

وهذه ليست حجة للرئيس الأمريكي باراك أوباما لكي يتجنب المسألة الفلسطينية ويركز حصريًا على الملف النووي الإيراني، بل إن تعزيز حل الدولتين يُعد ضروريًا لكي تبقى إسرائيل دولة يهودية ولا تكون دولة مزدوجة القومية في الواقع، ولكي يكون للحركة الوطنية الفلسطينية مستقبل حقيقي.

 

وبغض النظر عن الجدل بين الأطراف في الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما يُتوقع أن تواصل السلطة الفلسطينية سعيها إلى الإعلان عن قيام دولة فلسطينية، يعد من المهم ألا تُفلس السلطة الفلسطينية، فانهيار المؤسسة الوحيدة الحالية التي يحتمل أن تشكل نواة لدولة فلسطينية جديدة لن يعود بالنفع على الولايات المتحدة أو إسرائيل أو فلسطين نفسها.

 

*****

 

ومرة أخرى، سيحتاج أوباما إلى مساعدة نتنياهو لتعزيز هذه الأهداف، وبالطبع يجب على الفلسطينيين في الوقت نفسه أن يقوموا بدورهم لنجاح المفاوضات، إذ يجب عليهم العودة إلى طاولة المفاوضات بعد تركها في سبتمبر 2010، بسبب مطالبهم بتمديد قرار تجميد بناء المستوطنات في الضفة الغربية.

 

ولن تكون هذه المناقشات سهلة، وسوف تتطلب تنسيقًا وثيقًا بين أوباما ونتنياهو لتحقيق الأهداف المشتركة لهما، وسواء يروق لك ذلك أم لا، سوف يسعيان معًا «أوباما ونتنياهو» إلى إدارة اختلافاتهما، وإيجاد سبل للعمل معًا بشكل أفضل مما سبق، حتى ولو كان ذلك بدافع الضرورة فقط.

 

 

وفي الختام، فإنني أعتبر أن القضية الفلسطينية ماتت مع الولاية الأولى للرئيس «القديم الجديد» أوباما، بالرغم من محاولاته إحياء القضية، بيد أنه فشل تمامًا في تحريكها.

تم نسخ الرابط