بقلم : مصطفي الأسواني

الأهالي في بلادي في أقصى الجنوب بصعيد مصر علمونا دائمًا أن نعي بحرص لما يقوله لنا كبارنا، ومما قالوه لنا: إنه «في الديمقراطية.. ما لا تقبله لنفسك لا تصنعه لغيرك؛ لأنه سيكون ضدك غدًا»، وهذا ما لم يضعه في حسبانه ابن الفلاح الذي نشأ بدلتا النيل الخصبة، في منطقة تغرس في أبنائها الحذر واحترام كبار السن، الرئيس محمد مرسي.
وبادر الرئيس محمد مرسي بإصدار قرارات مستبدة في أعقاب ثورة على الاستبداد، في بلد لم يستقر بعد على ثورة ولا على ديمقراطية، وهذا ما يعني أن نخضع للحكم الفردي أو المستبد، أو إبقاء البلاد في حالة قلق مستمر، وفي حال إن لم يتراجع صاحب القرار فإننا نصنع ديكتاتورًا، مما سيؤدي إلى خسارة الجميع وعلى رأسهم مصر، والتأسيس لديكتاتورية يعني القضاء على الثورة والديمقراطية والدستور معًا.
واستكمالاً لذلك، فقد تشجّع «مرسي» بعرض القوة تحت وقع الهتافات المؤيدة له والمنددة بمعارضيه، في مليونية «الشرعية والشريعة»، التي شارك فيها الآلاف من الإسلاميين؛ لمواصلة خطته لتمرير الدستور، وتجاهل مطالب معارضيه، وتسلم مشروع الدستور الجديد، الذي عكفت الجمعية التأسيسية على إعداده في ستة أشهر، متحديًا المعارضة بالدعوة إلى الاستفتاء عليه في 15 ديسمبر الجاري، كما استغل الفرصة ليجدد الدعوة إلى حوار وطني جاد حول هموم الوطن.
*****
ويرى قيادات بجماعة الإخوان المسلمين، أن طرح الدستور للاستفتاء الشعبي سينهي أزمة الإعلان الدستوري الأخير، باعتبار أن مشروع الدستور ينص على إلغاء كل الإعلانات الدستورية السابقة بمجرد إقراره، إلا أنني أكاد أجزم بأن الأزمة لن تنتهي؛ لأنه بهذه الخطوة يغلق كل الأبواب نحو التوافق الوطني، ويفتح الباب أمام انجراف مصر إلى حالة من عدم الاستقرار قد تستمر سنوات، لذا فإنه على الرئيس أن يسحب الإعلان الدستوري الذي تسبب في التصعيد، وأن يبدأ حوارًا مع القوى الوطنية، على أن يكون هذا الحوار حول أجندة واضحة، وأن ينتهي إلى قرارات يوافق عليها الجميع.
من منظور آخر، أعتقد بأن من أسباب الأزمة الحالية -من وجهة نظري- عدم وجود لغة حوار مشتركة بين الفرقاء السياسيين، وهو ما يخلق الخلاف ويزيد من حدته، واللوم الأكبر هنا يقع على جماعة الإخوان التي تعالت كثيرًا بعدما حقق أعضاؤها تقدمًا في أول انتخابات برلمانية بعد الثورة، ثم فاز أحد أبنائها بمنصب الرئاسة.
*****
لقد صنع الرئيس مرسي شقًا مجتمعيًا وتراجعًا للثورة عن شعبيتها وعن وحدة الثوار، بقراراته التي أصدرها، حتى وإن كانت هذه القرارات مؤقتة أو قيل عنها لاحقًا إنها مؤقتة، فإنها على أي حال مصدر خوف لكل من ثار ليبني بلدًا آمنًا يتمتع سكانه بالعدل والحرية والديمقراطية.
كذلك فلن أنكر أن الانشقاق كان موجودًا من قبل، ولكنه على مستوى أقل وضوحًا وسلبية، أما الآن فهذا الشق لا مخرج منه إلا بتصميم موقف معتدل يمتص صدمة الشقاق، وتقريب عقلاء الشعب وقياداته التي تحرص على ألفته؛ لأن التراجع سيئ والتصلب أسوأ، ولن يصب في صالح الديمقراطية التي ننشدها.
