بقلم : مصطفي الأسواني

بمجرد سقوط نظام مبارك إثر انتفاضة شعبية في 25 يناير لعام 2011، صعد الإسلاميون إلى سدة الحكم في مصر بقيادة جماعة الإخوان المسلمين –البعيدة تمامًا عن الاعتدال- والتي وصلت بسرعة من الكهف إلى القصر، ولم تكن الفترة التي أعقبت الثورة ودودة لغير المنتمين للتيارات الإسلامية؛ لانشغالهم بالمظالم الماضية «مثل محاكمة مبارك، والأموال المنهوبة، والفساد»، ما دفعهم إلى النظر لفلول النظام على أنهم التهديد الأكبر لمستقبل مصر، وهو المنهج الذي لم ينجم عنه سوى الإخفاق في الانتخابات.
أما الذين يقولون إن جماعة «الإخوان المسلمين» تُظهر مؤشرات جديدة على الاعتدال، فعليهم مقارنة رسالاتها إلى الجهات الخارجية، التي تنشرها بالإنجليزية، مع تلك التي تبعث بها إلى المصريين والعرب الآخرين، والتي تنشرها باللغة العربية، وملاحظة «الازدواجية» التي تنتهجها تلك الجماعة في خطاباتها، والتي ظهرت جلّيًا في الفترة الأخيرة من خلال تصريحات ابن «الجماعة» الرئيس محمد مرسي، وخطاباته المتوالية.
*****
إن الخطاب المزدوج هو جزء من نمط جماعة «الإخوان المسلمين»، فبعد ثورة يناير، وفي 30 أبريل أعلن الدكتور محمد مرسي- رئيس الجمهورية الحالي، عن تأسيس حزب «الحرية والعدالة» الذي ترأسه، مؤكدًا أن الحزب أُسس لممارسة النشاط السياسي، ومن أجل «النضال في سبيل السلطة»، موضحًا أنه قبل هذا لم يسع «الإخوان» كتنظيم، إلى «السلطة»، والآن هدفهم الأساسي «استلام السلطة».
وهذا ما يتعارض مع ما قالته «الجماعة» بأنها تسعى إلى تهدئة مخاوف غير المنتمين للتيارات الإسلامية وأنصار القوى المدنية والأحزاب السياسية الأخرى على الساحة، من استيلاء الإسلاميين على السلطة، من خلال إقرار منهج سياسي تعاوني، وإضفاء شكل معتدل على سعيها للسلطة، غير أن الواقع أثبت عكس ذلك، وكذلك تصريحات «مرسي» المتتالية بيّنت أن ذلك المنهج التعاوني كان مجرد واجهة.
*****
إن ظهور الدكتور محمد مرسي المفاجئ وحمله لواء جماعة «الإخوان المسلمين» يمثل تغيرًا هائلاً في دوره داخل «الجماعة»، ففي الفترة التي سبقت ثورة يناير المجيدة، كان مرسي لاعبًا «خلف الكواليس»، حيث لعب دورًا رئيسيًا يمثل أهمية حيوية للأمن الخارجي، والانضباط الداخلي لجماعة «الإخوان المسلمين».
فعلى مدار السنوات الأربع الأخيرة من عهد المخلوع حسني مبارك، كان «مرسي» نقطة الاتصال الرئيسية لجهاز أمن الدولة داخل جماعة «الإخوان المسلمين»، وتفاوض «مرسي» مع جهاز أمن الدولة؛ لضمان مشاركة «الإخوان» في الأنشطة السياسية المختلفة، مثل الانتخابات البرلمانية، وقد أكدت مصادر مقربة منه، وقتها، أنه "تربطه علاقات جيدة جدًا بالأمن، فجهاز أمن الدولة يحب نقطة اتصال تحظى بثقة مختلف أعضاء «الجماعة»، وقد دفعه إلى ذلك كبارة قادة «الجماعة»".
