رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 
«واهمٌ من يظن أن مهمّة جماعة الإخوان المسلمين قد انتهت وبلغت مداها، بانتخاب أحد أبنائها لرئاسة الجمهورية، فالجماعة لا زالت تثبت يومًا بعد الآخر مدى نهمها اللامتناهي للسلطة، وانتهازيتها وانقلابها على المبادئ في سبيل تحقيق مصالحها الشخصية الضيقة».. بهذه الكلمات كنت قد ختمت مقالي عن «تأسيس مرسي لدولة الخلافة بمصر» في الثالث من سبتمبر الماضي، واليوم أبدأ بها مقالي الجديد للتأكيد على كل حرف أوردته بها.
 
 
فبعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الإخواني محمد مرسي، بتحصين كل القرارات والمراسيم التي أصدرها «شخصه» منذ توليه السلطة في 30 يونيو الماضي، وتلك التي سيصدرها حتى انتخاب برلمان جديد، وتحصين الجمعية التأسيسية للدستور ومنحها شهرين إضافيين لإنجاز عملها، فضلاً عن تعيين طلعت إبراهيم عبد الله نائبًا عامًا جديدًا. يتضح لي أن ثورتنا الشعبية التاريخية العريقة، لم تفلح بعد في حل أي من المشاكل الجوهرية، التي دفعت الملايين للخروج إلى الشوارع، غير أنه من المؤكد أن «الثورة مستمرة» وستظل كذلك حتى نحقق أهدافها.
 
 
والمأساة تكمن في أن الآمال الكبيرة، التي علقها الشعب المصري على حدوث تغييرات إيجابية في المجتمع، يقوم الرئيس الإخواني محمد مرسي وجماعته بتبديدها اليوم، ليحل محلها الإحباط والخيبة، وليتبين للجميع أن التحولات التي طال انتظارها ليست ديمقراطية ولا تقدمية.
 
*****
 
لقد تصور البعض، أن ثورة يناير المجيدة قامت من أجل إقصاء الفاسدين عن الحكم ومحاكمتهم فقط، أو أنها ستغير أوضاع مصر، ولكن كيف يمكن أن يتحقق هذا، والفساد والقمع قائم حتى الآن -متخندقًا خلف اللحى والجلباب؟!، وكذلك صناعة الفرعون وتأليه الحاكم المؤيد بأمر من الله –كما يزعمون-، فضلاً عن أن أجهزة الدولة كما هي، بنفس العقلية وطريقة التفكير وكراهية الثورة والثوار، كيف يمكن تحقيق أهداف الثورة ووسائل الإعلام المملوكة للدولة وجدت سيدًا جديدًا تقوم على خدمته، بنفس الأساليب البدائية المتبعة إبان عهد المخلوع حسني مبارك.
 
 
إن الجموع الغفيرة من أبناء الشعب المصري طالبت بإسقاط النظام، والقضاء على الفساد، وزوال الحزب الحاكم، لكننا وللأسف لم نكن نملك رؤية موحدة ومحددة لمستقبل بلدنا، أو يمكنك القول بأننا لم نكن نتعامل بقدر من الشك مع من يعملون على إقصائنا اليوم؛ ففي الوقت الذي انحصرت فيه شعاراتنا بالمطالبة بإسقاط النظام ومحاكمته، كانت طموحات أعضاء جماعة الإخوان المسلمين «المحظورة» أبعد من ذلك بكثير، فقد كان «الإخوان» يعدون العدة منذ البداية وبشكل مدروس، للسيطرة على المواقع السياسية الرئيسية في البلاد.
 
 
ولن أنكر على «الإخوان» قدرتهم المتفوّقة على الحشد والتعبئة الجماهيرية، وإطلاق الشعارات التي تستقطب البسطاء من الجماهير، غير أن الإسلام السياسي المعاصر الذي خرج من تحت عباءة «الإخوان» لم يُجرب كما ينبغي على الأرض، سوى في السودان وأفغانستان، وكلها لم تقدم إلا الخراب والاقتتال باسم الدين؛ وبالتالي فإن تجربتهم السياسية والاقتصادية تكاد تكون معدومة، أو أنها فاشلة.
 
 
وفي ظل قرارات «مرسي» الديكتاتورية –من وجهة نظري- نرى أن الإخوان والسلفيون سيشاركون في الحياة السياسية كجبهة موحدة من اليوم، وذلك ما سيزيد من احتمال تكرار التجربة الإيرانية في مصر، أي العيش في عزلة اختيارية، والانغلاق عن بقية العالم، والعودة إلى حالة العصور الوسطى، بالإضافة إلى تعاونهم في الانتهاء من وضع دستور مصر الجديد في القريب العاجل، تنفيذًا للرسالة التي وجهت لأعضاء «الجماعة» منذ يومين بالعمل على حملة «إنجز دستورك»، وسيتعمدون في تأليفهم لمواد الدستور على تغييره بشكل يحد من صلاحية السلطات العلمانية والليبرالية –الكافرة- من وجهة نظرهم الضيقة.
 
 
وأستميحك عذرًا قارئي العزيز، حينما أقول لك: إن الإخوان والسلفيين يفضلون عناصر أمن الدولة والحزب الوطني ومُقبليّ أحذية مبارك ورجالاته، على العلمانيين وأصحاب التفكير الحر.. إنها الحقيقة.
 
