رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
بعد مرور أكثر من عامين على الحرب الدائرة في سوريا، أصبح الأمر أكثر تعقيدًا من الناحيتين السياسية والعسكرية على حد سواء؛ فقرار التدخل العسكري الذي لم يكن سهلاً مطلقًا أصبح يشكل تحديًا أكبر، وهذا التعقيد وعدم اليقين الذي يصاحبه يزيدان من صعوبة اتخاذ قرار بالتدخل العسكري في سوريا، ناهيك عن القيام به على النحو الصواب.
 
وأعتقد أن الوقت الراهن ليس هو الأفضل للتدخل، ولكن قد لا يكون هناك وقت أفضل؛ فسلوك نظام بشار الأسد أصبح أكثر سوءًا وفداحة، حيث نجده يعمل على زيادة العنف ضد المدنيين وليست لديه نية للتفاوض على رحيله عن المشهد، كما ينوي وحلفاؤه هزيمة المعارضة في ميادين المعركة وليس التفاوض من أجل نقل السلطة، وفي غضون ذلك زادت أهمية وقدرات العناصر المتطرفة داخل قوات المعارضة، كما تعمق المنحى الطائفي للحرب.
 
ويجب علينا ألا نغفل أن التدخل العسكري حدث بالفعل في سوريا؛ فقد كان للتدخل من جانب حلفاء النظام «إيران، حزب الله، روسيا» بالغ الأثر على الحرب، وساعد على حياة النظام ومواصلة القتال، وبدون هذا التدفق المستمر للدعم لكان النظام قد سقط على الأرجح، وبفضل هذا الدعم تمكن الأسد من الاستمرار في القتال، باستخدامه مستويات متزايدة من العنف. كما تدخلت قوى خارجية أيضًا إلى جانب المعارضة، بتوفيرها المال والسلاح والذخيرة وسماحها للمتطوعين بالانضمام إلى المعارضة، وقد حسنت هذه المساعدة بشكل ملحوظ من قدرات المعارضة على الاشتباك مع قوات الأسد، وقد ساعدت المعونات الخارجية على استمرارهم في خوض المعارك، بيد أن هذه المساعدات كانت بعيدة كل البعد عن أن تكون كافية لكسب الحرب.
 
واليوم، نجد أن روسيا تفاجأتنا بعرضها مبادرة تقضي بتخلي الأسد عن مخزونه من السلاح الكيمياوي، الذي كان ينكر وجوده أصلاً، هذه التطورات تمخضت عن العودة إلى مشروع التفاوض حول حل سلمي، كمية كبيرة من التطورات السياسية نتجت ليس فقط بسبب المذبحة الكيمياوية، بل في نظري إنه أيضًا نتيجة فشل الأسد في كسب الحرب، رغم المجهود العسكري الهائل الداعم له، كل ما حققه الأسد أنه استعاد بضع بلدات وما زالت معظم سوريا خارج سلطاته، وفي الوقت نفسه، ارتفع أداء التحالف «العربي والفرنسي والبريطاني» بدعم المعارضة سياسيًا وعسكريًا.
 
غير أن هناك تعقيدات لوجيستية وعملية عديدة تواجه ما طرحته المبادرة الروسية، من تسليم ترسانة الأسد الكيمياوية لمفتشين تابعين لمنظمة حظر الأسلحة الكيمياوية، وهذه التعقيدات لا تقف فقط عند حجم هذه الترسانة والمخزون الكيمياوي لدى النظام، الذي يُعد من المخزونات الكبرى دوليًا، ولكن في سياقات العملية الجيوسياسية ووقتها وحاجتها لإمكانيات مادية ومالية وبشرية كبيرة.
 
