الجمعة 27 فبراير 2026
rosa
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : عاطف حلمي
 
 
 
 
في ثمانينيات القرن العشرين كان هناك موضوع انشاء مكرر في منهج اللغة الانجليزية بالثانوي العام عن مصر سنة 2000 ، وكنا نتخيل من خلاله اوضاع مصر سنة 2000 حتى أن البعض منا بلغ به حد الخيال والتفاؤل أن تخيل اننا سوف نستخدم في سنة 2000 سيارات تشبه مركبة الفضاء تستطيع التغلب على الجاذبية الارضية ومن ثم الازدحام المروري، ولم يكن متصوراً أن مصر في سنة 2012 سوف تكون على هذا الحال من الفوضى والجهل والبطالة والفساد حتى أن مرشحي الرئاسة يشترون الاصوات بعلبة سمن وكيس ارز، لقد تحول الحلم إلى كابوس مريع وواقع مرير يخسر فيه التحضر أمام استغلال الجهل من قبل تجار الدين.
 
 
 
 
 
 
ونحن الآن على مشارف 2013 نقف أمام نفق مظلم أسمه الدستور، الذي لو خلصت النوايا في اختيار أعضاء لجنته التأسيسية لكان وجد طريقه إلى النور منذ فترة بعيدة، لكنها ثقافة الاستحواذ التي جعلتنا لا نستطيع حتى التحلي بأخلاقيات عشرينات القرن الماضي عندما وضع أجدادنا دستوراً رائعاً في سنة 1924، لكن من عجائب مصر الثورة في 2012 أن نجد من رموز اللجنة التأسيسية، من يكفر الآخر، ومن يحرم تعليم االلغات الأجنبية ومن لم يقرأ كتاباً واحداً في القانون أو يعرف شيئاً عن الدساتير وحقوق الإنسان، وغيرها من المؤهلات التي لن تكتب دستوراً لمصر بقدر إمكانية كتابتها دستور لـ " تورا بورا"، بل أن حالة المخاض المتعثرة تجعلنا كما لوكنا نحاول إعادة اختراع العجلة، وفي أحسن الأحوال سيخرج لنا دستور مشوه يعكس حالة االعوار الفكري والتخلف الحضاري التي لانزال نتشبث بها من دون سبب منطقي.
 
 
وهل هناك مبررلحالة لمكابرة والمغالبة والاصرار الأعمى على صياغة الدستور رغم انسحاب العديد من القوى المدنية والكنائس؟، وهل لا يعلم جهابزة اللجنة التأسيسية أن أي دتور لابد أن يمثل كل فئات الشعب بغض النظر عن من هم الأغلبية ومن هم الأقلية، لأن مثل هذه الحسابات متغيرة في حين أن الدستور هو الدائم، أم سنضر لتعديل الدستور أو وضع دستور جديد كلما تغيرت الخريطة السياسية المصرية المضطربة؟.
 
 
إذا لم يتدارك هؤلاء حجم الكارثة فنحن مقبولون على مرلة فوضى عارمة قد تؤدي بنا إلى حرب أهلية لاتحمد عقباها، لإاغلب الحرائق أتي من مستصغر الشرر فما بالنا بأمر بحجم الدستور، لكن يبدو أن الأخوان المسلمين ومن يسير على نهجهم لن يتركوا مصر إلى بعد أن تصبح جة هامدة، وساتها لن يجدي البكاء على اللبن المسكوب.
 
 
في مصر 2012 تنشط لدينا حالة من انفصام الشخصية والجنوح إلى ثقافة الصحراء التي لم يكن لها يوماً مكاناً على ضفاف النيل حتى في أحلك عصورها، فمن مهاجمة الفنون والفنانين إلى الدعوة لهدم تراثنا الحضاري بدعوى أنها أصنام مروراً بالاستغلال الفج للدين من أجل مكاسب سياسية وصل إلى حد خوض غزوة الصناديق وتكفير وتأثيم من يدلي برأي مخالف لرأي هؤلاء المكفراتية الجدد ، الأمر الذي بات يطرح الكثير من علامات االاستفهام حول فكرة المخزون الحضاري الذي طالما تغنينا وافتخرنا به، وهل فعلاً استطاعت ثقافة الصحراء والبداوة أن تتغلب على االتحضر وهذا الموروث أم أنها إحدى عوارض حالة االمخاض والخروج من مرحلة تجهيل وافقار متعمدين للشعب المصري على مدار نحو 40 سنة؟.
 
 
ولعل الأجيال القادمة سوف تنظر إلى ما نحن فيه الآن وتتساءل عن سر حالة التخبط الحضاري والفكري التي نعيشها الآن، وسوف تلعن اليوم الذي جعلنا نترك لهم ميرثاً مليئاً بهذا الكوابيس التي لاتصلح إلا لتكون فصولا في مسرحية هزلية بالغة السوااد والقتامة، بعدما يجدوا أنفسهم وقد ورثوا مصر وهي في ذيل شعوب العالم على مختلف المستويات.
 
