رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني


مصطفي الأسواني

 

 

 إن الضربات العنيفة المتبادلة بين الاحتلال الإسرائيلي وفصائل المقاومة الفلسطينية في غزة على مدار الأيام القليلة الماضية تمثل تحولاً خطيراً.. فنمط المصادمات غير المنتظمة عقب عملية «الرصاص المصبوب» التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في نهاية «2008-2009» أفسح المجال لتبادل النيران على مدار فترات طويلة، تتخللها فترات هدنة قصيرة للغاية. 

وفي تكراٍر لسيناريو عملية «الرصاص المصبوب» شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلية عشرات الغارات على قطاع غزة، وبدأت بحشد مدرعاتها من الشرق، فيما كانت الزوارق تضرب من جهة البحر، وأدخلت إسرائيل عنصر المفاجأة على الضربة بعد عملية تمويه تمثلت في جولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير حربه إيهود باراك، في مرتفعات الجولان السورية، وكذلك التوصل إلى هدنة برعاية مصرية مع الأجنحة العسكرية للتنظيمات الفلسطينية في غزة.

وعلى الرغم من أن أيًا من الاحتلال الإسرائيلي و«حماس» لا يريد تصعيد الموقف إلى مواجهة كبرى، إلا أن الأمور قد تخرج في النهاية عن نطاق السيطرة مع تصعيد الجماعات الجهادية أنشطتها العنيفة. 

لقد عاد الدم الفلسطيني الطاهر ليكون وقودًا للحملة الانتخابية الإسرائيلية، وقد تباهى نتنياهو باغتيال «أحمد الجعبري» الرجل الأقوى في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، بعد سنوات من استهدافه، كما تفاخر بإطلاق عملية «عامود السحاب»، وتوعد بأنه «إذا دعت الحاجة، فإن الجيش الإسرائيلي مستعد لتوسيع العملية العسكرية، وسنستمر في عمل كل شيء من أجل حماية مواطنينا».

أما إيهود باراك، الذي تكاد تنعدم حظوظه في الانتخابات المقبلة، فقد أشار إلى أن جيشه تمكن من «إصابة كل صواريخ فجر، والبنى التحتية للحركة وعدة منظمات غير معنية»، وعزا «الرد الصارم» من قبل الاحتلال الإسرائيلي إلى «وقاحة حماس، وعمليات التصعيد المتكررة منها تجاه المدن الإسرائيلية وإطلاقها صاروخًا تجاه الجيب العسكري»، وأوضح أن هناك أربعة أهداف للعملية هي «تعزيز قوة الردع، وإصابة الصواريخ الفلسطينية، وتسديد ضربة قوية لحركة حماس، وتقليص المساس بالجبهة الداخلية».

وليس أمامي سوى التأكيد على أن وصول الاحتلال الإسرائيلي إلى تحقيق هذه النتائج ليس سهلاً كما يظن قادة جيشه، فعملية «الرصاص المصبوب» لم تتمكن من تحقيق أهدافها رغم استمرارها لمدة 18 يومًا، ويخطئ الإسرائيليون في اختبار مدى استعداد «حماس» لرد واسع عندما يستهدفون أهم قائد عسكري في كتائب «القسام»، ومرد سوء التقدير الإسرائيلي يعود إلى أن رد «حماس» سوف يحظى بدعم ومساندة الأجنحة العسكرية للتنظيمات الأخرى، كما يخطئون في أن الضربة يمكن أن تشكل ضربة قاضية للحركة التي تملك صفًا قياديًا واسعًا في الجناحين السياسي والعسكري.

وكلنا على دراية بأن «حماس» لم تضعف كثيرًا عقب اغتيال مؤسسها الشيخ «أحمد ياسين» وخليفته الدكتور «عبد العزيز الرنتيسي» في أقل من شهر، وكذلك اغتيال مؤسس الجناح العسكري الشيخ «صلاح شحادة»، وغيرهم.

في السياق ذاته، لا تزال «حماس» هي الحاكمة للقطاع؛ كونها تمتلك مفاتيح السيطرة على الوضع المتقلب في غزة، ويقع على عاتقها مسؤوليات داخلية وخارجية باعتبارها حكومة القطاع، بيد أن زيادة أنشطة السلفيين والجهاديين تمثل تحديًا خطيرًا يضع «حماس» بين المطرقة والسندان. 

وترى «حماس» نفسها جماعة جهادية إسلامية ملتزمة بتدمير الكيان الإسرائيلي من خلال «المقاومة المسلحة»، ولا ترغب -في الوقت نفسه- في أن تخسر أوراق اعتمادها، كما أنها تستاء من الجماعات الجهادية التي تصورها على أنها تتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وتحميها.

وفي حين أن «حماس» لا تبدأ عادة بإطلاق صواريخ ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنها تغض الطرف عن الآخرين عندما يقومون بذلك، أو تقوم في بعض الحالات بتوقيفهم وإطلاق سراحهم بعد ذلك بفترة وجيزة، ومؤخرًا انضمت «حماس» إلى عمليات إطلاق الصواريخ في بعض المناسبات وتحملت المسؤولية علانية عنها، نجد أن مصر تمارس ضغوطًا على «حماس» من أجل ضبط النفس والاحتواء، ومع فقدان سوريا كعامل دعم رئيسي، وما ترتب على ذلك من صدع مع إيران، والعبء الزائد على قيادتها في غزة، أصبحت «حماس» أكثر اعتمادًا على القاهرة؛ ومن ثم فإنها تتوخى مزيدًا من الحذر لئلا تقوض علاقتها معها.

