بقلم : مصطفي الأسواني

منذ شنت قوات الاحتلال الإسرائيلية عدوانها الغاشم ضد قطاع غزة في 15 نوفمبر الجاري، والذي استمر ثمانية أيام متصلة قبيل عقد هدنة مؤقتة بين إسرائيل والفلسطينيين بوساطة مصر، تكبد الفلسطينيون في القطاع خسائر هائلة في الأرواح والبنى التحتية، كما أن آلة الحرب الإسرائيلية خلَّفت حوالي 161 شهيدًا وقرابة 1300 جريح في غزة، فضلاً عن الدمار وتشريد آلاف الأسر، خلال فصل جديد من تاريخ الصراع «الفلسطيني - الإسرائيلي».
وبالرغم من أن قطاع غزة كان يعاني في الأصل من وضع معيشي متردٍ منذ الحصار الإسرائيلي المفروض عليه قبل شن عملية «الرصاص المصبوب» في نهاية العام 2009، فإن الحال سيزداد سوءًا بعد عقد اتفاق هدنة –خرقها الاحتلال الإسرائيلي أخيرًا- في أعقاب عملية «عمود السحاب»، وهناك أيضًا كارثة إنسانية تهدد سكان القطاع، حيث إن القصف الإسرائيلي ترك معظم قطاع غزة من دون ماء ولا كهرباء.
ومع أن عددًا من الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية المقدمة من دول عربية مثل مصر والمملكة العربية السعودية وليبيا والأردن وقطر والسودان، تليها مساعدات ستقدم من المنظمات الدولية مثل وكالة "الأونروا" وبرنامج الغذاء العالمي والمنظمة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن كل ذلك لن يكفي، فالقطاع في حاجة متزايدة لتوفير المعدات الطبية والمساعدات الغذائية والوقود، وكذلك بحاجة لمنحٍ عاجلة لمواجهة الاحتياجات الطارئة الأخرى.
*****
نعلم أن الولايات المتحدة وبريطانيا وقفتا وراء هجوم الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة بشدة، معلنين أن إسرائيل لها كل «الحق في الدفاع عن نفسها»، ومحمّلين في الوقت نفسه، إسلاميي حماس الفلسطينيين «المسؤولية الرئيسية» لقصف إسرائيل، ما يستدعي تدخلاً إقليميًا لتغيير ميزان القوى على الأرض، والوقوف وراء أهالي القطاع وتأييدهم لمجابهة ذاك العدوان الغاشم، المغرور بتأييد الغرب المطلق له في كل شيء.
وعلى الرغم من موقف أوباما، غير أنه ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، قد أقرا بحجم المأساة الإنسانية التي يرزح تحتها سكان قطاع غزة، قائلاً: «إنني قلق جدًا إزاء خسارة الأرواح في صفوف المدنيين الفلسطينيين في الأيام الأخيرة، والمعاناة الصعبة والحاجات الإنسانية في غزة.. قلوبنا مع المدنيين الفلسطينيين الذين بحاجة ماسة للغذاء والمياه النظيفة، والعناية الطبية الضرورية..»، إلا أننا سنجد خلال الأيام المقبلة، الرئيس الأمريكي -المتناقض كثيرًا- أوباما، سيخرج علينا مطالبًا بفتح كافة المعابر مع القطاع بأسرع وقت ممكن، ومعلنًا عن مساعدات إضافية بقيمة ملايين الدولارات، تمنح بشكل مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة، وأن توزع المساعدات عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ولكن تلك المساعدات التي سيعلن عنها، لن تأتي إلا بعد عقد اجتماع بين القيادة الفلسطينية والإسرائيلية مع المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي للشرق الأوسط، في محاولة لتثبيت الهدنة بوقف إطلاق النار بين طرفي النزاع، بالإضافة إلى إعادة تفعيل مسار عملية السلام الذي تجمد، واستكمال عناصر المبادرة المصرية بهذا الشأن، وإن تم الاتفاق، وقتها فقط، سيفرجون عن تلك المساعدات المزعومة لتخفيف معاناة سكان غزة.