فهناك صعوبة في تدمير مخزونات الأسلحة الكيمياوية السورية وسط حرب أهلية، ولا يمكن القيام بهذا العمل تحت تهديد وابل من القذائف، فضلاً عن أن ذلك يتطلب، في أفضل الظروف، أعدادًا كبيرة جدًا من فرق العمل لضمان مراقبة كل موقع على مدار الساعة ومنع الدخول إليه، كما يُعتقد أن سوريا تمتلك ألف طن من الكيمياوي الموزع على 50 موقعًا مختلفًا في شتى أنحاء البلاد؛ وتقع غالبية هذه المواقع في مناطق خاضعة لسيطرة النظام، بينما تقع المواقع الأخرى في مناطق النزاع بين قوات النظام والمعارضة.
 
أضف إلى ذلك، أن عملية تأمين وتدمير أي مخزون من الأسلحة الكيمياوية ليست بالعملية السهلة أو السريعة، خصوصًا خلال الحروب، وإذا حاول فريق المفتشين الدوليين تدمير هذا المخزون في مواقعه، فإن هذه المهمة ستستغرق الكثير من الوقت وستكون محفوفة بالمخاطر، وتجدر الإشارة إلى أن نشر النظام الأمريكي الميداني لتفكيك العوامل الكيمياوية يستغرق 10 أيام ويستطيع تفكيك من 5 إلى 25 طنًا من العوامل الكيمياوية يوميًا، وذلك اعتمادًا على أنواع العوامل؛ لذا فإن تفكيك ألف طن من العوامل الكيمياوية في عشرات المواقع المنتشرة في شتى أنحاء سوريا التي تعيش حربًا أهلية، سيكون بمثابة مهمة عسكرية تستغرق شهورًا، وليس مهمة توكل لأي بعثة أممية، ونظرًا إلى القلق العميق والواسع النطاق على وضع القوات الغربية في سوريا، فإنه قد يتعذر وجود أي بلد أجنبي مستعد لتوفير القوات اللازمة لتنفيذ مثل هذه المهمة. وماديًا تبدو المسألة ضخمة بشكل كبير فقد تستغرق العملية سنوات وستكلف المليارات.
 
وهناك مخاوف إقليمية ودولية من تسرب أو تسريب هذه الترسانة لجماعات مسلحة مرتبطة بالنظام في سوريا حال سقوطه، وفي مقدمتها حزب الله، وبالرغم من وضع واشنطن وتركيا وإسرائيل والأردن جيوشها في حالة تأهب لمنع حدوث كارثة كيمياوية أو لمنع المعارضة المسلحة في بلادها من الحصول على الكيمياوي، ولمنع النظام نفسه من نقل الكيمياوي إلى حزب الله في لبنان، يظل الخطر الأكبر هو نقله لحزب الله الذي لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين من الوقت.
 
وبناءً على ما سبق؛ تبدو المبادرة الروسية، في ظاهرها، غير عملية إلى حد كبير، فحتى لو تعاون نظام الأسد مع مفتشي الأسلحة الكيمياوية وتم تحديد مواقع تلك الأسلحة، مع إمكانية الوصول إليها وسط حرب أهلية دائرة، مع محدودية سيطرة دمشق على المشهد، كل ذلك سيجعل هذه المهمة شبه مستحيلة، ناهيك عن أن سِجل الأسد يشير إلى أنه لن يتعاون في هذا الشأن؛ فقد أعاق الجهود المبذولة من قبل مفتشي الأسلحة النووية التابعين للأمم المتحدة إلى يومنا هذا، كما أنه تقاعس عن تسهيل وصول ممثلي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مواقع الأسلحة النووية السورية المشتبه بها، فمن المتوقع أن يبذل الأسد قصارى جهده للحفاظ على قدرات الأسلحة الكيمياوية التي تملكها سوريا، ومراوغة المفتشين.
 
وحتى لو نجحت المبادرة الروسية - متجاوزة بذلك كل التوقعات - في القضاء على مخازن الكيمياوي السوري، إلا أن لهذه المبادرة بصيغتها الحالية وصورتها غير المكتملة، احتمالاً ضئيلاً في التعامل مع التهديدات الاستراتيجية والإنسانية الأوسع نطاقًا الناشئة عن الصراع السوري، وحقيقة أن هذه المبادرة تلقى دعمًا سريعًا من حلفاء الأسد الرئيسيين «روسيا وإيران»؛ وهذا ما يشير إلى أن هؤلاء يرون أنها وسيلة لإنقاذ الأسد بدلاً من مساءلته ومحاسبته.
 