وإن نجحت الديمقراطية فإنه يتعين على أعضاء جماعة الإخوان التفكير في تصرفاتهم؛ لأن خصومهم سيأخذون مكانهم بعد دورة أو دورتين، حيث إننا نلاحظ وللأسف أن هناك تصرفات للإخوان استبدادية تصنع لهم الأعداء، فنحن نعلم أنهم ذرفوا دموع التماسيح على ثورة لم يصنعوها، ولم ينالوا شرف الجهاد المدني في ميدانها، وعليهم أن يتقوا الله في من ضحى لأجل ثورتنا المجيدة، وأن لا يزايدوا عليهم.
*****
إضافة إلى ما سبق، فإن ما يحدث في مصر خلال الفترة التي أعقبت إصدار الإعلان الدستوري وحتى الآن أوقعت الغرب في حالة من الارتباك، فالولايات المتحدة الأمريكية تقف اليوم حائرة أمام تسارع الأحداث في مصر، ولقد انعكس ذلك بـوضوح في تصريح أدلى به المتحدث باسم البيت الأبيض جاي كارني، أعلن فيه أن «ما يجري في مصر معضلة دستورية، وأن الشعب المصري هو الجهة الوحيدة التي يتعين عليها أن تجد مخرجًا من هذه المعضلة عبر الحوار الديمقراطي السلمي»، وهذا التصريح يدل على أن البيت الأبيض يقر بأن مصر لديها مشاكل داخلية، ولا يتعين على واشنطن أن تتدخل الآن في شؤونها الداخلية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: ما الفرق بين الرئيس محمد مرسي وبشار الأسد من منظور الولايات المتحدة الأمريكية؟، خاصة وأن كلاهما ركّز سلطات مطلقة في يده، وأنهما لا يبُديان أي استعداد لتقديم أية تنازلات، أقول لك قارئي الكريم، إنه وبالرغم من أن «الأسد» ارتكب الكثير من الأخطاء الإستراتيجية بلا أدنى شك، إلا أنها صارت من الماضي وليس لها علاقة بالحاضر؛ فالوضع الراهن في سوريا مأساوي بكل ما للكلمة من معنى، حيث سقط مئات الآلاف بين قتيل وجريح، أما بالنسبة لـ«مرسي» فلم يسقط بعد العدد الكافي من الشهداء حتى تحدد واشنطن موقفها من الإعلان الدستوري؛ لتحكم ما إذا كان يتماشى مع المعايير الديمقراطية -التي تحددها- أم لا؟
ويتضح لي أنه بعد وساطة «مرسي» في التوصل لتوقيع اتفاق هدنة في غزة بين الاحتلال الإسرائيلي وحماس، أخذت واشنطن في حسبانها دعمه وتطوير العلاقات «المصرية الأمريكية»، لكنهم تفاجئوا بأن «مرسي» لديه مخططا مختلفًا تمامًا تجاه الأمريكيين؛ حيث إنه يعتقد أن الولايات المتحدة عليها أن تصبح بالنسبة له «منصة انطلاق من أجل تعزيز سلطاته في مصر»، لذا فإنه ليس بمحض الصدفة أن يصدر «مرسي» إعلانه الدستوري في اليوم التالي لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.
*****
لقد ظنّ الرئيس محمد مرسي، أنه بوساطته في التوصل لاتفاق الهدنة بقطاع غزة سينحني المصريون أمامه، ويعترفون بأنه أنقذ أهلنا في فلسطين من عدوان الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، لذا سارع بإصدار إعلانه الدستوري وتحصين قراراته في اليوم التالي مباشرة، إلا أن شيئًا من ذلك لم يفعله المصريون ولن يفعلوه أيضًا، وهذا ما تتفهمه جيدًا الولايات المتحدة، لهذا فإنها تتمهل في اتخاذ موقف حازم إزاء ما يحدث في مصر.
وفي الختام، أذكر هنا موقفًا وددت لو أن يتفهمه ويعيه المصريون جميعًا، بشأن «صناعة الفرعون»، فقد قيل في هذا الصدد، إن الرئيس البوسني «علي عزت بيغوفيتش» دخل المسجد متأخرًا يوم جمعة، فكانت الصفوف تنشق أمامه إلى أن وصل الصف الأول، فالتفت إليهم قائلاً: «هكذا تصنعون الديكتاتور».