*****
قطاع غزة الذي يحده من الشمال والشرق الاحتلال الإسرائيلي، ومن الجنوب مصر، والبحر الأبيض المتوسط من الغرب، يعد منطقة شبه معزولة عن العالم، إذ لا يوجد له سوى سبعة منافذ حدودية، ستة منها تخضع لسيطرة الاحتلال الكاملة، والسابع، فهو معبر رفح الواقع على الحدود المصرية، ويعد المنفذ الوحيد للقطاع على العالم الخارجي.
وبالرغم من انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من القطاع، فإنها هي المسؤولة عن تزويد سكان غزة بمياه الشرب، والكهرباء، والوقود، وقد عانى أهالي غزة من نقص فادح في المياه والوقود والكهرباء، بسبب تقييد إسرائيل وصول الإمدادات من هذه المواد الأساسية إلى القطاع طوال الفترة الماضية.
ومما يزيد الأوضاع المعيشية والإنسانية سوءًا، الهجوم الذي بدأته إسرائيل ضد القطاع، الأمر الذي جعله يعيش أزمة إنسانية، حيث لم تعد المنازل بمعظمها تملك مياه جارية سوى لساعة أو ساعتين كل خمسة أيام، والتيار الكهربائي بات أكثر ندرة، كما أنه لم يعد هناك مواد غذائية في الأسواق، علاوة على ما تعانيه المستشفيات من نقص حاد في المواد الطبية، إذ أصبحت تشكو من خشيتها إجراء العمليات الجراحية لعدم توافر المخدر والكهرباء.
*****
إن الهدنة التي تم التفاوض عليها بشأن وقف إطلاق النار بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ستعزز مسؤولية حماس لمراقبة القطاع وكسر الحصار بشكل حاسم، وفتح معبر رفح مع مصر أمام البضائع وكذلك أمام الناس، إلا أنه لا يبدو أن الاتفاق الأمني طويل المدى مع حماس هو ما يتطلع إليه الاحتلال الإسرائيلي؛ لأنه سيخاطر بتعميق الانقسام الفلسطيني الكارثي بين غزة والضفة الغربية.
وأرى أن أي تخفيف من القصف والوفيات يجب أن يكون موضع ترحيب، إلا أن وقف إطلاق النار لن يمنع تفجرًا جديدًا للعنف، ومهما كان المتفق عليه، فلن ينهي احتلال واستعمال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، أو يوقف الحرب، وهذا الأمر يتطلب ضغطًا بلا هوادة على القوى الغربية التي تضمن تغيير المسار، والأهم من ذلك هو الحاجة إلى تغييٍر في ميزان القوى على الأرض.
كما أن التوقف عن إطلاق الصواريخ ورفع الحصار عن غزة، لو تحقق، يستطيع أن يحقق تحسنًا نوعيًا في حياة أهالي القطاع، وإعادة بعض الأمل في المستقبل إلى الأطفال والكبار على حد سواء، لكن إسرائيل قالت مرارًا إن «الحصار ضروري لأمنها»، وحتى لو توقفت حماس عن إطلاق الصواريخ، فإن سيطرتها على بقية التنظيمات قد لا يكون سهلاً.
*****
وفي الختام، أود أن أؤكد أن تحويل وقف إطلاق النار إلى شيء أكبر من ذلك يتطلب أكثر مما يرغب أي من الطرفين تقديمه، وآمل أن تقف الحرب، وأن يعيش أهلنا في غزة وكل فلسطين حياة سعيدة، وفي سلام للأبد، غير أنه ما لم تحصل معجزة سياسية؛ فإن الظروف الكفيلة بتحويل التوتر إلى عنف ما زالت موجودة، والمدنيون وحدهم هم الضحايا، والخاسرون أيضًا في ذلك الصراع.



