رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 
عمّقت حالة انعدام الشفافية والاضطرابات السياسية والأمنية التي تعيشها مصر منذ انتصار ثورة 25 يناير في العام 2011، مشكلات الاقتصاد المتفاقمة نتيجة السياسات المتبعة في السنوات الأخيرة، ما أدى إلى تقلص الناتج الوطني الإجمالي بشكل ملحوظ، وتكبدت مصر خسائر فادحة في مجال السياحة الذي يشكل أحد أعمدة اقتصادها.
 
 
وإلى جانب العوامل الداخلية المؤثرة في انكماش النشاط الاقتصادي في مصر وعدد من دول ما يعرف بالربيع العربي، ثمة عوامل خارجية، فالعديد من اقتصادات العالم العربي على ارتباط وثيق بأوروبا، وقد أسفرت أزمة الاقتصاد بمنطقة اليورو عن تقلص الطلب على الخامات والمحاصيل الزراعية والمنتجات الصناعية المستوردة من الأقطار العربية، الأمر الذي سدد بالتالي ضربة إلى مصالح المنتجين العرب، وإلى ذلك أفضى الانكماش في أوروبا إلى تقلص الأموال النقدية التي يحولها الوافدون العرب، الذين يعملون في الأقطار الأوروبية إلى بلدانهم.
 
*****
 
ففي الشأن المصري، تبرز في وجه الرئيس محمد مرسي معضلة ضمان الحياة الكريمة لأكثر من 90 مليون مواطن، اضطر نحو عُشرهم إلى هجرة بلده بحثًا عن لقمة العيش، فنحو 42% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، و20% منهم يرزحون في فقر مدقع، ويصل حجم الديون الداخلية والخارجية إلى نحو 239 مليار دولار، أي ما يساوي حجم إجمالي الناتج المحلي، وبموجب حساب بسيط فإن نصيب المواطن المصري من الديون يصل إلى 2900 دولار، وتحتاج الحكومة إلى 50 مليون دولار لخدمة فوائد الديون المتراكمة، فضلاً عن أن الفساد ما زال ينخر في مؤسساتنا، وتصل كلفته السنوية إلى نحو خمسة مليارات دولار.
 
 
مقابل ذلك كله، نجد الرئيس مرسي بدلاً من أن يبحث عن حلول لتلك الأزمات، يسارع في إصدار قرارات ديكتاتورية انعكس واقعها السياسي على مؤشرات البورصة منذ اندلاع أزمة إعلانه الدستوري؛ فالأسهم الرئيسة من هبوط إلى هبوط، وسط ارتباك رسمي حول سبل معالجة هذه الأزمة الاقتصادية.
 
 
وزاد هذا الارتباك صندوق النقد الدولي، الذي أعلن وقف التفاوض مع الجانب المصري إلى أجل غير مسمى حول القرض المتفق عليه، ويقدر بـ4,8 مليار دولار، والذي يعتبره الرئيس وحكومته طوق نجاة لتخفيف آثار الوضع الحالي، غير أن الحكومة قد تضطر إلى البحث عن بدائل عاجلة لسد احتياجات الميزانية، كما أن الجنيه المصري لم يبق محايدًا في هذه الظروف؛ فقد انزلق إلى أدنى مستوى له في 8 سنوات.
 
*****
 
علاوة على ذلك، فإن الرئيس محمد مرسي لم يكن صريحًا فيما قاله بشأن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مصر، وأذكر هنا التضارب في الأرقام بين ما ذكره الرئيس مرسي في الاحتفال بذكرى انتصار حرب أكتوبر بإستاد القاهرة، ووزير المالية ورئيس الوزراء، حيث إن الرئيس مرسي ذكر أن عجز الميزانية 170 مليار جنيه، ورئيس الوزراء قال 175 مليار جنيه، والرقم على موقع الوزارة 151.9 مليار جنيه!!
 
 
ليس هذا فحسب، بل نجده أيضًا قد أشار إلى أن العجز المخطط في الموازنة حتى الآن 135 مليارًا، وغير محسوب فيها سداد أقساط الديون، وهي 93 مليارًا، ما يعني أن تصل إلى 228 مليارًا، وكذلك قال إن البنوك تقوم بإقراض الحكومة بنسبة 17%، وهو ما يعني أن هذا نصب من البنوك على الحكومة!!
 
