بقلم : مصطفي الأسواني
من بين الرسائل الكثيرة التي تصلني عبر البريد الإلكتروني، ما بين مدح وذم وثناء وسب، تعليقًا على ما أقوم بنشره من مقالات رأي وتحليل للسياسات المستقبلية للبلاد بموقع «بوابة روزاليوسف»، تلقيت رسالة من أحد القراء يحكي لي فيها قصة رائعة أعجبتني للغاية، ويطالبني من خلالها بالحديث عن مضمونها في مقال خاص.
واليوم، اخترت ألا أخيب ظن قارئي الكريم، وقررت أن أطرح عليكم مضمون الرسالة التي تلقيتها منه، ولكني سأعرضها عليكم بشيء من الإيجاز في صيغة تساؤل لتشاركوني البحث عن إجابة شافية، أو تعليل صريح مريح، وكان الله لنا عونًا.
القصة التي بعثها لي القارئ الكريم كانت عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وجاره اليهودي الذي يُلحق به الأذى ورسولنا الكريم يصبر عليه، وعندما مرض اليهودي زاره النبي فخجل اليهودي من أخلاقه، وعلى الفور اعتنق الإسلام.. عندما قرأت هذه القصة أدركت أن تصرفات وأخلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت هي مقياس الرجل اليهودي للإعجاب بالدين الإسلامي، ودخوله فيه حتى قبل أن يقرأ حرفًا واحدًا مما جاء في القرآن الكريم.
وفور أن فرغت من قراءة القصة التي تلقيتها وما ورد بها من أسئلة تبحث عن إجابة، لحظتها وجدتني أسأل نفسي أيضًا: «كيف يمكننا أن نُغري غير المسلمين اليوم لدخول الإسلام؟!»، دون أن نرهبهم بقولنا «إن غير المسلمين مصيرهم إلى النار».
ولفت انتباهي ما ذكره صاحب الرسالة قائلاً: «أرجو أن لا تغضبكم صراحتي، فأنا أحاول أن أفهم الإسلام على طريقة اليهودي الذي أسلم بسبب تصرفات النبي قبل كلام القرآن..»، حسبما قال.
ولا يخفى على أي منكم، أننا نجد المسلمون اليوم مذاهب متعددة، وكل مذهب يعتبر الآخر «كافرًا» ويهدر دمه.. ويمضي صديقي ويقول: «فلو أردت - كيهودي- دخول الإسلام، فهل أدخله من باب (السُنة) أم (الشيعة) أم المذاهب الأخرى؟ وأي منها أعيش فيه بسلام ولا يُحلل قتلي أنصار مذاهب الإسلام الأخرى؟!.. وسمعتكم تتحدثون بكلام مقدس للنبي محمد، بأن المسلمين سيتفرقون إلى (70) فرقة كلها سيعذبهم الله في النار باستثناء فرقة واحدة ستدخل الجنة.. فأنا أريد أن أعرف اسم هذه الفرقة؟!». وقبل أن أفكر في الرد على سؤاله، وجدته يبادر بالإجابة بنفسه قائلاً: «أعتقد أن كل فرقة تدّعي أنها هي المقصودة..»!!
وبالنظر إلى حال المسلمين اليوم، نجدهم يتقاتلون ويقاتلون بعضهم البعض في كل مكان، ويذبحون بعضهم البعض بطرق بشعة جدًا، فكيف يقتنع غير المسلم بدخول الإسلام إذا وجد المسلم يقتل أخاه بسبب الدين نفسه؟، بينما لا يمكن أن يسمع أحدكم بأن اليهود أو المسيحيين يقتلون بعضهم البعض بسبب الدين، بل على العكس نجد أن الاحتلال الإسرائيلي أقام دولته بسبب الدين.
وفي هذا الشأن، لن أذهب بعيدًا بل سأذكركم بالتقارير التي ترد إلينا ونقرأها بصورة شبه يومية عن عدد الأشخاص الذين تم قتلهم في سوريا خلال سنتين فقط بأيدي المسلمين سواء من النظام أم المعارضة، والذين تجاوز عددهم (100) ألف مسلم، وفي مقطع فيديو مسجل رأيت أحد مقاتلي المعارضة وهو يخرج قلب جندي ويأكله، فأي مسلم يأكل قلب أخيه المسلم؟!!
سأكتفي بهذا المثال، وأترك لكم التفكير والتأمل والتساؤل كيف يمكن لليهودي أو المسيحي أو لغير المسلم بصفة عامة أن يقتنع ويطمئن قلبه لدخول الإسلام إذا كان هذا حال دول المسلمين؟ مع إني كلي ثقة في أن ما يحدث ليس من تعاليم الإسلام في شيء؛ لأن جميع الأديان السماوية تدعو للسلام.
وبالعودة إلى محور موضوع اليوم، وهو نبينا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، نجد أنه كان قد دعا الناس للإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أنه صلى الله عليه وسلم أغراهم بالحرية والعدل والخلاص من الظلم والجهل والفقر؛ لذلك تبعه كثير من الناس، لكن اليوم عندما المسلمون يدعون غير المسلمين لدخول الإسلام بماذا يغرونهم؟! دعني أكون صريحًا وصادقًا معكم؛ فكثير من دولنا العربية والإسلامية يعمها الفقر والجهل والظلم، وانتهاكات حقوق الإنسان وتفتقر للتنمية والقوة الاقتصادية، ولولا ذلك لما قامت ثورات الربيع العربي التي نعيشها الآن، بينما الدول التي يديرها مسيحيون ويهود وغير مسلمين، ممن يعتبرهم البعض «كفار»، أصبحت هي من تُغري المسلمين للهجرة إليها والعمل أو العيش فيها، بل هي من تصنع للمسلمين حتى ملابسهم الداخلية.. وأرجو المعذرة، فليس القصد السخرية وإنما اعتراف ومصارحة بالواقع الذي يعيشه عالمنا المسلم اليوم.
واختتم صاحبي هذا رسالته قائلاً: «صحيح أنا يهودي، لكنني أحترم الإسلام وأجد فيما يحدثني عنه المسلمون دستورًا عظيمًا للحياة الإنسانية، وتمسكي بعقيدتي ليس كفرًا كما يعتقد البعض، فقد بعث لي أحد الأصدقاء بنص من القرآن يؤكد أنه لم يكفر أصحاب الأديان ويقول هذا النص: (ليسوا سواءً من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون)، صدق الله العظيم.. لذلك بدأت أقرأ دراسات عن القرآن وكل يوم تزداد حيرتي أكثر وأبقى أسأل نفسي: لماذا إذن العالم الإسلامي وصل إلى هذا الحال رغم أنه لديه دستور ديني رائع، ونبي عظيم كان يجعل اليهودي يتبعه بسلوك صغير قبل معرفة ما في القرآن، بينما اليوم ينظر غير المسلمين إلى المسلم بريبة وخوف؟!».. انتهت رسالة القارئ الكريم.
وأخيرًا وليس آخرًا، أرجو ممن لديه أي جواب شافٍ ووافٍ حول ما ورد في تفاصيل القصة والأسئلة التي طرحها، أن يبادر بالرد عن علمٍ ودراسة؛ حتى لا يشتت السائل أكثر مما هو فيه، ولكي يضع حدًا لحيرته.. والله يهدي من يشاء.



