رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

تشير جميع المؤشرات القادمة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية - حتى من المرشد الأعلى علي خامنئي - إلى أن طهران تكثف جهودها في محاولة جديدة للتوصل إلى حل لأزمة برنامجها النووي، وإذا تعذّر القيام بذلك خلال الأشهر القليلة المقبلة، فسوف يصعب رؤية فرصة أخرى تكون فيها الفرص جيدة بهذا القدر مرة أخرى.
 
ومع ذلك، فإن التشكيك في قدرة الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني، على إنجاز اتفاق له ما يبرره بكل تأكيد؛ فالرؤساء الإيرانيون يمتلكون صلاحيات أقل بكثير - وخاصة في الشؤون الخارجية والأمن - من تلك التي يمتلكها المرشد الأعلى خامنئي، ومما لا شك فيه كذلك أن تصريحات خامنئي العلانية الأخيرة لا يزال يكتنفها الريبة والشك والعداء تجاه الغرب.
 
وفي الوقت نفسه، منذ توليه منصبه شنّ روحاني حملة علاقات عامة هجومية موجهة إلى الغرب والإصلاحيين في بلاده، وجاء آخر وابل من الهجوم حينما قال إنه يتمتع بكامل الصلاحيات لإبرام اتفاق نووي مع الغرب، وقد تبادل أيضًا رسائل في الآونة الأخيرة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما، وأشرف على الإفراج عن 11 معتقلاً سياسيًا، وحذر فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني من التورط في الساحة السياسية، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنه سوف تكون لدى روحاني احتمالية تحويل هذا الذوبان في العلاقات إلى فرصة دبلوماسية تفاوضية حقيقية وليست فرصة تقارب.
 
كما ستكون خطوة ذكية من جانب خامنئي، أن يبعث روحاني لمعرفة نوع الاتفاق النووي الذي يمكن أن يحصل عليه من الولايات المتحدة، ومن وجهة نظر خامنئي، فإن ذلك السيناريو سوف يحقق الفوز للجميع: فإذا استطاع رئيسه إنجاز اتفاق جيد يحفظ الخيارات النووية لإيران، فإن ذلك أمرًا لا بأس به. وإذا تعذّر التوصل إلى اتفاق، فسوف تكون إيران قد كسبت أشهرًا عديدة يمكن أن يتقدم خلالها برنامجها النووي.
 
وتجدر الإشارة هنا إلى أن روحاني كان قد أعلن أثناء ترشحه للرئاسة، أن سياسته هدفها رفع العقوبات الدولية وإنهاء عزلة إيران، وتعهده بأن بلاده لن تسعى «أبدًا» لامتلاك سلاح نووي مع تعهده بشفافية كبيرة في البرنامج النووي الإيراني، وهو الآن بدأ ينفذ فعلاً ما وعد به، وبدأ عهده بحملة علاقات عامة فاجأت الشرق والغرب.
 
وفي نظري، فإن هناك عقبة تكمن في أن هذا لا يناسب دعاة الحرب، مثل السناتور جون ماكين الذي يرفض أي اتفاق مع إيران لا يشمل استسلامها من دون قتال، وشريكه السناتور لندسي جراهام، الذي أعلن في اجتماع لأنصار إسرائيل أنه سيعرض مشروع قرار على مجلس الشيوخ يعطي الرئيس صلاحية إعلان حرب على إيران من دون الرجوع إلى الكونجرس، «جراهام» يريد حربًا تدمر المنشآت النووية والقدرة العسكرية الإيرانية، حتى لا تستطيع الرد على الضربة هي وحلفاؤها. وأؤكد هنا أن هذا موقف إسرائيلي خالص وراءه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، الذي أعلن صراحة أنه لا يكتفي بوقف البرنامج النووي الإيراني، بل يريد إلغاءه، فهو اشترط مقابل رفع العقوبات أن تدمر إيران المنشآت النووية، ووقف تخصيب اليورانيوم، والتخلص من اليورانيوم المخصب الموجود، أي تصديره وبيعه، ووقف إنتاج قنبلة نووية.
 
