بقلم : مصطفي الأسواني

إن العنوان الأبرز للمشهد الحالي في مصر هو «الانقسام»، الذي حوّل الميادين إلى مراكز للتظاهر والاعتصام يتسابق كلا الطرفين للاستحواذ عليها، سواء في ميدان التحرير رحم ثورة يناير المجيدة -الذي دنسه الإخوان-، أم في محيط قصر الاتحادية الرئاسي، دون إغفال ما يجري في ساحات المدن الأخرى من محافظات مصر، وسط حالة من الشد والجذب بين الرئيس محمد مرسي ومؤيديه المتمسكين بقراراتهم من جهة، والمعارضة ومناصريها المتشبثة بموقفها من جهة أخرى.
وفي ظل الانقسام الحالي الذي ينتظر شرارة التصعيد التي ستؤدي إلى حرب أهلية بين مؤيدي ومعارضي النظام الحاكم، نلاحظ أن التاريخ يعيد نفسه، وأن العناد أمام جماهير الشعب المصري سيؤدي إلى ارتفاع سقف المطالب في الشارع، حيث إن السلطة الحالية الحاكمة عبارة عن إدارة ديكتاتورية لا تهدف إلا إلى تقويض الشارع، وأسلمة الدولة بكافة مؤسساتها.
كما نجد أن التيار الإسلامي -المؤيد الوحيد لمرسي- يوجه انتقادات حادة للقوى السياسية الأخرى المعارضة، ويتهمها بالسعي لنشر الفوضى في البلاد، وهذا افتراء يدعم تصعيد الموقف وتعميق الأزمة بين الفرقاء السياسيين.
*****
على الجانب الآخر، يتضح أمامنا بالتدقيق فيما يحدث، أن الرئيس محمد مرسي وجماعته يصدرون خطابًا ملتبسًا إلى الخارج -بطبعهم المتميز بالازدواجية والمراوغة- بهدف الحفاظ على الدعم الخارجي عمومًا، ودعم كل من الولايات المتحدة ودولة قطر تحديدًا، والخطاب الملتبس يدور حول أن القوى السياسية ضعيفة ولا تمثل كل المصريين، وغير قادرة على منافسة جماعة الإخوان وحلفائهم من السلفيين، كما أنها لا تستطيع إدارة الدولة، وكذلك الموجودون في الميادين والشوارع لا يمثلون كل المصريين؛ لأنهم إما فلول تابعون لنظام الرئيس السابق حسني مبارك، أو بلطجية لا يمثلون ثورة يناير.
وهذه الازدواجية في الخطابات الملتبسة تضع كل المصريين المعارضين لحكم الجماعة ومكتب الإرشاد ورئيسها في قصر الاتحادية في موضع الشك والضعف ومعاداة الغرب والكيان الصهيوني، وأنهم فلول من أتباع نظام الرئيس السابق حسني مبارك، خاصة بعد الرسالة الواضحة التي أرسلها الرئيس مرسي إلى الولايات المتحدة، بأنه يرغب في أن يكون حارس المصالح في المنطقة والجسر بين الشرق والغرب، متجاهلاً دور تركيا، ومصممً على الدخول في صراع مباشر مع إيران، وهو ما يروق تمامًا للولايات المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية، ويتعارض في الوقت نفسه مع مصالح المصريين والمصالح الوطنية والقومية لمصر.
ونستكشف ذلك بوضوح من خلال تفنيد الحوار الذي أجاره الرئيس محمد مرسي لمجلة «التايم» الأمريكية، والذي أثار الكثير من علامات الاستفهام، خاصة فيما يتعلق بدراسته في الولايات المتحدة وحصول أبنائه على الجنسية الأمريكية، وأنه لن يسمح للمصريين بانتقاد واشنطن وشعبها، فضلاً عن مغازلته للولايات المتحدة بتعاطفه مع الأسرى الأمريكيين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومن الواضح أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، لا تزال تعول على حكم جماعة الإخوان وتدعوهم ضمنيًا إلى إنهاء الأمور، أو تركها تتأرجح في المجالات القانونية، وهذا بالضبط ما كانت تشجع عليه نظام الرئيس السابق حسني مبارك حتى تخليها عنه تمامًا ليلقى مصيره الحالي وحده.
