رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

ما يحدث في مصر ليس وليد الصدفة، بل كان هناك الكثير من المؤشرات على قرب انفجار الأوضاع؛ فمن المعلوم لدينا أن أكثر من نصف المواطنين كانوا يعارضون السياسة التي ينتهجها الرئيس محمد مرسي وجماعته، وكانوا بانتظار اللحظة المناسبة للتعبير عن ذلك.

 

ومن المعروف كذلك، أن شرائح المجتمع المصري خاصة الفئة الشبابية، كانت ولا تزال تسعى لتحرير النظام السياسي من التبعية وحكم الفرد أو الحزب المستبد، والأمور لم تقف عند حد الجمود، وعدم التحرك نحو الديمقراطية، بل سارت نحو إعادة إنتاج النظام القديم من قِبل جماعة الإخوان.

جماعة الإخوان، التي حصل ممثلها في قصر الرئاسة على صلاحياته كاملة؛ التي تمكنه من توفير فرص عمل للعاطلين، والتأسيس لدولة ديمقراطية -على طريقته بالطبع- ورفع الحد الأدنى للأجور بما يوفر حياة كريمة لقطاع عريض من الشعب المصري، وإرجاع الأمن للشارع المصري والحد من الفوضى، وتحقيق جزء كبير من مطالب ثورة يناير.. إلخ، إلا أن الرئيس مرسي لا يستخدمها؛ بل لا يزال مستمرًا في البحث عن صلاحيات استثنائية تخدم «أهله وعشيرته»؛ وليس عموم المجتمع المغلوب على أمره.

*****

وتثبت جماعة الإخوان المسلمين يومًا بعد يوم عدم إيمانها بالرأي والرأي الآخر، والدليل على ذلك، أنها أرسلت بلطجيتها بالمئات إلى مدينة الإنتاج الإعلامي منذ عدة أشهر، حيث قاموا بالاعتداء على عدد من الإعلاميين لمجرد احتجاج الإعلاميين على استيلاء الإخوان على المراكز العليا في الصحافة القومية، وأرسلتهم مرة أخرى لمحاصرة المحكمة الدستورية العليا وإرهاب أعضائها، ولمهاجمة المعتصمين السلميين أمام قصر الاتحادية، وللمدينة الإعلامية أيضًا بحجة تطهير الإعلام.

الأمر الذي أدى إلى أن بدأت الجماعة في فقدان الكثير من مواقعها، ليس فقط في المدن الكبرى، بل في المناطق النائية والأطراف، وهي الساحات التي تمكنت من التحايل على مواطنيها تارة بالدين وأخرى بالأموال والمصالح، هذه المناطق والساحات تتخلخل الآن، الأمر الذي يوضح أن مواطنيها إذا لم ينضموا إلى بقية القوى السياسية، فسوف يبقون على الحياد؛ وفي الحقيقة، أعتبره حيادًا إيجابيًا سيدفع بهم عاجلاً أو آجلاً إلى مسار إسقاط حكم الإخوان.

كما يدفع التخبط الواضح في قرارات وإجراءات مكتب إرشاد الجماعة وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة ومؤسسة الرئاسة إلى حالة من التذمر الاجتماعي والمعيشي والثقافي، والسياسي أيضًا، والحقيقة المؤكدة، أن «الإخوان لا أمان لهم»، وجماعتهم تلعب لعبة المصالح المشتركة مع الطاغوت، والطاغوت هو الشيطان، وعند الإخوان هو «الآخر المخالف»؛ لأنهم يعتقدون أنهم ينفذون شرع الله، ومن يخالفهم فقد خالفه، وهذا هو شعار مؤسس الجماعة حسن البنا.

*****

إن القوى الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين تحارب الأمن والاستقرار في مصر بتمويل من الخارج، وتشوه صورة الدين، وتعمل على تغيير مضمونه، الذي أمرنا به رب العباد في كتابه القرآن الكريم إلى دين شكلي ومظهر عام؛ من أجل مكاسب سياسة لا جدوى منها.