 
وما أريد قوله، هو أن السياسات المالية الفاشلة للرئيس السابق حسني مبارك هي ذات السياسات المالية الفاشلة التي ينتهجها الرئيس مرسي، حيث إن استخدام قرض صندوق النقد الدولي سيكون بطريقة سيئة، وسيتم استخدامه ليس للإنتاج ولكن لتغطية مشكلات مالية فقط، والمسؤولية في ذلك تقع على الحكومة، ولا يمكن التنصل منها وسيتم محاسبة الرئيس مرسي على أداء الحكومة، فالمطلوب هو تغيير السياسات الاقتصادية؛ لأننا ما زلنا نعمل بسياسات مبارك الفاسدة.
 
******
 
لن أنكر أن طول الفترة الانتقالية والاضطرابات والاحتجاجات، وحالة الانفلات الأمني ساهمت في تراجع مؤشرات الاقتصاد وانخفاضها، ومن المتوقع مواصلة الانخفاض في العام الحالي، وتسبب ذلك أيضًا في زيادة البطالة بعد حملة التسريحات التي طالت كثيرًا من العاملين في قطاع السياحة -على سبيل المثال- الذي يؤمن وظائف لنحو 10% من السكان، وأدى عزوف السياح عن الذهاب إلى المنتجعات، وهروب الاستثمارات الأجنبية إلى تراجع حاد في حجم العملات الأجنبية.
 
 
وكان من الواجب على الرئيس مرسي منذ اليوم الأول لتنصيبه رئيسًا للبلاد، العمل على إيجاد حلول سريعة لمعالجة عجز الموازنة، مع مراعاة أن أي حلول تقشفية قد تؤدي إلى زيادة الاحتجاجات من شعب تعب كثيرًا جراء سياسات الرئيس السابق مبارك، غير أن تآكل الاحتياطات الأجنبية يُضيق من هامش المناورة عند الرئيس مرسي، كما أن رغبة الشعب في تحسن أوضاعه بسرعة، يضغط باتجاه تبني سياسات دعم لبعض الفئات والشرائح تساهم في تخفيف الاحتقان الحالي، لكنها يمكن أن تؤثر على السياسات بعيدة المدى، غير أن الرئيس مرسي فاجأ الجميع يوم الأحد 9 ديسمبر الجاري، بإصداره قرارًا يقضي بزيادة الضرائب على الدخل والمبيعات والدمغة والعقارات والضرائب النوعية وعدد من السلع والخدمات، في مقدمتها السجائر والكحول وبعض السلع الغذائية والماء والغاز الكهرباء والخدمات السياحية والاتصالات.
 
 
الغريب في ذلك القرار، أن الحكومة أكدت أن تلك التعديلات تأتي ضمن التزامات حكومية ببرنامج إصلاحي، تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر الماضي، لاقتراض 4.8 مليار دولار، وعلى ما يبدو أن الرئيس مرسي نسي أو تناسى أنه سبق وأن صرح بأن «القرض غير مشروط..!!».
 
*****
 
الحقيقة المؤكدة في هذا الأمر، هي أن الفقراء وحدهم هم الذين سيسددون فاتورة هذا القرض؛ من خلال إلغاء الدعم وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وفقًا لقرار الرئيس مرسي الذي أجله إلى حين الانتهاء من تمرير مشروع الدستور، حتى لا تحدث نتائج عكسية ليست في صالح مؤسسة الرئاسة وجماعة الإخوان المسلمين، ولا شك أنه لا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية التي طالبت بتحقيقها الجماهير أثناء الثورة من خلال إلغاء دعم السلع الأساسية.
 
 
والخلاصة أن السياسة الاقتصادية الجديدة يجب أن توازن في شكل دقيق بين الاقتصادي والاجتماعي، وتجمع بين الاقتصاد الحر والمخطط مركزيًا، ومعالجة مشكلات الفقر والبطالة في مصر أولاً.
 
 
ولديّ يقين بأن بناء مصر قوية هو ضمانة للأمن القومي العربي بصفة عامة، والمؤكد أن المصالح القومية تتعزز عبر سياسة تكامل اقتصادي أو على الأقل استغلال لإمكانات كل طرف في الوطن العربي؛ من أجل النهوض بأوضاع المنطقة كلها على جميع الأصعدة، والتاريخ أكد لنا أن مصر الغنية بالطاقات البشرية لديها الكثير لتقدمه.
تم نسخ الرابط