رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

ليس هناك ثمة شكٍ بأن الأحداث الدامية التي وقعت خلال حرب الأيام الثمانية في قطاع غزة لم تكن محض صدفة، بل ترتبط بتفاقم الوضع في المنطقة عمومًا؛ حيث إن كل النزاع في منطقة الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية كجزء منه، يقوم على الحروب والهدنات، وسوف يتطور وفقًا لهذا القانون أبد الدهر.

 
 
وإذا لم تتأزم الأمور الآن، فقد يحدث ذلك غدًا أو بعد غد، إنه مِيزة هذه الأرض التي نسكنها ومشكلاتها، ولا معنىً لأن نفكر في إقامة سلام نهائي أو أن نتنبأ بالفائز في هذه الحرب أو تلك؛ إن هذه المسائل كتغير المُناخ الدائم، فمنطقة الشرق الأوسط هي أرض النزاعات والحروب الدائمة.
 
*****
 
الواقع الذي شاهدناه خلال حرب الأيام الثمانية يؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي كان على ما يبدو أنه منذ بدء هذه المعركة لم يرغب في شن عملية عسكرية واسعة النطاق، ولاسيما التوغل ميدانيًا في قطاع غزة، ولذلك جرت منذ بدء هذه المعركة اتصالات حثيثة دبلوماسية وراء الكواليس، وربما عندما شعر الاحتلال الإسرائيلي بأن الوضع مهيًأ للتوصل إلى هذا الاتفاق، ومعظم أو بعض الشروط التي حددها قد تحققت، توجه على الفور إلى التوقيع على هذا الاتفاق.
 
 
وذلك لأن الاحتلال الإسرائيلي بدأ يفقد خيار الحروب الخاطفة؛ إذ سبق وأن فرضت عليه المقاومة في لبنان وفلسطين مواجهات برية طويلة نسبيًا، ومكلفة ماليًا واقتصاديًا، كذلك فإن الاحتلال لجأ إلى توقيع اتفاق الهدنة بعد زعمه بأن ضرباته الجوية دمرت الأغلبية الساحقة من ترسانة حماس من الصواريخ الخطيرة.
 
 
وبالرغم من ذلك، فإن الرابحين في حرب الأيام الثمانية بين حماس والاحتلال الإسرائيلي، هم جميع المشاركين في تلك الحرب، سواء المباشرين منهم أو غير المباشرين؛ فالقضية الفلسطينية استعادت اهتمام المجتمع الدولي بعد أن كان هذا الاهتمام قد ضعف بعض الشيء، هذا ما يعد ربحًا، وحظيت حركة حماس بفرصة لزيادة تمويلها من طرف الرعاة العرب، بعد أن كان قد تقلص هذا التمويل، ولا نغفل أيضًا أن إيران قطفت ثمارها نتيجة المواجهات العسكرية في قطاع غزة.
 
 
ونعلم أن حركة المقاومة الإسلامية «حماس» لم تسكت؛ إذ ردت بصواريخ تصل لتل أبيب والقدس لأول مرة، وهذا لأن حماس لا تشعر بأنها وحدها هذه المرة، ففي مصر تغير الحاكم وزار رئيس وزرائها غزة خلال الاعتداءات، وسحبت القاهرة سفيرها في تل أبيب، وهي خطوة فعلها نظام الرئيس السابق حسني مبارك من قبل من غير أن تتأثر معاهدة السلام «البارد» مع الاحتلال، وبالرغم من أنه كان باستطاعة مصر أن تفتح المعابر لمزيد من الضغط على الاحتلال الإسرائيلي، لكنها على الأرجح لم تُرد خوض اختبار عظيم لموقفها داخليًا في حال أقدمت إسرائيل على الاجتياح البري.
 
******
 
في السياق ذاته، لقد تمكن الاحتلال الإسرائيلي بفضل الصورايخ التي أطلقتها حماس، من حل عدة مهام عسكرية وجيو سياسية دفعة واحدة، حيث تمكن من اختبار مدى فعالية نظام «القبة الحديدية»، وكذلك العمل على تطويرها بصورة أفضل لمواجهة هجمات الصواريخ الإيرانية في حال أقدمت إسرائيل على توجيه ضربة للبرنامج النووي الإيراني –على حد زعمها، كما قامت قبل التوصل إلى هدنة مع الفلسطينيين -على أساس قانوني تمامًا كما صرح بذلك كبار قادة جيش الاحتلال- بتدمير المواقع التي رصدتها مسبقًا في قطاع غزة، ولو كانت مقيدة باتفاق هدنة لما استطاعت توجيه ضرباتها نحو مستودعات السلاح.
 
 
ولا نستطيع إنكار أن مصر أيضًا كانت من الرابحين مما جرى؛ فلأول مرة منذ سقوط نظام حسني مبارك، تتمتع القاهرة بفرصة البروز على مسرح السياسة الخارجية، وخاصة في مجال محمود كمجال تسوية النزاع «الفلسطيني - الإسرائيلي»؛ فالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة كان أول امتحان جدي لمصر برئاسة محمد مرسي؛ الذي واجه موقفًا حرجًا، حيث سبق وأعلن عن نيته في تجديد السياسة الخارجية المصرية والنأي عن نهج المخلوع حسني مبارك الموالي جدًا للغرب.
 
