بقلم : مصطفي الأسواني
يحتفل المصريون اليوم بذكرى مرور 40 عامًا على انتصار حرب أكتوبر 1973، المعركة التي حوّلت المشهد السياسي في الشرق الأوسط، وفي واقع الأمر، فإن البداية كانت في أعقاب حرب 1967، حيث رفض الشعب المصري والعربي الهزيمة، وحدد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر استراتيجية المرحلة كعملية استعداد للثأر والانتصار، فعكف على إعادة التنظيم وتقييم الموقف، وإنقاذ ما تبقى من الأوضاع في سيناء، والتشاور مع الأطراف المعنية لتوحيد الجهود، وإعادة البناء والتخطيط للجهد المستقبلي.
ويأتي احتفال المصريين وفرحتهم بذكرى انتصار حرب أكتوبر هذا العام ثلاثي الأبعاد، فالقوات المسلحة التي حررت سيناء من الاحتلال الإسرائيلي هي نفسها التي خلّصت مصر من جماعة الإخوان وهي التي تعمل على تطهريها من الإرهاب أيضًا. وأؤكد لكم أن الجيش المصري لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي أعمال تخريبية تمس أمنه واستقراره، وخلفه شعب عظيم يعشق تراب وطنه ولا يفرط فيه، وتلاحم الجيش والشعب هو الصخرة التي تتحطم عليها مؤامرات جماعة الإخوان وترد كيدهم إلى نحورهم، وبهذا سيكون 6 أكتوبر يومًا أسودًا عليهم وعلى من يضمر الشر لمصر.
وبالعودة إلى ما قبل حرب أكتوبر، برزت أهمية العمل السياسي العربي المشترك، الذي كثف جهوده للتوصل إلى حل سلمي، وكان الزعيم الراحل جمال عبد الناصر قد فوض الاتحاد السوفيتي على القيام بكل ما يراه مناسبًا في هذا المضمار، ووضع شرطين أساسيين لهذا التحرك؛ وهما ألا يطلب منا أحد أن نتفاوض مع إسرائيل بينما هي تحتل أراضينا؛ لأن ذلك يعني الإذعان لشروطها مقدمًا برهن الأراضي التي تحتلها، وأن لا يطلب منا أحد أن نتنازل عن أرض عربية؛ لأن ذلك يعني أن العدوان حقق أهدافه.
وكان احتلال إسرائيل للأراضي العربية قد حقق لها كل أحلامها التوسعية، بل حقق لها أهم جوانب أمنها، من وجهة نظرها، إذ توافرت لها حدود طبيعية وعمق استراتيجي كافيان إلى حدٍّ كبير. كذلك انتعش اقتصادها نتيجة لاستغلال الموارد العربية بالأراضي المحتلة، ووسعت دائرة حركتها التجارية مع الدول الأفريقية والآسيوية، وازدادت معدلات الهجرة إلى إسرائيل، وتضاعفت لها المساعدات الاقتصادية والعسكرية من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أصبحت حليفًا كاملاً لأمريكا، تساندها في تحقيق أهدافها ومصالحها بمنطقة الشرق الأوسط.
ونلاحظ أنه من مخاض الهزيمة كان الإصرار على الثأر والانتصار، وكانت خطة الشعب المصري تهدف لتوفير فرص مناسبة للجيش المصري لإعادة تنظيمه والقيام بمسؤوليته في الدفاع عن مصر واسترداد أراضيها، ولم يتوان الشعب في السعي لاسترداد أرضه المحتلة، وفي معرفة ومعالجة الأسباب الحقيقية للنكسة، وتحمل الشعب في سبيل ذلك الكثير، كما أمدّ قواته المسلحة بخيرة الشباب، الذي حقق طفرة علمية كبيرة نتيجة لاستيعابهم تكنولوجيا الأسلحة الحديثة، وإيمانهم بالتضحية في سبيل الوطن، وإطلاق فكره في التعامل مع العدو المحتل بأساليب علمية وابتكارات حديثة تحقق تفوق المقاتل المصري على المقاتل الإسرائيلي.