في الواقع إن قادة «الإخوان المسلمين» يثقون بمرسي؛ باعتباره متشددًا من الناحية الأيديولوجية، كما يؤمنون بأن خبرة «مرسي» السياسية الطويلة، بما في ذلك عضويته في القسم السياسي لـ«الجماعة» منذ عام 1992 وقيادته للتكتل البرلماني لـ«الإخوان» بين عامي 2000 إلى 2005، قد جعلت منه مفاوضًا متمرسًا وفاعلاً.
*****
ولقد استمر الرئيس الإخواني محمد مرسي، في لعب ذلك الدور حتى أصبح نقطة الاتصال الوحيدة بين «الإخوان» وجهاز أمن الدولة، بعد إدانة المهندس خيرت الشاطر- الرجل الثاني في الجماعة، من قِبل النظام البائد في أعقاب الانتخابات البرلمانية لعام 2005، والتي تولى «الشاطر» التنسيق والتفاوض بمساعدة من «مرسي» بشأن عدد المرشحين الذين كانت «الجماعة» ستخوض بهم الانتخابات.
ولاحقًا لم يكبح «مرسي» رغبته الجامحة في التفاوض مع نظام المخلوع مبارك، الذي كان يقمع «الجماعة» على مدار عقود مضت، بل شارك في المفاوضات التي جرت في أوائل فبراير مع نائب الرئيس آنذاك اللواء الراحل عمر سليمان، والتي كانت تهدف إلى إنهاء مظاهرات الشعب المصري التي أطاحت بحسني مبارك ونظامه، لكنها لم تنجح في ذلك.
ولقد قام «مرسي» في كثير من الأحيان بتنسيق أنشطة «الجماعة» مع النظام السابق، وهذا ما دفع «الإخوان المسلمين» في كثير من الأحيان لرفض الانضمام إلى الحركات الاحتجاجية المختلفة التي ظهرت أثناء سنوات اضمحلال حكم مبارك، بهدف «البقاء»، كما رفضت في البداية المشاركة في ثورة يناير الحاشدة في عام 2011، والتي أطاحت في النهاية بمبارك، وقال «مرسي» وقتها في تصريح له: «لم نشارك مطلقًا في بعض الحركات العشوائية من قبل»، وقال أيضًا خلال مقابلة مع أحد السياسيين الأمريكيين في أغسطس 2010، إن «برنامجنا هو برنامج طويل الأجل وليس قصير الأجل.. لو دفعنا الأمور بقوة، فلا أعتقد أن هذا سيؤدي إلى وضع مستقر فعليًا»، وهذا ما يوضح مساعي «الجماعة» الحقيقية.
*****
كما ساهم «مرسي» في الحفاظ على سلامة «الجماعة» داخليًا، فقد كان بحسب تصريحات عضو السابق في «الإخوان المسلمين»: «رمزًا للمتطرفين داخل الجماعة.. فهو لم يكن فقط يدفع الإخوان إلى تبني أجندة أكثر تطرفًا، لكنه كان يؤيد كذلك استبعاد القادة الذين يختلفون معه».
وفي موضوع ذي صلة، يسعى «مرسي» منذ توليه منصبه الحالي كرئيس للبلاد، بنفس الطريقة المراوغة التي تنتهجها «الجماعة» في التفاوض لمنع انزلاق الأمور إلى أزمة مع الولايات المتحدة، لا تحتملها حكومة «الإخوان» في الوقت الراهن، إلا أن الدبلوماسية الأمريكية كشفته سريعًا عندما قالت: «نحن نقرأ العربية.. ونعرف ما يُكتب على موقع الإخوان في مصر.. فلا داعي للازدواجية». بالتوازي، فإن «الإخوان» في وضعية «حرجة» بين الراغب في تنفيذ تعهداته للحلفاء والأصدقاء في الخارج، والتخوف من فقدان مصداقيته لدى قواعده المحافظة وحلفاءه المتشددين من السلفيين في الداخل.