ولمن لا يعلم، فإن إسرائيل تملك ترسانة نووية، وتريد أن تهيمن على المنطقة «تدمير السلاح الكيمياوي السوري جزء من هذه الخطة»، في الوقت ذاته، نلاحظ أن إيران تصر على استمرار البرنامج النووي بتخصيب محدود لإنتاج الكهرباء، بينما تسيطر إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، فلا أعرف هل تنجح السياسة الخارجية الإيرانية الجديدة، ولكن أقول إن الأقربون أولى بالمعروف، وواجب طهران قبل أن تمد يدها إلى حلفاء إسرائيل أن تبدأ بتحسين العلاقات مع جاراتها من الدول العربية.
 
ومع استئناف المباحثات بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران حول برنامجها النووي، بعد أن دارت الاجتماعات السابقة في حلقة مفرغة دون التوصل إلى حل يذكر، وحتى يكون استقراؤنا لنتائج تلك المباحثات أكثر واقعية، فإنه يتوجب علينا العودة بالتاريخ للوراء قليلاً لنرى مطالب وتوجهات كلا الطرفين في المباحثات السابقة، ومدى تأثيرها على المباحثات الحالية، حيث تظل التباينات الجوهرية بين الطرفين سببًا رئيسيًا لعدم تحقيق نتائج ملموسة؛ ففي الوقت الذي تطالب فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران بالسماح لها بتفتيش موقع «بارشين» العسكري للاشتباه فيه، تأتي إيران لتعارض هذا الأمر بوصفه موقعًا عسكريًا ولا يحق للوكالة الدولية تفتيشه، وهذا التباين دفع بتلك المفاوضات إلى طريق واحد وهو الفشل.
 
وطبقًا لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن الانتقال من مرحلة امتلاك «قدرات نووية» إلى مرحلة امتلاك «سلاح نووي» قد لا يستغرق سوى بضعة أسابيع، بالنظر إلى ما لدى إيران بالفعل من كميات من اليورانيوم المخصب بدرجة 20%، يمكنها أن تحولها خلال أسبوعين فقط إلى 45 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بدرجة 90%، تتحول بدورها خلال شهرين كحد أقصى إلى 30 كيلوجرامًا من المواد المتفجرة، بينما تحتاج القنبلة إلى 28 كيلوجرامًا فقط.
 
ومازالت إيران تواصل تطوير برنامجها النووي؛ بحيث أصبحت تمتلك 1008 من أجهزة الطرد المركزي المتطورة، بزيادة تبلغ 698 جهازًا منذ شهر مايو الماضي، زيادة في عدد أجهزة الطرد نوع «أي آر-1» في مفاعل «نطنز»، بحيث أصبح عددها 15416 مقارنة مع 13555 قبل ثلاثة أشهر، وهذا ما دفع مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى تخفيف اللهجة المستخدمة مع إيران خلال الفترة الماضية؛ لإعطاء مساحة من التشجيع والتحفيز للحكومة الإيرانية الجديدة وتوجهاتها المعتدلة.
 
وأؤكد لكم أن إيران ستستمر بعملية تخصيب اليورانيوم في كل الظروف، وهو موقف حاسم لن تتنازل عنه، فليس من المعقول أن تُصر إيران لأكثر من 10 أعوام على هذه القضية وتأتي في يوم وليلة لتقرر وقف التخصيب؛ لذا فإن عملية تخصيب اليورانيوم ستستمر مهما كانت الظروف، وهو موقف حاسم لطهران لن تحيد عنه.
 