وفي الأثناء، تأكدت مصر من أن إسرائيل لا تريد السلام، ولكنها تريد أن تفرض إرادتها على العرب، وهي في مركز قوة، باحتلالها الأراضي العربية، وأنه لا أمل في تخليها طواعية عن هذه الأراضي أو عن أطماعها التوسعية، إلا إذا أدركت ولمست أن ما تدفعه من ثمن لا يتناسب مع ما تحتفظ به من مكاسب، كما أثبتت الأوضاع على الجبهة أن إسرائيل كانت مُصرة على صلفها وغرورها، بأعمال استفزازية ضد قيم الشعب المصري وشعوره ومبادئه، وأنها لم تلتزم في أي وقت بإيقاف إطلاق النار، بل إنها كانت توجـه نيرانها باستمرار ضد سكان مدن القناة، حتى يكونوا أداة ورهينة للضغط على القيادة السياسية.
وأعادت الحرب لمصر موضعها القيادي بين الدول العربية، رغم النكسات العسكرية التي حدثت، ولعل أهم نتيجة استراتيجية لحرب أكتوبر المجيدة، كانت تنفيذ الهدف الأساسي للرئيس السادات من هذه المعركة، وهي إنهاء حالة «اللا حرب واللا سلم» في الشرق الأوسط.
في الواقع، لن أتحدث في هذا المقال عن عظمة الجندي المصري في ساحة المعركة أو عن عبقرية القادة في إدارة دفة الحرب، بل سأتناول الموضوع من زاوية أخرى أركز فيها على العلاقة «المصرية الإسرائيلية» بعد هذا الانتصار المجيد، فلقد دشنت حرب أكتوبر مجموعة من الاتفاقيات بين القاهرة وتل أبيب، أفضت إلى التوصل إلى معاهدة سلام «بارد» في مارس عام 1979. واستمرت هذه الحالة من «السلام البارد» بالرغم من التحديات الإقليمية العديدة ورفض مصر تطبيع العلاقات بشكل كامل مع إسرائيل، وفي ظل البيئة الاستراتيجية الفوضوية التي نشأت بعد الإطاحة برئيسين مصريين أصبح من المهم تقييم سجل المعاهدة حتى الآن، فضلاً عن توقعاتها المستقبلية.
وكلنا يدرك أنه على مدى السنوات الأربعين الماضية سعت القاهرة إلى إدارة علاقاتها مع تل أبيب باستخدام صيغة تقييدية يُشار إليها في الغالب بمصطلح «السلام البارد»، وخلال حكم الرئيس الراحل أنور السادات، والسابق حسني مبارك، بدأ القطاع العام في مصر حملة مقاطعة شاملة، تمثلت في منع الشركات الإسرائيلية من الفوز بمناقصات، فيما فرضت العديد من النقابات ولجان مقاومة التطبيع قيودًا صارمة على تطور العلاقات الثنائية. والتزمت مصر بموقفها التقليدي «المناهض للصهيونية» مع حفاظها على السلام في الوقت نفسه.
كما أن الجهود الغربية لتوسيع نطاق الأشكال المختلفة للتعاون غير العسكري مُنيت دائمًا بالفشل، بما في ذلك الفكرة غير الواقعية بشكل واضح لجلب مياه النيل إلى إسرائيل، وخطة ربط الشبكات الكهربائية بين البلدين، والاتفاق من عام 2005 لتصدير الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل. وأذكر هنا أن المجال الوحيد الذي اكتسب زخمًا في وقت مبكر هو المساعدات الإسرائيلية في تحديث قطاع الزراعة المصري برعاية يوسف والي، والذي قد تم التخلي عنه تدريجيًا في وجه مشاعر قوية مناهضة لإسرائيل، كما تراجعت السياحة الإسرائيلية إلى مصر إلى حد كبير بعد سنوات قليلة من التوصل إلى السلام. فضلاً عن أن حجم التجارة السنوية لإسرائيل مع مصر لم يتجاوز قط 150 مليون دولار من الصادرات، ولكن النجاح الوحيد هو مبادرة «المناطق الصناعية المؤهلة»، التي توفر لمصانع مصرية في سبعة مواقع محددة امتيازات تصدير معفاة من الرسوم الجمركية إلى الولايات المتحدة، طالما أن منتجاتها تتضمن 10% على الأقل من المكونات المصنوعة في إسرائيل. وللعلم فقد نقلت العديد من مصانع النسيج الإسرائيلية الكبيرة خطوط إنتاجها إلى هذه المناطق، ويتجاوز دخلها الآن 1.5 مليار دولار سنويًا.
