رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
إن وجود إشارات واضحة باستمرار التخطيط والاستعدادات للتدخل العسكري ضد النظام السوري، من الممكن أن تعزز عملية السعي إلى إيجاد حل دبلوماسي، وإقناع سوريا بالموافقة على تدمير ترسانتها من الأسلحة الكيمياوية.
 
وإذا ما قررت واشنطن مهاجمة سوريا، سواء لردع استخدام الأسلحة الكيمياوية أو ردًا على عرقلة النظام السوري لجهود نزع السلاح، فإن توجيه ضربات محدودة ضد أهداف تكتيكية من الأرجح أن لا يسفر إلا عن نتائج محدودة؛ فنظام بشار الأسد قد اعتاد على مواجهة الصعاب بعد أكثر من عامين من المواجهات الدموية والقتال المستميت، وبالتالي فإن شن ضربة محدودة ربما لن يُغير أي شيء في دمشق؛ وربما حتى قد يحد من مخاوف النظام حول قيام عمل عسكري غربي ضده؛ الأمر الذي سيشجع الأسد أكثر، ومن الممكن أيضًا أن توجيه ضربة عسكرية محدودة قد يستدعي تحديات أكبر من النظام السوري؛ الأمر الذي سيخلق حلقة مفرغة لا تنتهي من الاستفزازات وردود الأفعال.
 
وأرى أن هناك بعض الأشياء التي يتمكن التدخل العسكري من القيام بها -هو صحيح أنه لن يستطيع إصلاح سوريا بل على الشعب السوري أن يفعل ذلك- لكنه قد يحد من انهيار سوريا، ولن يستطيع إنهاء الحرب بين عشية وضحاها أو بشكل متقن، ولكن بإمكانه أن يُعجل من نهاية النظام الذي هو العنصر المركزي في الصراع، ولا يمكن للتدخل أيضًا أن يمنع أعمال الانتقام أو العنف الطائفي، لكن بإمكانه أن يقلل من احتمال وقوع هذه الأعمال ويعزز قدرات العناصر الأكثر اعتدالاً داخل المعارضة.
 
ومما لا شك فيه أن التدخل ينطوي على أضرار ومخاطر كثيرة، ومن بين الاحتمالات المؤكدة؛ وقوع خسائر في صفوف قوات التدخل، ومساعدة الجماعات الخطأ، وخروج المهمة عن أهدافها، وزيادة انخراط «حزب الله وإيران» في الصراع، ووقوع عواقب يُخشى منها دائمًا متمثلة في آلاف القتلى والجرحى في صفوف المدنيين الأبرياء من الشعب السوري، إلا أن مخاطر عدم القيام بأي شيء حقيقية هي الأخرى، وتشمل؛ فوز نظام الأسد، وانتصار التطرف، وحدوث فوضى تعم أرجاء المنطقة.
 
وأعتقد أن واشنطن وحلفاؤها سيلجأون إلى استخدام استراتيجية ووسائل ملائمة لإنجاح التدخل الخارجي، من خلال التركيز على إنهاء نظام الأسد ودعم العناصر المعتدلة داخل المعارضة المسلحة، والحد من تأثير العناصر الإسلامية المتطرفة، وتهيئة الظروف من أجل قيام سوريا مستقرة، وهذا يتطلب القيام بعمل عسكري مباشر ضد قدرات النظام والعمل غير المباشر لبناء القدرات القتالية للوحدات المعتدلة؛ حيث إن الجمع بين التدخل المباشر وغير المباشر يوفر أفضل الفرص لرؤية نهاية سريعة للنظام، وتحقيق نتيجة إيجابية داخل سوريا.
 
