رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

عندما أطلقت قوات الأمن المصرية النار على المتظاهرين في ميدان التحرير لم يثر ذلك قلق الرأي العام العالمي كثيرًا، وعندما سحقت دبابات علي عبد الله صالح المدنيين في اليمن كان ذلك مجرد حدثٍ عابر ولم يحظ بأهمية تذكر، فلماذا استيقظت ضمائر الكثيرين فجأة للدفاع عن المعارضين للنظام السوري؟

 

من المعروف أن دوافع الاحتجاج في الدول الثلاث السابق ذكرها متقاربة، ولقد بدا للوهلة الأولى أن موجة الغضب الشعبي ستهدأ وقاربت على نهايتها، لكن ذلك لم يحدث، وما حدث هو العكس، فكلما زادت تنازلات النظام كلما ازدادت الاحتجاجات، وذلك لم يكن بسبب ازدياد أعداد المعارضين، وإنما لوجود جهات خارجية تتدخل في الشأن السوري الداخلي، وتسعى لتأجيج الأوضاع.

 

وتبين أن هناك مصالح تحرك الكثير من الدول لإضعاف سوريا، وما حماية الحقوق المدنية إلا ستار لتحقيق هذه الأهداف، والحديث يدور هنا تحديدًا عن دول حلف الناتو والسعودية وقطر وإسرائيل؛ ذلك أن استبعاد سوريا عن المشهد سوف ينعكس بشكل تلقائي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تحولت إلى فزاعة مرعبة في المنطقة، وبالتالي يجب أن تكون هي المستهدفة بعد سوريا، لهذا السبب تبرع السعوديون والقطريون للإنفاق بسخاء على معارضي الرئيس السوري بشار الأسد، والغرب ضغط بكل قواه لفرض عقوبات على سوريا؛ لإحكام الطوق على النظام.

 

*****

 

وبالقراءة المتعمقة في الشأن السوري، تبين لي أن روسيا والصين كانتا على حق عندما استخدمتا حق النقض «الفيتو» للحيلولة دون صدور قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات ضد سوريا، حيث إن الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف الناتو، استغلوا الحالة التي أوجدها الربيع العربي للتخلص من الأنظمة التي لا تروق لهم، ومن المعلوم أن النظام السوري لم يكن أبدًا مقبولاً لدى الغرب؛ بسبب علاقته الوثيقة بإيران، ولهذا كان النظام السوري على رأس الأنظمة التي ترغب واشنطن في إسقاطها، في إطار خطة تهدف لإحكام الخناق على إيران وزيادة عزلتها.

 

وبالبحث في أسباب التحالف «السوري - الإيراني»، نستنتج أن هذا التحالف ما هو إلا نتيجة طبيعية للفشل في إيجاد تسوية للنزاع «العربي - الإسرائيلي»، حيث إن الصراع المحتدم في منطقة الشرق الأوسط منذ عقود على درجة كبيرة من الخطورة، وغياب التسوية يمكن أن يوصل الأمور إلى نقطة حرجة، وذلك أن الفشل في حل هذه القضية هو تحديدًا ما دفع سوريا للبحث عن امتداد استراتيجي لها.

 

وما يحدث اليوم، يؤكد أهمية ما سبق وأن قرأته عن أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، كان قد قال بأنه سيفعل كل ما بوسعه لحشد الدعم؛ كي لا تقف سوريا منفردة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

 

*****

 

في السياق ذاته، نجد أن تركيا بعد أن فارقت حلمها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بدأت تُعد العُدة لتتزعم العالم الإسلامي، وتنشئ ما يشبه الإمبراطورية العثمانية الجديدة، وحتى تحقق هذا الهدف كان ضروريًا أن تعمل على إضعاف جارتها الإيرانية القوية؛ لذلك بدأت أنقرة بتسليح المعارضة السورية وبشكل علني، وقامت بأعمال استفزازية على حدودها مع سوريا، وفي حال استمرار الأوضاع على هذا المنوال قد يضطر الرئيس السوري بشار الأسد عاجلاً أم آجلاً للاستسلام، ولكن هل سيصبح العالم بعد ذلك أفضل؟.. أعتقد أنه كما هو الحال في عدد من الدول العربية، خاصة تلك التي عرفت بـ«دول الربيع العربي»، أن تنتقل السلطة مباشرة إلى أكثر القوى الإسلامية راديكالية.

