رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

إن الديمقراطية الحقيقية -التي وللأسف يعصف بها مشروع الدستور الجديد في كثير من مواده- تعني أول ما تعني: إعادة بناء سلطات الدولة على نحو منفصل ومستقلّ فعليًا، ما يعني تداولاً سلمياً للسلطة، وحرية وجود أحزاب حقيقية، تمثّل أناسًا حقيقيين وموجودين، ما يعني أن وصول أي أحد إلى السلطة لا يمكّنه من أن يكون أو يكوّن نظامًا، بالمعنى التاريخي المألوف في منطقة الشرق الأوسط، بل مجرد إدارة سياسية مؤقتة للدولة الديمقراطية، على نحو يمنع الاندماج بين الإدارة أو السلطة المؤقتة وبين الدولة، بحيث يبدوان شيئًا واحدًا، كما هو حاصل حاليًا في كلّ دول المنطقة العربية.

 

 

وفي الديمقراطية الحقيقية أيضًا، تتحوّل أجهزة الأمن والشرطة والجيش إلى مؤسسات وطنية، تخصّ الدولة والوطن، وتستعصي على الامتلاك من قِبل أي أحد ومهما كان، ناهيكَ عن امتناعها عن أن تكون أداة مطلقة في يد أية إدارة أو سلطة.

 

 

وبمجرد تحقيقنا لديمقراطية حقيقية كهذه، فلن يصل إلى البرلمانات أو مجالس الشعب إلا معبّرين حقيقيين عن إرادة المواطنين، وستكون قراراتهم بالتالي ممثّلة لمصالح الشعب والوطن، الداخلية منها والخارجية.

 

 

 

وبالقراءة المتعمقة لمشروع مسودة الدستور التي ستطرح للاستفتاء في 15 ديسمبر الجاري، نجدها تمثل خطوة هائلة إلى الوراء بالنسبة لآفاق الديمقراطية التي ننشدها منذ قيامنا بثورتنا المجيدة في 25 يناير لعام 2011، فقرار الرئيس محمد مرسي بالإسراع في إصدار الوثيقة من خلال الجمعية التأسيسية لصياغة الدستور -والتي انسحب منها 26 شخصًا, بمن فيهم ممثلو 20 مليون مواطن مصري، هم المصريون المسيحيون, وكذلك شخصيات عامة وقانونية وقضائية، إضافة إلى الغير منتمين للتيارات الإسلامية- إلى جانب العديد من المواد التي يمكن لتيار الإسلام السياسي الممسك بالسلطة استغلالها بسهولة، تكاد تضمن مستقبلاً ثيوقراطيًا لبلدنا.

 

 

هذا، وتؤكد الوثيقة على الصفقة التي تمت بين جماعة الإخوان المسلمين والقوات المسلحة، حيث منحت كبار الضباط في القوات المسلحة حكمًا ذاتيًا نسبيًا، مقابل الاستجابة لطموحات جماعة الإخوان السياسية.

 

 

إضافة إلى ذلك، فإن مسودة الدستور الجديد تشتمل على بعض المواد الواعدة؛ حيث تنص على أن «السيادة للشعب وحده»، وتتضمن بنودًا بشأن عدم التمييز والحرية الشخصية؛ وتتيح حقوقًا خاصة مثيرة للإعجاب، بما في ذلك في مجال الاتصالات الالكترونية، وتحدد الفترة الرئاسية بولايتين فقط، ولكنها تمنح أيضًا نظامًا سياسيًا يهيئ هيمنة تيار الإسلام السياسي، وتوفر حماية دستورية للجيش لم يسبق لها مثيل، وذلك كجزء من صفقة واضحة لضمان إقرار تلك المسودة.


 

لقد أدى غياب الأعضاء غير المنتمين إلى تيارات إسلامية وللأقليات الدينية من تأسيسية الدستور، إلى ازدواجية مواد مسودة الدستور حول العلاقة بين الإسلام والسياسة؛ ففي حين يعتمد الكثير على الكيفية التي ستفسّر فيها الحكومات المستقبلية الدستور، إلا أن هناك عددًا من الفقرات الرئيسية التي توفر لمن ينتمون لتيار الإسلام السياسي موطئ قدم كبير لإقامة سلطتهم وتعزيز أجندتهم.

 

 

وعلى الرغم من أن المسودة تحافظ على المادة الثانية من دستور 1971، والتي تنص على أن «الإسلام هو دين الدولة» و«مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع»، نجد أن الدستور الجديد لا يستبعد بالضرورة إقرار القوانين التي ليس لها أساس في الشريعة، إلا أن الأثر المشترك للمواد (2 و219) يرجح ميزان العقائد الدينية في النقاش السياسي، كما يمنح الدستور دورًا كبيرًا محتملاً للدولة في فرض العقيدة الدينية.