*****
وبالرغم من أن الصراع الذي فجره إعلان الرئيس مرسي، الذي يدّعي دستوريته الصادر في 22 نوفمبر المنصرم، هو صراع سياسي بالدرجة الأولى، ولم تكن الشريعة مطروحة في سياقه بأي حال من الأحوال، وكان مفهومًا قبل تلك المليونية بأيام أن الجماعة والتيار الإسلامي في طريقهم للتظاهر تأييدًا لرئيسهم كما يفعلون دائمًا، وهي التظاهرات التي لم تثر حفيظة المعارضين باستثناء قرار مرسي بالخروج إليهم والتحدث إليهم، بينما يُفترض فيه أنه رئيس لكل المصريين -حسب زعمه- وليس رئيسًا للمؤيدين فقط.
وعلى ما يبدو أن تأييد مرسي فقط لم يكن كافيًا لاستقطاب السلفيين وبقية أطياف التيار الإسلامي إلى جانب جماعته الأم، فكان لابد من استخدام الشريعة وتصويرها على أنها مهددة؛ بما من شأنه أن يستقطب التيار الإسلامي الذي لا يرضى بأي تهديد للشريعة أو النيل منها، كما أن إدخال الشريعة في هذا المعترك السياسي سوف يؤدي إلى إضعاف المعارضين وتشويه صورتهم، وإبرازهم كمعارضين للشريعة، بما قد يبرر تكفيرهم أيضًا.
وفي حقيقة الأمر، إن الرئيس مرسي يُكرر ما فعله الرئيس السابق حسني مبارك، الذي أُطيح به كديكتاتور في نهاية الأمر؛ فهو يبرر تصرفاته بأنه لم يبسط بعد سيطرته على مفاصل السلطة، وأنه تسلم خزينة الدولة شبه خاوية، إضافة إلى زعمه بأنه يعمل بكل طاقته لإعادة الاستقرار للبلاد، لكن الأمور مع الأسف تتجه نحو مزيد من التأزم والانقسام، فضلاً عن أنها منقسمة على نفسها بالأساس إلى إسلاميين وليبراليين، مما يزيد من صعوبة الأمور على الرئيس محمد مرسي.
*****
وفي ظل تلك الأحداث التي أبعدت هموم المواطن المصري عن فكر القائمين على الحكم، يتبادر إلى ذهن المواطن تساؤلات عديدة، أهمها: ما الذي تغير بعد الثورة؟ فمستوى حياة المصريين لم يرتفع قيد أنملة، وما حدث عمليًا هو أن الحكومة استنفدت احتياطي الخزينة من الذهب والعملات الصعبة، وهي تسعى جاهدة للاقتراض من الخارج، غير أن قيمة هذا القرض لن تكفي.
ما دفع جماعة الإخوان المسلمين ورئيسهم إلى اتخاذ إجراءات تعتمد على تصعيد حدة الاستقطاب بين المصريين، ما يهدد فعليًا بحرب أهلية بدأت تلوح بشائرها في الأفق، والتركيز شبه الكلي على الدعم الخارجي من الولايات المتحدة وقطر وبعض الدول الغربية، التي تراوح في مكان واحد عبر تصريحات أكثر التباسًا.
أما دول الخليج العربي عدا قطر، ففضلت أن لا تتسرع في مد يد العون للتيار الإسلامي بمصر، خوفًا من صعود الحركات السلفية في بلدانها، ويتبقى في هذا الشأن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تنظر بترقب مرتبك إلى ما يحدث في مصر.
*****
وما يزيد من تعميق الهوة أيضًا، أن النظام الحاكم ما زال يتعامل مع الأمر وكأنه ما زال في المعارضة، وأنه يحق له استخدام الشارع للتعبير عن موقفه، وإثبات أن التيار الذي يمثله هو التيار الأكثر قوة والأكثر عددًا، وبالتالي يتصور النظام الحاكم أن من حقه أن يدير البلاد كيفما يشاء، وأن تلك هي قواعد الديمقراطية، وبدأ بتسويق الأمر على أنه يسعى لتحقيق أهداف الثورة والقصاص لشهدائها.
