رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني
لقد قررت الابتعاد - مؤقتًا - عن الحديث في أمور السياسة؛ في محاولة مني للخروج من حالة السأم والقلق والخوف التي أعيشها وتعيشونها معي حزنًا على ما آلت إليه أحوال مصرنا الحبيبة على كافة الأصعدة، لذا فقد لجأت للهروب - كالعادة - إلى الحديث عن الحب؛ وأكتب اليوم عنه لأحتمي به، بالرغم من عدم معرفتنا الوافية الشافية عن ماهية الحب وحقيقته.
 
وحول الحب، يفاجئني كثير من الأشخاص بسؤالهم دائمًا «ما هو الحب؟!» أو «لماذا نخاف من الحب؟!»، وبالرغم من أن هذا النوع من الأسئلة أشبه بأن يسألك أحدهم «ما هو الطعام؟!»، ألن تستغرب إذا سألك أحد هذا السؤال؟.. إلا أنه إذا كان هناك شخصًا لم يتذوق أي شيء في حياته ويشعر وكأنه ميت من الجوع، في هذه الحالة سيكون سؤاله منطقيًا. وهذا ينطبق تمامًا على الحب؛ لأن الحب هو طعام الروح، والروح لم تأخذ حظها من الحب أبدًا؛ لهذا أنت لا تعرف ما هو طعمه، وبهذا يكون السؤال ليس غريبًا بالمرة.
 
وسأجيب في مقالي هذا - قدر المستطاع - عن التساؤل الأول «ما هو الحب؟!»، أما السؤال الثاني والمتعلق بـ«لماذا نخاف من الحب؟!» سأخصص له مقالاً آخر؛ لأتحدث فيه باستفاضة.
 
بداية، نلاحظ أن كل شخصًا يتخيل أنه يعرف الحب، ولكن في الحقيقة لا يوجد أحد يعرف الحب!! فهو من الموضوعات التي تكلم عنها الجميع، وهناك أشخاص كثيرون سعوا لكي يُعلنوا عن الحب وأن يُعرّفوا العالم عليه، ومع كل هذا يبقى الحب حدث مجهول، مع أنه يجب أن يكون حدثًا معروفًا جدًا للجميع. ودليلي على ذلك؛ هو أنه حين ولُدنا أتينا مع كامل قوانا الأساسية لنُحب ونَنحب، كل طفل يُولد وهو مليء بالحب ويعرف ما هو، أنت لست بحاجة لتُعلم الطفل الحب، المشكلة الحقيقية تكمن في أن الأم والأب لا يعرفان الحب - أنا لا ألقي اللوم عليهم، هم أيضًا ضحية كما أنت ضحيتهم؛ لأن أهلهم كانوا كذلك بطبيعتهم - وبعد كل هذا ننمو لنصبح نحن أيضًا آباءً أو أمهات ونحن نفقد الضرورة للحب. كل هذا المجتمع ولُد بشكل طبيعي ولكنه فقد الطبيعة في رحلة النمو، وهذا ما يحدث مع الحب.
 
ما ذكرته آنفًا يعني أنه حين تتعلم أي شيء فهذا يعني أنه آتٍ من الخارج وليس من النضج الداخلي، والحب يجب أن يكون نابعًا من النمو الداخلي إذا أردت أن يكون حقيقيًا. لا يمكنك أن تتعلم الحب أو تعلمه لغيرك، لا يمكنك أن تجعله شيئًا تقليديًا، إذا أصبح تقليدي لن يكون حبًا أبدًا، فهل تستوي الزهرة الحقيقية والاصطناعية؟.. الحـب ليس شيء تـتعلمه بـل هو نـضج ونمو، كـل ما تـحتاج إليه هو ليس أن تتـعلم كيف تحب؛ بل «ألا تتعلم أن تحب»، يجب أن يزول هذا المانع؛ يجب تخريب كل العواقب، هكذا يبقى الحب الذي هو طبيعتك.. وسيأتيك بلا ثمن.
 