ولمن لا يعلم؛ فإن الولايات المتحدة تمتلك حاليًا أربع مدمرات قبالة السواحل السورية، وربما غواصة أو غواصتين؛ ومن الممكن أن تقوم هذه السفن مجتمعة بإطلاق 150-400 صاروخ من طراز «توماهوك»، كما أنه من الممكن لهذه الترسانة الصغيرة نسبيًا أن تحد من وقع تأثير العملية؛ نظرًا لأن بعض الأهداف السورية تتطلب ضربات متعددة، وصواريخ «توماهوك» ليست مفيدة إلى حد كبير في التعاطي مع معدات محصنة أو مدفونة أو قابلة للنقل، ولن يتم ضرب العديد من الأهداف الهامة في هجوم بهذه الصواريخ. ولهذا السبب، إذا ما تم التوصل في النهاية إلى توجيه ضربة عسكرية، فإن واشنطن ستستعين بطائرات وقاذفات هجوم ذات تحكم بشري؛ حتي تتمكن من أن تضرب أهدافًا لا تستطيع صواريخ «توماهوك» الوصول إليها، وسيتطلب ذلك توجيه ضربة أكثر توسعًا؛ فمن الضروري تدمير عناصر الدفاعات الجوية السورية قبل أن يتم الدفع بالطائرات القاذفة الأمريكية.
 
وتضع الإدارة الأمريكية في حسبانها، أنه من المرجح أن يقوم النظام السوري بإجراءات دفاعية؛ مثل إخلاء ميادين المعارك ونقل مخزونات الأسلحة الكيمياوية بشكل متكرر، مما يجعل من الصعب للغاية العثور عليها واستهدافها دون غطاء جوي أمريكي كامل، وبالإضافة إلى ذلك، يرجح أن يتم إحباط الجهود المبذولة لتدمير معظم أو جميع أنظمة تسليم الأسلحة الكيمياوية التابعة للنظام باستخدام الأعداد الكبيرة من قطع المدفعية وقاذفات الصواريخ والقذائف وسلاح الجو في سوريا، والتي تشكل في مجملها مجموعة أهداف معقدة جدًا وموزعة توزيعًا جغرافيًا.
 
وكما ذكرت في مقال سابق، أنه لن يكون بمقدور الولايات المتحدة القضاء على قدرات الأسلحة الكيمياوية لنظام الأسد، لذا أؤكد أنها ستلجأ إلى الاستهداف القسري الذي يُقصد منه ردع الاستخدام المستقبلي للأسلحة الكيمياوية، ومن الممكن أن تسعى واشنطن إلى اختيار أهداف يترتب على تدميرها أثر نفسي كبير على النظام؛ بحيث يغيّر من حساباته من ناحية المكاسب والخسارة، وهذا يعني الاستهداف بالانتقام المباشر من أكثر وحدات النظام ولاءً وقدرة وهما «الحرس الجمهوري» والفرقة المدرعة الرابعة، اللتان غالبًا ما قادتا العمليات التي استهدفت المعارضة وتورطتا بشكل كبير في استخدام الأسلحة الكيمياوية، وذلك بتوجيه ضربات متكررة، كما قد تشمل الأهداف المحددة مقرات الفرق العسكرية وأماكن المركبات العسكرية، وأنظمة توصيل الأسلحة الكيمياوية. وسيكون من الصعب جدًا الهجوم على مجموعة أهداف متفرقة، كما تبدو شبكة الدفاع الجوي السوري قوية من الناحية النظرية وتقدم درجة كبيرة من الحماية.
 
وبالرغم من أن واشنطن فقدت عنصر المفاجأة الاستراتيجية، إلا أنني أظن أن طائراتها المقاتلة من «الجيل الرابع» وغيرها من مصادر القوة الأخرى تستطيع أن تحقق تفوقًا جويًا داخليًا، وتدمر الدفاعات الجوية لنظام الأسد، وتعترض طريق القوات الميدانية وأنظمة الأسلحة الكيمياوية في المناطق المحددة، فضلاً عن استهدافها للصواريخ الفردية وقاذفات الصواريخ والمركبات والمخازن والمستودعات على نطاقات ممتدة خارج حدود مناطق الاشتباك، وبطبيعة الحال، لا يمكن استبعاد إمكانية حدوث أي أضرار جانبية وسقوط ضحايا بين المدنيين؛ نظرًا لأن بعض عناصر الفرقة المدرعة الرابعة تتمركز في المناطق الحضرية على مشارف ضواحي دمشق. ومن الممكن أيضًا أن تركز واشنطن على إصابة النظام السوري من خلال توجيه ضربات حاسمة لإحدى الوحدات الأكثر أهمية بالنسبة للأسد، وهي اللواء «155» الكائن في وسط دمشق والذي يقوده ماهر الأسد.
 