كما يتم استخدام قاعدة الأغلبية العددية كذلك في التقليل من قيمة وأهمية الانسحابات من الجمعية التأسيسية، فقيل إن انسحاب 26 شخصًا من التأسيسية -بمن فيهم ممثلو 20 مليون مواطن مصري، هم المصريون المسيحيون- وكذلك شخصيات عامة وقانونية وقضائية، لا يؤثر على عملها، ما أدى إلى تصاعد حدة المطالب السياسية والاجتماعية والتشريعية الواضحة والمباشرة، كل ذلك أمام تصميم صارم من جانب جماعة الإخوان المسلمين ومكتب الإرشاد والولايات المتحدة وقطر على ضرورة إنجاز المهمة قبل تدهور الأوضاع، وهذا ما فهمه الرئيس مرسي؛ فقرر إنجاز الدستور قبل 2 ديسمبر الجاري، وهو موعد الحكم في بطلان تأسيسية الدستور، التي أصبحت مقتصرة على أعضاء من الإخوان والسلفيين والمجموعات الجهادية والمتعاطفين معهم.
والمشهد الحالي بعد المظاهرات الضخمة في جميع ميادين مصر، والاشتباكات الدامية التي أدت إلى سقوط أعداد هائلة من الجرحى والمصابين وعدد من القتلى، تنذر بانضمام المدن العمالية عدد ضخم من المصريين لم تشارك في السابق في أي تظاهرات أو احتجاجات، غير أن الجماعة وإعلامها يتعمدان خلط الأوراق، مصورة أن كل المعارضين هم من أنصار نظام الرئيس السابق حسني مبارك، الذي جرّف مصر طوال 30 عامًا وساقها كالذبيحة مهديًا إياها على طبق من ذهب للإخوان والسلفيين وتابعيهم من أطراف الإسلام السياسي الأكثر تطرفًا.
*****
علاوة على ذلك، فإن النظام الحاكم بعد خمسة أشهر من التواجد في رأس السلطة لم يستطع أن يخفف من حدة الاحتقان الموجود في الشارع ما بين تيار الإسلام السياسي والتيارات الأخرى، بل إنه في كثير من الأحيان يسعى بوضوح إلى زيادة حدة الاحتقان، واللعب على حالة الخلاف الموجود في المجتمع، ثم الاحتكام إلى منطق الأكثرية العددية والقوة فقط، والسماح لتلك القوة بدهس كل الاعتبارات القانونية والدستورية، والدخول في حرب أهلية مفتوحة ما دام ذلك يحقق الهدف الأساسي، المتمثل في السيطرة على مفاصل الدولة، وتوجيه دفتها إلى حيث يريد تيار الإسلام السياسي الحاكم.
في نهاية المطاف، وجد المصريون أنفسهم أمام اختيارات محددة، كلها في إطار «إما حكم الإخوان أو الفوضى»، وهو ما يتمثل في وضع الدولة المصرية وشعبها الذي يزيد تعداده الآن عن 90 مليون نسمة على حافة حرب أهلية لأول مرة في تاريخنا العريق، ولا يوجد ما يدعي التعجب في هذا الشأن؛ فهكذا تدفع واشنطن وقطر والسعودية ودول غربية في هذا الاتجاه ليتيسر لها استكمال ملفات عالقة في ليبيا وتونس والشام، وتجهيز السيناريوهات المتحركة للمنطقة ككل.
لذا، فمن المؤكد أن الولايات المتحدة وقطر ودولاً أوروبية أخرى يستخدمون جماعة الإخوان وبقية تيارات الإسلام السياسي لتنفيذ مشروع كبير، ليس له علاقة لا بالديمقراطية ولا بحرية شعوب المنطقة، بل يهدف إلى هدم البلاد وإشعالها تمامًا، وهذا بالفعل ما بدأت الجماعة بتنفيذه من خلال وضع المصريين وقواهم السياسية، التي تحالفات أخيرًا ضد حكم الاستبداد والرجعية والتخلف في مأزق، إما الموافقة على الإعلان الدستوري أو الموافقة المتعجلة على مشروع الدستور، ولكن استمرار المصريين والقوى السياسية الوطنية والثورية في مقاومة أخونة مصر وإدخالها عنوة في تحالفات مشبوهة؛ لتوجيه المنطقة كلها في اتجاهات أخرى تمامًا، ومعاداة واضحة ومباشرة لقوى أخرى إقليمية ودولية، يهدد بكارثة الحرب الأهلية التي لن تتورع جماعة الإخوان في إغماض العين عنها، واستخدامها كورقة للضغط على الداخل قبل الخارج.