*****
 
من الواضح، أن مصر وضعت أقدامها اليوم على أول طريق للحرب الأهلية، فما يجري الآن ليس ذلك التنافس أو الصراع الذي يحدث خلال التحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية عقب الثورات؛ حيث إن ما تنفذه «الجماعة» في مصر يؤدي إلى انقسام واضح عن طريق خلط الأوراق والمؤامرات القانونية والدينية، ما يعطي انطباعًا خادعًا للعامة بأن الأمور تسير على ما يرام، وأن ما يجري هو من طبيعة الأمور.
 
 
لقد أفسد الإخوان ميدان الثورة الطاهر، وحولوه إلى مساحة مائعة للجهل والتخلف، وبدءوا حربهم المتغطرسة بالتآمر القانوني والديني، وبالتعدي على الحريات الخاصة والعامة، وبالاعتداء البدني على المواطنين سواء كانوا بسطاء أو من ممثلي التيارات السياسية الأخرى المعارضة لحكمهم، وكذلك على الشخصيات العامة، والمحصلة أن المواطنين البسطاء لا زالوا يواجهون العنف من جانب الأجهزة الأمنية، ومن جانب الإخوان المسلمين وبقية أنصار تيارات الإسلام السياسي، في ظل صمت تام ممن ادعى ذات يوم أنه «رئيسًا لكل المصريين»، كل ذلك يحدث في العلن داخل مجتمع يبتعد عن التعددية ويتجه نحو الاستقطاب الأمني والمالي والديني.
 
 
كذلك فقد أدى قرار الرئيس الإخواني محمد مرسي، إلى عودة مظاهر الاستقطاب والعنف من جديد، متمثلة في الحملة التي يشنها «الإخوان» ضد كل من يعارضهم كفكر أو كجماعة أو كمكتب إرشاد أو كحزب سياسي؛ هذه الحملة العامة التي تعتمد شعار «الفلول» كاتهام ضد أي شخص أو تيار أو جبهة أو مجموعة مناهضة أو منتقدة أو معارضة للإخوان ولتيارات الإسلام السياسي، ومعروف أن «الجماعة» تستخدم هذا الشعار جزئيًا ومرحليًا وفقًا لتحالفاتها؛ لكسب ما يمكن كسبه تدريجيًا.
 
*****
 
إن الرئيس الإخواني «مرسي» أحد أهم «حراس المعبد»، والذي يعد «رمزًا للمتطرفين داخل الجماعة.. فهو لم يكن فقط يدفع الإخوان إلى تبني أجندة أكثر تطرفًا، لكنه كان يؤيد كذلك استبعاد القادة الذين يختلفون معه» -حسبما ذكر ذلك أحد قادة الإخوان المستبعدين-، أعلن في 30 أبريل أن «الجماعة» لم تسع من قبل كتنظيم، إلى «السلطة»، والآن هدفهم الأساسي «استلام السلطة»، وهذا ما يؤكد لي يومًا بعد آخر، أنه لم ولن يكون يومًا «رئيسًا لكل المصريين»، وأنه مستمر في مواصلة توجيه المسار السياسي لجماعة «الإخوان» ومعها المجتمع أيضًا، باتجاه أقصى اليمين الديني المتطرف.
 
 
والدليل على أن «مرسي» لن يكون «رئيسًا لكل المصريين»، أنه يُحابي «أهله وعشيرته» على من سواهم من أهل الوطن، ويخصهم بما سيُقرّه قبل أن يُقرّه، وهذا ما أكدته أيضًا وكالة أنباء «الأناضول» التركية، مساء الخميس، 22 نوفمبر الجاري، بنقلها عن مصادر لم تسمهم داخل «الجماعة»، كشفوا عن أن أعضاء «الإخوان» لديهم علم مسبّق بالقرارات التي سيتخذها الرئيس الإخواني في نفس اليوم، وأنهم جاءتهم تعليمات مركزية من مكتب الإرشاد بعدم السفر خارج البلاد، وأن يستعدوا لاحتمالية النزول إلى الشارع في تحركات شعبية ضاغطة؛ لدعم قرارات متوقعة يصدرها الرئيس في أي لحظة. وأوضحت المصادر ذاتها، أن حالة التأهب هذه قد تكون أيضًا لمواجهة أعمال عنف وحرق محتمل تصاعدها في القاهرة؛ لزعزعة المشهد السياسي وإسقاط الرئيس والحكومة الحاليين.
 
 
في نهاية الأمر، أود أن أذكركم بأن «الجبهة» التي كانت رافضة للعسكر والإخوان، ولأي طرح منهما، منذ الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 19 مارس لعام 2011، حتى وإن كانت هذه «الجبهة» متشرذمة ومنقسمة وغير متبلورة، فهي التي تمتلك ملامح المشروع الوطني والقومي المصري على أرضية «علمانية - ليبرالية» بعيدة عن إبقاء مصر دولة «دينية - أمنية – عسكرية»، أو دفعها في اتجاه مشروعات رخيصة وقديمة عفا عليها الزمن، وتتناقض مع كل مسارات التطور.
تم نسخ الرابط