وفي حين أن التدخل العسكري ضرره أكثر بكثير من نفعه -سأذكر ذلك بالتفصيل في مقال آخر- إلا أنني أفضل توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد الأسد، وأرجو أن يكون واضحًا تمامًا أنني مع تغيير النظام في دمشق، فلا يقرأ معارض فقرة من هذا المقال ويتجاوز أخرى، وبالرغم من أن الضربة العسكرية لو نُفذت ما كانت ستغير النظام وإنما كانت ستوقع قتلى ودمارًا أكبر مما هو حاصل الآن فعليًا، إلا أن تأييدي -غير الكامل- لتوجيه ضربة عسكرية مبني على سببين رئيسيين يدعوان إلى التدخل لجانب المعارضة؛ أحدهما أخلاقي والآخر استراتيجي، فمن الناحية الأخلاقية، يجب على العالم أن يسعى لوضع نهاية لنظام مسؤول عن قتل وإصابة مئات الآلاف من السوريين، ولجوء ملايين آخرين، لقد مارس النظام حربًا غير محدودة ضد المدنيين السُنة وقام بنشر قواته التقليدية وغير النظامية واستخدم جميع الأسلحة والذخائر في ترسانته، بما في ذلك الأسلحة ذات الانفجار العالي والأسلحة الانشطارية والحارقة، ومؤخراً الأسلحة الكيمياوية، يجب أن تتوقف عمليات القتل العشوائي والتمثيل بالقتلى، كما يجب محاسبة المسؤولين عن وقوعها.
 
كذلك فإن التدخل هو أيضًا سليم من الناحية الاستراتيجية؛ إذ من بين النتائج التي يجب الحيلولة دون حدوثها هو الحد من نفوذ العناصر المتطرفة أثناء الصراع المسلح ضد النظام وفي وضع ما بعد الأسد، وبإمكان التدخل أن يضعف المتطرفين على حساب العناصر الأكثر اعتدالاً، في كل من الصراع ضد الأسد وخلال الصراع السياسي الذي سيحدث بعد رحيله، وعندئذ أيضًا قد يؤدي التدخل إلى التأثير على الصراع السياسي في مرحلة ما بعد الأسد، وهذا لا يعني أن تلك الجهات التي قدمت المساعدات سوف تتحكم في الوضع، لكن ستكون هناك على الأرجح فرصة للتأثير على مجريات الأمور.
 
أخيرًا وليس آخرًا -وبالرغم مما ذكرته آنفًا- أتوقع عودة طرح «الحل اليمني»؛ أي إخراج الأسد ورفاقه نهائيًا، وتكليف المؤسسات القائمة، وتحديدًا الجيش مع قيادات المعارضة العسكرية والسياسية بإدارة البلاد، وهذا خيار جيد ينتهي بإسقاط كل النظام تدريجيًا من دون انهيار البلاد، أما الخيار الأسوأ؛ هو في أن يهرب الأسد خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكن يستمر القتال ويتحول إلى حروب متعددة الأقطاب؛ «جيش حر، وقوى ثورية مستقلة، وتنظيمات القاعدة، وفصائل عراقية، وميليشيات طائفية مدعومة من إيران وغيرها»، فالمحافظة على المؤسسات تعني المحافظة على الدولة ووحدة البلاد وليس النظام، وتضمن الحصول على الدعم الدولي السياسي والعسكري والقانوني. والأهم من ذلك؛ هو ألا تفقد المعارضة المسلحة قضيتها أثناء تفاوض القوى الكبرى، وحتى تحقق ذلك عليها أن تُبقي مهمتها الرئيسة كسب الحرب ميدانيًا؛ لأن انتصاراتها هي التي ستضطر الفرقاء للقبول بها لاعبًا رئيسًا، ومن خلال مكاسب الأرض تستطيع توجيه مسار الحل السياسي، زمنًا وشكلاً.
تم نسخ الرابط