وإذا كانت الإدارة الأمريكية على استعداد لتوسيع قائمة أهدافها في سوريا، فمن المتوقع أن تستهدف الجنود وتعمل على إلحاق خسائر كبيرة في صفوفهم؛ لأن تعويض جنود موالين وملتزمين وذوي خبرة يبدو أصعب بكثير من تعويض آلات الحرب، وكذلك استهداف المعدات التي تؤثر بصورة بالغة في قدرة النظام على البقاء والاستمرار في المعركة، والتي لن يتم الاستعاضة عنها بسهولة، كما ستوجه ضربات لبعض الأهداف الرمزية المرتبطة بالهجمات التي يشنها النظام ضد المدنيين، لاسيما مقرات استخبارات القوات الجوية والقواعد الجوية العسكرية، ووحدات «الجيش الشعبي» الجديدة، التي تمولها «إيران» ويدربها «حزب الله»، ومن الممكن أيضًا أن تستهدف أنظمة الدفاع الجوي المتنوعة ومرافق الاتصالات الآمنة؛ حتى تجعل الهجمات المتتابعة أقل خطورة بالنسبة للقوات الأمريكية.
 
من جانب آخر، ستجد القوات الأمريكية صعوبة أيضًا في ضرب الأهداف السورية بالغة الأهمية في ظل الظروف الحالية، ومنها أن واشنطن أعطت النظام السوري الوقت الكافي لإخلاء مقراته وتوزيع قواته، إلا أن هناك طريقة واحدة من شأنها التصدي لمثل هذه التكتيكات؛ وهي تشجيع المعارضة على شن هجوم واسع عشية الضربة الأمريكية إذا ما اتخذ مثل هذا القرار، وقد يجبر ذلك الأسد على تركيز قواته لمواجهة الهجوم، وبالتالي تتمكن القوة الجوية الأمريكية والقذائف من تحقيق أهداف مربحة.
 
وإضافة إلى ما سبق، أرى أن التدخل العسكري سيكون أكثر فعالية إذا كان مصحوبًا بالجهود الدبلوماسية؛ لإخراج الفاعلين الخارجيين المساعدين للنظام السوري من المشهد، وإذا ما تم ذلك، فإن واشنطن ستعمل على أن تستطلع عما إذا كان بإمكان استخدام العملية الدبلوماسية لدق «إسفين» بين موسكو ودمشق، إذا نقضت الأخيرة التزاماتها لتدمير أسلحتها الكيمياوية، وعند وضع كافة هذه الأمور في الاعتبار، فإن الخوف من فقدان الأسد أكثر حلفائه أهمية ربما يكون له أثر كبير على حساباته من ناحية المكسب والخسارة؛ بحيث تضاهي خوفه من العمل العسكري.
 
 
وفي الوقت نفسه، فإن الفشل في تحقيق هذا الجزء من السياسة بصورة صحيحة قد يقلل من آفاق الحل الدبلوماسي، ويزيد من فرص أن تقود الضربة العسكرية إلى حدوث المزيد من التورط العسكري المكثف الذي لا نهاية له، والذي تحاول الإدارة الأمريكية تجنبه، وفي كلتا الحالتين، لا يبدو في الأفق مخرج سهل من هذه الأزمة التي تواجه باراك أوباما الآن في سوريا.

 
تم نسخ الرابط