وبالرغم من أن اتفاقية السلام فشلت في تحقيق روابط اجتماعية واقتصادية أوثق بين البلدين، إلا أنها ظلت قائمة في ظل تحديات قوية عديدة، من بينها حربين في لبنان، وجولتين من القتال بين الاحتلال الإسرائيلي و«حماس» في قطاع غزة، وانتفاضتين فلسطينيتين، وسلسلة لا نهاية لها من الخلافات الثنائية.
ولمن لا يعلم، فإن هذه الاتفاقية أسهمت بشكل كبير في إبرام إسرائيل معاهدة سلام مع الأردن عام 1994، فضلاً عن البدء في المفاوضات السابقة مع الفلسطينيين «وخاصة اتفاق أوسلو الأول عام 1993، والذي ساعد على التوصل إليه من وراء الكواليس الدبلوماسي المصري طاهر شاش»، كما سهلت مصر بهدوء قيام علاقات إسرائيلية غير رسمية مع سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، وبعض دول الخليج العربي الأخرى. غير أن أسوأ ما حققته هذه المعاهدة - من وجهة نظري - هو التعاون العسكري والاستخباراتي الذي لا يتم الإعلان عنه في الغالب بين القاهرة وتل أبيب، ويعقد الضباط الإسرائيليون والمصريون في الوقت الحالي اجتماعات شبه يومية مع بعضهم البعض، ويأتي هذا التعاون بحجة أن هناك مصلحة مشتركة في القضاء على الفصائل الإرهابية التي ظهرت في سيناء خلال العقد الماضي، الأمر الذي يهدد كل من الحدود الإسرائيلية والسيطرة المصرية على شبه جزيرة سيناء.
ومنذ أن تولى رئيس الإخوان محمد مرسي، الحكم في مصر وبعد عزله إثر انتفاضة ملايين المصريين ضده، تُشارك القاهرة وتل أبيب في تفسير مماثل إلى حد ما لبيئتهما الاستراتيجية، بغض النظر عن خلافاتهما حول القضية الفلسطينية؛ فكلتا الحكومتين لا تشعران بالارتياح من سياسة الولايات المتحدة في المنطقة؛ وكلتاهما مهتمتان في تدعيم تعاون إسرائيلي أوثق مع الدول العربية السُنية من أجل موازنة إيران، وكلتاهما تعتبران أن جماعة الإخوان تشكل تهديدًا رئيسيًا لهما وتنظران إلى «حماس» باعتبارها الامتداد الفلسطيني لهذه الجماعة، كما أن كلتاهما قلقتان من الصعود المحتمل للمتطرفين الإسلاميين في سوريا، رغم الارتياح المشترك باحتمالية الإطاحة ببشار الأسد.
وبغض النظر عمن سيتم انتخابه رئيسًا لمصر في العام المقبل، فقد يكون راغبًا في تجاوز «السلام البارد»، الذي تمت صياغته من قبل «السادات ومبارك»، لا سيما في ضوء المشاعر القوية المناهضة لـ«حماس» المنتشرة في مصر حاليًا، وهنا أتوقع أن تتدخل الولايات المتحدة للحفاظ على المستويات الحالية من العلاقة «المصرية الإسرائيلية»، من خلال استمرارها في تقديم المساعدات للقاهرة، ما يساعد الرئيس المصري الجديد على تجاوز الدعوات العامة لاتباع «نهج ناصري» جديد يترتب عليه سياسات معادية لأمريكا وإسرائيل، وهذا ما يمثل فرصة جيدة أمام إسرائيل لاستمرار معاهدة السلام مع مصر في ظل الاضطرابات التي لا تزال قائمة في وادي النيل والشرق الأوسط.