 

وفيما يتعلق بموقف معظم الدول العربية من النظام السوري، أرى أنه ناجم عن تصاعد المواجهة بين المذهبين السني والشيعي، اللذين يعتبران الأكثر انتشارًا بين المسلمين، كذلك فإن موقف جامعة الدول العربية ينطلق من المخاوف من إقامة ما يعرف بـ«الهلال الشيعي»، الذي يضم كلاً من العراق وإيران وسوريا ولبنان.

 

*****

 

وفي الآونة الأخيرة، تصاعدت موجة التحذيرات من استخدام قوات الأسد للسلاح الكيمياوي مرة أخرى ضد الشعب السوري، وما إن أطلق البنتاجون إشارة البدء حتى خرج المحذرين والخائفين من استخدام المواد الكيمياوية والبيولوجية ضد أبناء سوريا، أو ضد الدول المجاورة أو وقوعه في أياٍد شريرة في النزاع القائم بسوريا، مؤكدين أنه سيغير المعطيات، ومن شأنه أيضًا أن يؤدي إلى تدخل دولي، باعتبار أن هذه السيناريوهات غير مقبولة من الأسرة الدولية، وأكدت الولايات المتحدة أنه «في حال استخدام أسلحة كيمياوية، فلن يفكر أحد مرتين من أجل الاتفاق والتحرك فورًا».

 

ومن الملاحظ، أن تلك الموجة من التحذيرات بدأت بعدما ذكر تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، أن قوات الأسد نقلت كميات من مكونات أسلحته الكيمياوية والبيولوجية من مكان إلى آخر داخل سوريا، وأن القوات الموالية للرئيس الأسد تنوي تجهيز المواد السامة لاستخدامها في معركتها من أجل فرض السيطرة على البلاد، ووقف تقدم المعارضة المسلحة.

 

ومن الواضح أن التحذيرات الأمريكية موجهة لطرفي النزاع في سوريا، ولكنها خصت الحكومة السورية بالتحذير؛ نظرًا لأن تقديرات كثيرة تشير إلى أن المعارضة في طريقها إلى تحقيق انتصار على الأرض، فدماء السوريين والعرب لا تعني الكثير بالنسبة لواشنطن عندما يتعلق الأمر بأمن إسرائيل، وللدلالة على ما أقول، أذكركم هنا بأن الولايات المتحدة لم تهبّ لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين عندما استخدم السلاح الكيمياوي ضد آلاف الأكراد وقتلهم في مجزرة حلبجة عام 1988، وظل بعدها لأكثر من 12 عامًا في الحكم، ومن ثمّ كرر استخدام الكيمياوي للبطش بانتفاضة العام 1991 في جنوب العراق.

 

*****

 

لا مفر من التأكيد بأن سيناريو التدخل العسكري الأمريكي إن تم، فهو نابع من مخاوف إمكانية استخدام السلاح الكيمياوي ضد إسرائيل، أو انهيار الأمن في منشآت تخزين الأسلحة الكيمياوية، أو تهريبها إلى القاعدة أو حزب الله أو حتى إلى طهران، وليس من أجل حماية الشعب السوري.

 

أخيرًا وليس آخرًا، فإن التنبؤ بما يمكن أن يحدث بالمنطقة في حال الإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد أمر في غاية الصعوبة، وآمل أن تعيد الدول التي عرضت مسودة قرار الإطاحة بالأسد على مجلس الأمن حساباتها قبل التفكير بإسقاط النظام السوري، فلقد رأينا بأعيننا العواقب الوخيمة التي جلبتها السياسات الطائشة والقرارات المتهورة التي اتخذتها بعض الأطراف في الصراع السوري على تلك المنطقة، من هنا يتوجب التصدي لمثل هذه السياسات، وإلا فإن المنطقة سوف تعاني مجددًا من الفوضى والحرب الأهلية.

 

تم نسخ الرابط