 
 
نفس الكابوس وبصورة أكثر قساوة يعيشه المصريون اليوم ،بعدماً راح يبني قصوراً من الرمال على أمل تحقيق حلم النهضة الذي وعد به د. محمد مرسي، والذي تحول إلى كابوس، فبدلاً من النهضة وجدنا أنفسنا وقعنا في فخ الوعود الواهية والسلطة المرتعشة، ولايزال الأمن مفقوداً والاقتصاد منهاراً، والأسعار ناراً أتت على جيوب المواطنين وحولت حياتهم إلى جحيم.
 
 
وعوضاً عن أن يفي الرئيس بوعده بأنه سيجلب استثمارات تصل إلى 200 مليار دولار، أو كما قال البعض أنه قال "سأحاول" جلب هذه الاستثمارات، نجده رضخ رضوخاً كاملاً لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين، حتى أصبح المطحونين في هذا الوطن والذين يقدر عددهم بنحو 60 في المئة من تعداد السكان يواجهون شبح رفع الدعم عن الطاقة، والتعليم العالي، والخبز، من أجل الحصول على 4مليارات و 800 مليون دولار، من البنك الدولي، كيف يمكن مشروع قوون عنه أنه مشروع نهضة يبدأ باثقال كاهل الدولة بالديون، والتي ستظل قيداً على الأجيال القادمة، والتي ستجد نفسها مطالبة سداد المليارات التي اقترضتها حكومة الإخوان المسلمين من أجل خلق نهضة زائفة، نهضة قائمة على الاستدانة وليس على الانتاج الفعلي واستغلال الطاقات.
 
 
وبدلاً من تنمية سيناء نجدها الآن رهينة بين مخالب الارهابين، بينما لايزال السيد الرئيس يصدق رأي مستشاريه بأن كل شيىء تحت السيطرة، في حين تنقل الفضائيات من على أرض الواقع الحالة المذرية التي وصلت إليها بوابة مصر الشرقية.
 
 
أما الكابووس الثالث فهو تلك المعادلة الغريبة والعجيبة بين ثنائية "حزب الجماعة" أو "جماعة الحزب"_ سمها ماشئت _ فالواقع يقول أن الحواجز غير موجودة بين الجماعة والحزب، بل أن الجماعة نفسها التي كانت تشكو من قبل أنها مضطهدة وتبحث عن الشريعة، نراها الآن تتعالى على القانون وترفض أشهار نفسها في وزارة الشؤون الإجتماعية، ولما لا طالما أنها تجد نفسها فوق الجميع، ولم نعد نعرف من الذي يحكمنا، هل هو مؤسسة الرئاسة، أم أم مكتب الإرشاد.
 
 
وبدلاً من السعي نحو بناء دولة مؤسسات تعاملت جماعة الإخوان المسلمين كما سبق وتعاملت مع النقابات التي تمت أخونتها، بداية من الساعي وعامل البوفية، حتى القمة وأتت على االأخضر واليابس في هذه النقابات، والآن يطبقون نفس السيناريو في كل المواقع، رغم أن التجربة أثبتت بما لايدع مجالاً للشك أن مصر أكبر بكثير جداً من عباءة الجماعة ومرشدها، بل أن أسطورة الجماعة والهالة التي اسبغتها على نفسها ذابت مثل الشمع عندما خرجت الجماعة إلى العلن وسطعت عليها شمس الحقيقة والتجربة الفعلية، فهي تفتقد للكوادر المسيسة، وللقدرة على الحوار الفعلي وقبول الآخر، ولاتزال تخسر من رصيدها لدى الشارع، فتحولت إلى ما يشبه الفقاعة الاقتصادية والمالية، التي أدى انكشافها لانهيار اقتصاديات كان يعتقد أنها قوية.
 
 

لكن الكارثة أن كابوس فقاعة االإخوان المسلمين، لن يؤذيها فقط ويجعلها تخسر الكثير وربما تتحول إلى مجرد ذكرى سوداء في تاريخ الوطن، بل سيجر مصر إلى منزلق خطير، وسيعود بنا قروناً إلى الخلف، فهم سيفعلون كل شيىء ويضحون بالغالي والنفيس من أجل البقاء في السلطة، وسيكون ثمن تحرير مصر من سطوتهم باهظاً، ولعل مهزلة إعداد الددستور التي تجري فصولها حالياً هي أخطر حلقات مسلسل الهيمنة الإخوانية، يريدون دستوراً على مقاسهم، يمكنهم من إحكام قبضتهم، لكنهم واهمون، فهذا الدستور سوف يسقط عاجلاً أم آجلاً لأنه سيولد ميتاً مهما حاولوا ومهما فعلوا فعجلة الزمن لن تعود أبداً إلى الوراء، وكلما استحكمت حلقات الكابوس الحالي، كلما أقتربت لحظة بزوغ الفجر، وهو آت لامحالة، وإنا له لمنتظرين

 

 

تم نسخ الرابط