ولن أنكر أن كافة الأحزاب السياسية الأخرى، إلى حد ما على الأقل، تبعث برسائل مختلطة، لكن عندما تظهر هذه الدرجة من «الازدواجية»، فإن مصداقية الحزب تضعف وفقاً لذلك، وسيقول البعض إن «الجماعة» تشمل بعض الأصوات المعتدلة نسبيًا، وهذا صحيح، ولكن يجب علينا أن لا نغفل أنها «جماعة» منضبطة جدًا وذات ترتيب هرمي: فقد ترك «الجماعة» العديد من المعتدلين أو تم طردهم، كما أن معظم كبار قادتها يتم انتقائهم من بين الأكثر تشددًا في «الجماعة».
*****
ومنذ الإطاحة بالمخلوع حسني مبارك وطرده من السلطة في أعقاب ثورة 25 يناير المجيدة، يواصل «مرسي» ممارسة دوره بتفانٍ شديد، وظل بصفة أساسية «الوسيط» الرئيسي لـ«الجماعة» مع النظام؛ فقد تفاوض مع «المجلس العسكري» حول عدد من الأمور المختلفة، بما في ذلك صيغة وتوقيت الانتخابات البرلمانية، إلى جانب إنهاء الاحتجاجات الجماهيرية.
وبحسب تسريبات من أعضاء سابقين وحاليين في «الإخوان المسلمين»، الذين أكدوا أن «مرسي» أحد أهم «حراس المعبد»، ويستغل نفوذه المستمر داخل «الجماعة» لضمان التزام الأعضاء العاديين بما يُقرّه، موضحين أنه يهتم كثيرًا بالنظام، أكثر من الأفراد، ويطرد كل من يعارضه.
وللتذكير فقط، فإن «مرسي» تولى صياغة برنامج سياسي في العام 2007 تضمن شروطًا قيّدت منصب الرئاسة المصرية على الرجال المسلمين، وأسس «الإخوان المسلمين» تحت إمرته مجلسًا من علماء الدين الإسلامي لتقديم المشورة إلى البرلمان حول التشريعات المتطابقة مع الشريعة، وعندما اعترض شباب من «الجماعة» على هذه الشروط، قام «مرسي» بتوبيخهم، وبعدها بعامين، قاد «مرسي» الجهود الرامية لطرد «محمد حبيب وعبد المنعم أبو الفتوح» من «مكتب الإرشاد»، بعد أن أعرب كلا القائدين في «الجماعة» عن اختلافه مع البرنامج السياسي لـ«مرسي».
وبالنظر إلى أدائه وهو على رأس السلطة اليوم، نجد أن «مرسي» من المرجح أنه سيتمكن من مواصلة توجيه المسار السياسي لجماعة «الإخوان» باتجاه أقصى اليمين الديني المتطرف، كذلك فإن التزامه بالنظام الداخلي لـ«الجماعة» سوف يُحد من ضغط الأعضاء الأصغر سنًا باتجاه تبني حل وسط مع الفصائل السياسية الأخرى؛ فمعروف أن لـ«الإخوان» ديكتاتورية داخلية وغير متسامحة أيديولوجيًا، ولا يمكن إجبارها على إتباع منهج التدرج السياسي إلا عندما يتم الضغط عليها من قبل السلطات الأكثر قوة.
*****
وفي النهاية، أتمنى لو أن يُغير «مرسي» وجماعته مواقفهم ويصبحون محاورين أكثر صدقًا وجديرين بالثقة، وإن لم يحدث ذلك؛ فيجب علينا ألا نبدي أي اهتمام بما يقولونه؛ لأنه وبالنظر إلى تاريخ «الجماعة» في «ازدواجية» الخطاب، ينبغي علينا التعامل مع أي شيء يقولونه بالقدر المطلوب من الشك، والتعامل معهم دون أن نثق بأي شيء يقولونه، حتى يثبتون العكس على الأقل.