 
إن المسألة الرئيسية تتلخص في كيفية التشدد تجاه الاحتلال الإسرائيلي مع التقيد بسياسة «جماعة الإخوان»، ومن ناحية أخرى في كيفية الدفع لجهة تسوية النزاع بين الاحتلال وحماس، مع عدم إفساد العلاقة بالولايات المتحدة، وقد نجح الرئيس محمد مرسي في مهمة الوساطة، حتى اعتبر البعض أن مصر تحديدًا هي الجهة التي خرجت منتصرة من حرب الأيام الثمانية بين الاحتلال الإسرائيلي وحركة المقاومة الإسلامية «حماس».
 
 
ولكن السؤال الذي لا يغيب عن فكري، هو عما إذا كانت سياسة مصر الفعلية تجاه قطاع غزة ستختلف عن سياسة الرئيس السابق حسني مبارك؛ فالاعتماد على اتفاقات «كامب ديفيد» وعلى المساعدات الأمريكية لا يزال باقيًا؟!.. وإلى ذلك ترددت في أنباء عن احتمال ظهور عسكريين أمريكيين في سيناء من دون الإعلان عن ذلك، ومهمتهم هي حماية حدود مصر مع قطاع غزة.
 
*****
 
وحول الخسائر التي تكبدها الاحتلال الإسرائيلي نتيجة عدوانه السافر على قطاع غزة، اعترف محللون عسكريون إسرائيليون بأن الهجوم على غزة مكلف للغاية، حيث إن ساعة واحدة من طيران المقاتلات والمروحيات تكلف 5000 دولار، وساعة طائرة دون طيار 1500 دولار، كما تكلف الطلقة النارية الواحدة من نظام «القبة الحديدية» لاعتراض الصواريخ الفلسطينية 40 ألف دولار، أما متوسط أجر الجندي الاحتياط الإسرائيلي فهو 113 دولارًا في اليوم، وإجمالاً فإن حرب غزة كبدت اقتصاد الاحتلال الإسرائيلي 400 مليون دولار يوميًا.
 
 
لهذه الأسباب وحدها -وليس لغيرها- تردد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته المصغرة بوزير خارجيتها آفيجدور ليبرمان، في خوض الحرب البرية، وسعوا إلى إبرام هدنة مشروطة مع حماس تحقق للاحتلال الإسرائيلي الأمان، ولا تمنح أهلنا في غزة أية ضمانات.
 
 
من جانب آخر، فإن تل أبيب تستثمر حال العجز العربي والتواطؤ الدولي والانقسام الفلسطيني لفرض شروط الهدنة، فوزيرة خارجية الولايات المتحدة هيلاري كلينتون، خلال زيارتها إلى رام الله حرصت على أن تلتصق بالرئيس الفلسطيني محمود عباس «أبو مازن» وكبير مفاوضيه صائب عريقات، أمام عدسات الكاميرات ليس لأنها تعشق «أبو مازن» أو «عريقات»، بل لأن كلينتون تريد أن تظهر للعالم مقدار حرصها على الوصال مع الجناح المستعد للتفاوض مع الاحتلال، بالرغم من أن قيادة رام الله أعلنت أن مواقفها من العدوان موحدة مع حماس.
 
 
وأعتقد أنه لا يخفى على أحد أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما هي من يسدد فواتير حرب الاحتلال الإسرائيلي على فلسطين من مبيعات السلاح للعرب، أما الخاسرون فهم المدنيون وحدهم.
 
*****
 
إن أهم نتيجة نخرج بها بعد وقف العدوان السافر على قطاع غزة، أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول السيطرة بالكامل على القضية الفلسطينية وإخضاع الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية، عبر الاستيطان والتهويد، بعد أن وصلت عملية السلام إلى مأزق خطير، ويحاول أيضًا أن يخضع المقاومة الفلسطينية ويضرب بنيتها التحتية ويخضع الفلسطينيون بالكامل لسيطرته، ولقد أدرك العالم مجددًا أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وأن حلها حلاً عادلاً وشاملاً هو المدخل الحقيقي لتحقيق السلام والأمن الدائم في المنطقة، وأن كل محاولات الاحتلال الإسرائيلي لفرض حلولاً مؤقتة عبر الدولة الفلسطينية ذات الحدود المؤقتة، أو أي حلول أخرى، كلها مرفوضة من قبل الشعب الفلسطيني، باستثناء إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشريف، وعودة اللاجئين.
 
 
لقد انتهت حرب الأيام الثمانية على قطاع غزة، وجاءت نتائجها على المستوى العسكري مفاجئة للجميع، ولكن على المستوى السياسي ما زال الوضع الفلسطيني كارثيًا، حيث فتحت تلك الحرب ملفات داخلية فلسطينية غاية في الأهمية، على رأسها ملف الانقسام الفلسطيني، الذي إن لم تتم معالجته عاجلاً فسيظل المستقبل الفلسطيني مجهولاً.
 
 
وفي الختام، أتوجه بأحرّ التهاني القلبية لكل أهلي شعب فلسطين لحصول دولتهم على صفة مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأتمنى أن يعالج الطرفان الفلسطينيان «فتح وحماس» ملف الانقسام معًا، هذه الخطوة تأخرت سنوات عديدة، غير أنني أؤكد أن حضور المصالحة المتأخرة خير من الانقسام الدائم.
تم نسخ الرابط