 

في الوقت نفسه، تحظر المادة (44) «الإساءة أو التعريض بالرسل والأنبياء كافة»، وبالتالي تعمل على تمكين الحكومة من استخدام المبررات الدينية لتحجيم حرية التعبير، إضافة إلى أننا لم نر قط مُشرعًا دستوريًا يرد قيدًا عامًا على كل الحريات والحقوق، وأن يكون محل القيد باب بأكمله في الدستور، حيث إننا ندرك أن التفرقة مقتصرة على الحريات اللصيقة بشخص المواطن دون الحريات الأخرى، وهي عديدة، إلا أنه لم يكتف بهذا القيد فحسب، بل زاد عليه قيودًا أخرى، وهي كل ما يتعارض مع المبادئ الواردة في باب الدولة والمجتمع، وهذا للأسف الشديد مفاد نص المادة 81 من مشروع الدستور.

 

 

الأمر الذي يفرض على الشعب أن يسأل قبل التصويت على مشروع الدستور: لماذا كل هذا الخوف من الحرية؟ لماذا النزوع المتكرر لتقييدها وإطلاق القيد ثم حصر نطاق ممارسة الحريات؟ إن ما نأخذه على اللجنة التأسيسية هو فلسفتها الدستورية المقيتة التي تخشى الحقوق وتخاف الحريات، تمتعض من الرقابة وتتهرب من تقييد السلطة، تقيد الحرية بدلاً من تضمنها، وتطلق السلطة بدلاً من أن تقيدها، هذا هو وجه النقد الحقيقي الذي يفسر وجوه النقد الأخرى.

 

 

وهذا ما نجح فيه بالفعل مكتب إرشاد الإخوان والرئيس مرسي من دفع المجتمع المصري إلى السير على أول عتبات طريق جديد يختلف في واقع الأمر عن كل التجارب الموجودة، سواء في أفغانستان أو باكستان أو تركيا أو إيران أو السعودية، ويبدو أنها التجربة المصرية المتفردة في تطبيق الشريعة وإقرار الدين الإسلامي كنمط حياة، أو على الأقل التمهيد لمجتمع إسلامي متفرد يقوم على دعائم أساسية من تعاليم حسن البنا وأسفار مكتب الإرشاد والتاريخ السري لتنظيم الإخوان.


 

في حقيقة الأمر، نجد أن مشروع الدستور الجديد لا يعطي الأفضلية للعقيدة والطموحات الإسلامية على وجه الحصر، حيث إنه يلبي مطلبين رئيسيين من مطالب القوات المسلحة، وبالتالي يكسب تعاون كبار ضباط الجيش في تسهيل مرور المسودة، ونرى ذلك بوضوح في المواد الأولى التي وافقت عليها تأسيسية الدستور عندما سارعت على إكمال المسودة يوم الخميس 29 نوفمبر المنصرم، هي تلك التي تتعلق بالقوات المسلحة.

 

 

كما أن مشروع الدستور يمنح استقلالاً ذاتيًا نسبيًا للقوات المسلحة حول شؤونها الخاصة؛ فالمادة (195) تنص على أن وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، و«يُعين من بين ضباطها»، وبالتالي يُجنِّب الجيش الرقابة المدنية، وبالمثل تنص المادة (197) على إنشاء «مجلس الدفاع الوطني» لمناقشة موازنة القوات المسلحة؛ كما أن ثمانية على الأقل من مقاعد المجلس الـ15 يجب أن تُشغل من قِبل كبار المسؤولين العسكريين، وبذلك يتم تجنب الرقابة البرلمانية التي يخشى منها جنرالات العسكر، وفي الوقت نفسه، تنص المادة (198) بأن القضاء العسكري هو «جهة قضائية مستقلة»، وتسمح بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري عن «الجرائم التي تضر بالقوات المسلحة».

 

 

بالإضافة إلى المسودة تمنح الجيش تأثيرًا كبيرًا على مجرى الحرب؛ فالمادة (146) تنص على أن الرئيس لا «يعلن الحرب، ولا يرسل القوات المسلحة إلى خارج الدولة، إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وموافقة مجلس النواب بأغلبية عدد الأعضاء»، ويظهر أيضًا أن نص المسودة يساوي بين وزير الدفاع ورئيس الجمهورية وقت الحرب؛ فالمادة (146) تعرّف الرئيس بأنه «القائد الأعلى للقوات المسلحة»، في حين أن المادة (195) تعلن بأن وزير الدفاع هو «القائد العام للقوات المسلحة».