وبالرغم من أن هناك العديد من الرسائل القادمة من الجانب الإيراني تعطي مؤشرات إيجابية لما هو قادم في تلك المباحثات، فحسن روحاني أكد مرارًا سعيه إلى الانفتاح على الخارج إيمانًا منه بأن حل الإشكاليات في طهران، لا يمكن أن يكون بمعزل عن العلاقات الخارجية لإيران؛ لذا فإن خروج الملف النووي الإيراني من أروقة المجلس الأعلى للأمن القومي إلى أروقة وزارة الخارجية أمر يجده البعض مشجعًا، ولكن مهلاً، إن كنا نتحدث عن الشكل فهذا صحيح، أما فيما يتعلق بالمضمون، فتأثير سياسة النظام الإيراني والقوى المؤثرة فيها ستبقى كما هو عليه؛ فالثوابت الإيرانية في برنامجها النووي لا يزايد عليه أبدًا، وما يحكمها هو مصلحة النظام بعد استقراء الوضع الداخلي وكل من الإقليمي والدولي.
 
وهنا يأتي عامل الثقة ليلعب الدور الرئيس في حلحلة هذا الوضع، فطالما أن إيران ترى أن هذه الوكالة مسيّسة من قبل القوى الغربية، وطالما أن هذه الوكالة مستمرة في شكوكها فيما يتعلق بالبعد العسكري للبرنامج النووي الإيراني، سيظل الوضع يراوح مكانه، ويدفع بدوره المنطقة والمجتمع الدولي إلى حالة الانتظار والترقب لنتائج ملموسة تدفع بدورها واحدة من الإشكاليات في منطقة تسعى دولها ولاسيما دول الخليج العربي إلى تحقيق السلم الذي يكفل التنمية المستدامة وعلاقات حُسن الجوار بين دولها وشعوبها.
 
وفي الأثناء، أعتقد أننا جميعًا كعرب نحتاج إلى التركيز والتخطيط لنحدد من هم حلفاؤنا الاستراتيجيون، وما هي مصالحنا الثابتة، وأن الشرق الأوسط يستطيع أن يستوعب كل دول المنطقة بما فيها إيران، وأن ندرك أن المصالحة مع طهران هي مصلحة للجميع، وأننا يجب أن نسعى إليها أكثر مما يسعى إليها الأمريكيون، وأن نعمل على تشكيل جبهة من حلفاء لا تغيرهم مصالح ضيقة، وإنما يشاركوننا رؤية أننا «أمة»، هذا المصطلح العظيم الذي يسعى البعض إلى تدميره لرؤيته الضيقة على حساب مصلحة أكبر.
 
وعلينا أن نستغل حقيقة أن إيران لن تتحول إلى حليف لأمريكا حتى في حال إعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية بين البلدين، بل إن إيران ستستمر في اتباع سياسة خارجية مستقلة، الأمر الذي سيجعل من الصعب على الولايات المتحدة الحفاظ على ميزان القوى الإقليمي، خصوصًا في ظل أزمات العالم العربي العميقة الحالية؛ لذا، فإن المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين سيواجهون صعوبات جمة عندما يجلسون إلى مائدة المفاوضات.
 
 

ويجب علينا أن نلقي بقواعد «الاشتباك القديمة» التي سادت المنطقة بعيدًا عن طاولة التحليل السياسي المعاصر، وذلك بعدما تغير وضع المنطقة السياسي والأمني، كما يجب أن نلغي أن الصراع «الإيراني - العربي» حتمي، بعضنا يذهب بعيدًا فيضفي عليه سمة طائفية، متحدثًا عن صراع «سني - شيعي»، بينما مكان كل هذا ليس عالمنا السياسي المعاصر. إذن فإن السعي لتطبيع العلاقات مع إيران هو «سياسة حقيقية» مطلوبة لمصلحة المنطقة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة والغرب تغيروا وفقدوا سيطرتهم على العالم بشكل ملحوظ، ولا يصح أن نطلق عليهم «دولاً عظمى» كما كانوا في السابق؛ لذلك فإن عقد مصالحة «وليس صفقة» مع إيران بات ممكنًا أكثر من أي لحظة سياسية سبقت.

 

تم نسخ الرابط