 في هذا الإطار، يمكنني إدراج عملية «عامود السحاب» كمحاولة من الاحتلال الإسرائيلي لاختبار المدى الذي يمكن أن تذهب إليه مصر في ردها في حال وقوع اعتداء واسع على قطاع غزة، وإعادة جس نبض الحالة العربية بعد نجاح الثورات في عدد من البلدان العربية، وصعود تيارات الإسلام السياسي فيها.

إلا أن الرد والتحرك السريع من الجانب المصري يبيّن أنه من الصعب استمرار العملية طويلاً على غزة في ظل التغيرات الحاصلة في بلدان الربيع العربي، إذ بدا جليًّا فشل المراهنة على تواطؤ أو صمت أطراف داخلية وخارجية كما جرى أثناء عملية «الرصاص المصبوب»

ومن الواضح أيضًا، أن قدرة الاحتلال الإسرائيلي على الردع في غزة تتآكل؛ فالصواريخ والقذائف التي تتساقط على جنوب إسرائيل دفعت مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الاختباء في الملاجئ، مما شكل ضغطًا على الحكومة لكي تتخذ إجراءات أقوى ضد «حماس»، وبناءً على ذلك صعّدت قوات الاحتلال من هجماتها الجوية في محاولة لإجبار «حماس» على فرض وقف إطلاق النار على الجماعات القتالية الأخرى، غير إن هذه الجهود لم تُؤت ثمارها بعد، كما أن الاحتلال عزز من دفاعاته الإيجابية والسلبية مع إدخال نظام بطاريات «القبة الحديدية» لاعتراض الصواريخ وبناء ملاجئ إضافية، لكن هذه التدابير أيضًا غير كافية لمجابهة التحدي المتزايد. 

وعلاوة على ذلك، فإن الاحتلال الإسرائيلي يقوم بين فترة وأخرى بتجريب أنواع الأسلحة الموجودة لديه، واختبار مدى تسلح الطرف الآخر، وفي هذه المرة تجري قوات الاحتلال اختبارًا حيًا بشكل واسع لمدى فعالية «القبة الحديدية»، التي تواصل العمل على إكمالها منذ سنوات بمليارات الدولارات من أمريكا؛ لمواجهة أخطار الضربات الصاروخية من «حزب الله» في الشمال و«حماس» في الجنوب، إضافة إلى الصواريخ «الإيرانية» المتوقعة في حال توجيه ضربة ضد المشروع النووي الإيراني، وفي حال كُتب النجاح لمنظومة «القبة الحديدية» فإن الاحتلال الإسرائيلي سيستغل ذلك في التسويق لصناعاته العسكرية في بلدان أخرى حول العالم. 

ولديّ يقين بأن الاحتلال الإسرائيلي لديه أسباب استراتيجية قوية لتجنب اندلاع مواجهة كبرى في قطاع غزة، حيث إن عليه اتخاذ قرار حول الملف النووي الإيراني في العام المقبل، فضلاً عن أنه يواجه حالة كبيرة من عدم الاطمئنان على طول حدوده مع سوريا ولبنان، ويتوخى الحذر كذلك بأن لا تتزعزع علاقاته الحساسة جدًا مع مصر، وهو الوضع الذي سيتحقق في حالة قيام إسرائيل باجتياح غزة على سبيل المثال.

كذلك فإن الانتخابات الإسرائيلية القادمة في أواخر يناير تشجع على اتخاذ ردود قوية وقاسية في غزة، إلا أنها تحول في الوقت نفسه دون التصعيد الشامل. وأرى أن «نتنياهو وليبرمان» يغامران في فتح معركة غير مضمونة النتائج؛ ما قد ينعكس سلبًا على حظوظ حزبهما الجديد من الانتخابات في حال عدم التمكن من توجيه ضربة قاصمة لظهر الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية، وأيضًا لن تستطيع رفع حظوظ باراك في الانتخابات، ويمكن أن تسفر عن انتهاء حياته العسكرية بفشل ذريع تنهي معه حياته السياسية المثيرة للجدل.

 أخيرًا وليس آخرًا -ومن وجهة نظري- لا يبدو لي أن عملية «عامود السحاب» الحالي ستهدي الاحتلال الإسرائيلي إلى الطريق الصحيح، بل ستزيد من تخبطه الاستراتيجي على خلفية ما يجري في البلدان العربية.

 صواريخ وقذائف المقاومة الفلسطينية لن تحقق الردع الكامل ولن تمنع تكرار اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي الغاشمة على قطاع غزة، بل لابد من وجود دعم عربي يمنع تدمير غزة، وقبل كل ذلك توحيد كلمة أهلنا في فلسطين ومنع الانقسام؛ حتى نحمي كل فلسطين من بطش الآلة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي.. فلا يمكن الاهتداء بالحرب كوصفة للنجاة من الأوضاع التي تعيشها المنطقة.

تم نسخ الرابط