 

 

 

في السياق ذاته، من الغريب أن يصل التوجس في لجنة تأسيسية الدستور -التي يفترض فيها الحيدة- إلى درجة تحصين مجلس النواب ضد الحل طوال دورة انعقاده السنوي الأول وفقًا لنص المادة (127)، فيحظر حل المجلس ولو توافر فيه ذات العوار الدستوري المتوافر في المجلس السابق، وهو ما يعرضنا مرة أخرى إلى احتمال تحصين كيان قانوني فاسد قد يقضى بعدم دستوريته ويستمر مع ذلك في مزاولة مهامه، بدلاً من الانصياع لصحيح المبادئ الدستورية.

 

 

وهذا ما يكشف عن رغبة البقاء في السلطة بأي ثمن، وليس الرغبة في الخضوع للمبادئ الدستورية العامة والالتزام بها، هذا الهوس بالالتفاف على القواعد الدستورية أو أحكام القضاء التي قد تفضي إلى حل المجلس الجديد لهو انحراف خطير بعمل اللجنة التأسيسية، يؤدي إلى رفض الشعب لمشروع الدستور.

 

 

وبالاطلاع على كثير من نصوص مسودة الدستور، أتساءل عما إذا كان المقصود من تلك النصوص صالح مصر العام ومواطنوها أم تصفية حسابات فريق مع آخر؟، والمؤكد في هذا أن المصريين وحدهم سيدفعون الثمن من حرياتهم، فلقد خرج مشروع الدستور مفعمًا بتصفية الحسابات، وعلى الشعب أن يتنبه لذلك.


 

إن الدلالة واضحة على أن شهوة الانتقام الفج غير العقلاني من رقابة القضاء الدستوري قد غلبت على اعتبارات الصالح العام في الدستور الجديد، وعلى الاهتمام بحسن سير العدالة للمواطنين الذين لهم مصالح أيضًا في نظر دستورية تشريعات أخرى لا علاقة لها البتة باهتمامات السلطة الحاكمة، كما أن مشروع الدستور ارتكب جرمًا يتناقض واستقلال القضاء، وهو أن يتم تعيين جميع أعضاء المحكمة الدستورية وفقًا لمحض إرادة رئيس الجمهورية طبقًا للمادة (176)؛ وذلك دون أدنى دور للجمعية العمومية للمحكمة في اختيار الأعضاء أو في الموافقة على تعيينهم، وهو إقحام للسلطة التنفيذية في شؤون السلطة القضائية غير مقبول في المرحلة الحالية.

 

 

ويبدو أن ما حدث ويحدث ربما يكون مقدمة لمشروع ما أكبر، يتوافق مع طموحات التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين والقوى الإقليمية التي تقف وراءها وتمولها وتدعمها، وكذلك وفقًا لمصالح القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي تنتمي تحديدًا لأوروبا العتيقة أو إلى محيط الاستعمار القديم.


 

وبما أن القوى المدنية لا يمكن أن تتنازل عن مطالبها أو تتقوقع وتتجه مرة أخرى للتحالف مع جماعة الإخوان المسلمين، بسبب أن فلول النظام السابق يرفعون نفس المطالب -والمستقبل لم يعد لهم- وهذا ما تدركه الجماعة جيدًا، وبالتالي قد يستخدمهم الإخوان، أو قد يفرضون إجراءات أمنية استثنائية على مصر كلها بحجة أن الفلول يسعون للتخريب وقلب نظام الحكم، إلا أن الصراع الآن بين قوتين حقيقيتين ليس بينهما الفلول، هذا الأمر يفرض على القوى السياسية واقعًا جديدًا يجعلها جاهزة لاستلام السلطة وإدارة الدولة.

 

 

وهذا ما دفع الإخوان إلى استباق الأحداث، بتقديمها تنازلات في مسودة الدستور لصالح القوات المسلحة، بالرغم من أن الإخوان تظاهروا سابقًا برفضهم تقديم أية تنازلات إلى الجيش؛ فالمسودة توضح إدراك الجماعة بأنها في حاجة إلى القوات المسلحة لتحقيق أجندتها في ظل الظروف الراهنة، وبالنظر إلى أن القضاة يحتجون على إجراءات الرئيس مرسي -مع رفض العديد منهم مراقبة الاستفتاء- فعلى الإخوان أن يعتمدوا على السلطات العسكرية لفتح مراكز الاقتراع وإدارة عملية التصويت، كما فعلوا بنجاح خمس مرات منذ اندلاع ثورتنا المجيدة في العام الماضي.

تم نسخ الرابط