لذا، فلا أعتقد أن الإخوان سينجحون في حكم مصر؛ لأن لهم مصالحهم الاقتصادية الخاصة، وهي تحتل أولوية بالنسبة لهم، وأذكر هنا دليلاً على ذلك حينما التقى مرسي بالمستثمرين، جلس إلى يمينه رجل الأعمال الإخواني حسن مالك، وقال: «من يريد شيئًا يتصل بالأخ حسن»، والأخ حسن لديه مصالح متشابكة مع خيرت الشاطر، ومصالح الاثنين متشابكة جدًا مع أموال الجماعة، وأموال الجماعة متشابكة جدًا مع التنظيم الدولي للإخوان، قصة عنقودية شديدة التعقيد همها الأول هو الثروة!

ومن يقترب أو يسمع منهم، يفهم تصرفات تلاميذهم في الكويت والخليج؛ فتلاميذهم المطيعون في الكويت كانوا خاتمًا في أيدي السلطة عندما انقلبت تلك السلطة رأسًا على عقب على الدستور، وجمّدت أغلب مواده وحلت مجلس الأمة، فنال إخوان الكويت من عطايا السلطة، وجمعوا ثروات وأموالاً يحسدهم عليها قارون.

*****

علاوة على ذلك، نلاحظ أن المفهوم الرئيسي للسُلطة عند الإخوان هو «الاستفراد بالدولة والعدوان على الحرية»، وهذا ما أدى إلى أن يدفع الإخوان المسلمين بالأمور إلى أبعد من مداها، وهذا النهج الذي يسير عليه الرئيس مرسي وينفذه لتثبيت السلطة وتعزيز المواقع السياسية والقانونية قديمة وحمقاء؛ لأن القوى السياسية المدنية وقادتها وشبابها لديهم برامج بديلة، وتوجهات لتغييرات جذرية في اتجاه المجتمع المدني والدولة الحديثة، والعدالة الاجتماعية بمعناها الواسع والعميق، وبالتالي لا وقت هنا لمفاوضات عرجاء وحمقاء مع مجموعات رجعية وعنصرية وإقصائية، ولا حاجة للتعاون معها نظرًا لأن التوجهات مختلفة تمامًا، والثقة منعدمة كليًا.

وهذا ما أدى إلى تسارع وتيرة الأحداث في مصر، والتي كانت متوقعة لعدة أسباب، من أهمها قلة خبرة الرئيس مرسي في العمل السياسي، وإدارة شؤون الدولة؛ فقد أكدت الأحداث الأخيرة أن مرسي أقدم على خطوة غير مدروسة، فضلاً عن أنه لم يحقق حتى الآن الكثير من وعوده الانتخابية، لهذا فهو مطالب الآن أكثر من أي وقت مضى، بإتقان فنّ المناورة والمراوغة، لكي يتمكن من تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، وعليه كذلك أن يكون مستعدًا للقادم من الأيام؛ لأن الأوضاع الاقتصادية تنذر باندلاع المزيد من الاضطرابات، وعليه أن لا يشغل نفسه بالبحث عن أعداء خارجيين، لكي يضمن التفاف الشعب حوله.

*****

أخيرًا وليس آخرًا، يجب على الرئيس محمد مرسي أن يبحث عن حل وسط، إن كان حقًا يعمل من أجل مصر وليس الجماعة؛ لأن الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع نصف المجتمع، ومع السلطة القضائية، يمكن أن يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، بالنسبة لمستقبله السياسي، وبالنسبة لأمن البلد واستقراره، والحوار هو الأرضية المناسبة حاليًا بالنسبة للرئاسة والمعارضة؛ لتبادل وجهات النظر وإيجاد المخرج المناسب من الأزمة الحالية، مع الأخذ في الاعتبار أن المعارضة ليست صفًا واحدًا.

وبالرغم من أن الرئيس لم يقدم التنازلات اللازمة، إلا أنه يتوجب على الجميع، الرئيس والمعارضة، أن يدركوا أولويات المرحلة، وهي قبل كل شيء مصلحة الشعب المصري، التي تستوجب من الجميع تقديم التنازلات لإيجاد المخرج المناسب من الأزمة.

 

تم نسخ الرابط