الحب ينمو بالحب فقط، هذه هي القاعدة الأساسية التي يجب أن تتذكرها دائمًا؛ لأنه يحتاج إلى نفس الطاقة من حوله حتى يقوى بها، عندها لن تسأل أبدًا: «ما هو الحب؟».
 
وبالرغم مما سبق، فأنا لا أستطيع أن أشرح الحب؛ لأنه لا يوجد له شرح، إنه أحد الأشياء التي لا توصف، تمامًا مثل الولادة أو الموت أو التأمل، لا أستطيع أن أقول لك «هذا هو الحب» ومن خلال التجربة تستطيع أن تتعرف عليه، ولكني أستطيع أن أدلك على طريقة للتجربة؛ تتلخص في أنه يجب عليك ألا تبحث عن الشخص الكامل؛ لأنه يحتاج إلى نوعية خاصة من الحب التي لا تتناسب مع متطلباتك، وعليك أولاً إذا أردت أن يزدهر وينمو الحب أن تفهم الحب، وألا تبحث عن الكمال؛ لأن الحب لن يزدهر بهذه الطريقة بالعكس سيكون حقودًا، فالحب لا يتعلق بالآخرين، الشخص المحبّ يُحب بكل بساطة مثلما يعيش، إذا كنتَ محبًا ستُحب في أي مكان وزمان؛ لأن الحب سيكون البنية الطبيعية لك.
 
ولكن العجيب فينا، أنه إذا أحب رجلٌ امرأة أو أحبت امرأة رجلاً؛ تبرمجه في الحال! تبرمجه على أن يكون كاملاً؛ فقط لأنه يحبها، وكأنه ارتكب جريمة بهذا الحب، هكذا فجأة لمجرد أنه أحب هذه المرأة!! لذا، لا تبحث عن الكمال، إذا وجدتَ شخصًا يحبك فكن ممتنًا له، لا تحاول أن تبرمجه؛ لأنه لا يمكنك أن تجبر أحدًا على أن يحبك. إذا أحبك شخص، فهذه معجزة، إذن تمتع بها، وإذا أحببت شخصًا لا تبرمجه؛ لأنك هكذا تغلق الأبواب، لا تتوقع منه أي شيء، وإذا صادف وأن أعطاك ما توقعته فكن شاكرًا، وإلا فالحب لا يحتاج إلى دليل وبرهان.
 
ومن ثمَّ، فعليك ألا تفكر كيف تحصل على الحب، كن محبًا في البداية.
 
أكثر الناس يفكر كيف يمكنه أن يكون محبوبًا ويأخذ أكبر قدر من الحب، ولا أحد يفكر كيف سيكون إذا أحب؟! الكل يفكر بالحصول على الحب وليس بإعطائه، حتى المحبين يحبون حتى يحصلوا على الحب بالمقابل، أي أن الطرفان يفكران بالأخذ والعطاء والربح، في حين أن الحب ليس صفقة؛ إذن لا تحوله إلى ربح وخسارة لأنك ستفقد أي شيء جميل فيه، بهذه الطريقة ينمو الحب.. بالعطاء، ولا تنتظر ما سيعود عليك من جراء هذا الحب، بالتأكيد ستحصل على شيء بالمقابل وما تحصل عليه سيأتيك بألف طريقة طبيعية جدًا، سيأتي من تلقاء نفسه.. في البداية ستكون باردًا ومن ثمَّ تذوب وينهر نهر الحب في قلبك.
 
أخيرًا وليس آخرًا، أنا لا أستطيع أن أشرح الحب أو أصفه، لا أستطيع أن أحدّد لك وقت النمو، ولا أن أُعلّمك كيف تزرعه، أو ترويه، وكيف تحميه؟. لكنك أنت ستشعر بوجوده في يوم ما، هكذا ازدهر وأنت تشم رائحته وتشعر به في كل ما حولك، هكذا يحدث الحب في كل قلب.
تم نسخ الرابط