بقلم : مصطفي الأسواني

إن الانقسام في مصر ما زال موجودًا بعد المرحلة الأولى من عملية الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد، ولديّ يقين بأن لا تؤدي المرحلة الثانية من الاستفتاء إلى انفراج الأزمة السياسية في البلاد، بل قد تزداد الأمور تعقيدًا، خصوصًا لو تم بمقتضيات إقرار الدستور الإعداد لانتخاب مجلس الشعب الجديد؛ فمن الصعب إجراء الانتخابات البرلمانية على خلفية الاضطرابات الأمنية والخلافات بين مختلف الأحزاب السياسية في مصر.
بالإضافة إلى أن مشروع الدستور الجديد بدلاً من أن يوحد المصريين حول مستقبلهم الديمقراطي، سيزيد من الانقسام بين القوى الحاكمة والمعارضة، وفي حال لم تبحث اللجنة العليا للانتخابات الشكاوى المقدمة لها خلال المرحلة الأولى من الاستفتاء بنزاهة، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية، وأتمت المرحلة الثانية من الاستفتاء ولم تبحثها بجدية وشفافية، فإن الاستقطاب السياسي في الشارع المصري سيزداد، وليس من مصلحة النظام الحاكم أن يمر مشروع الدستور في هذه الأجواء المضطربة.
علاوة على أن مشروع الدستور المطروح للاستفتاء حاليًا لا يشمل توافقًا وطنيًا عامًا، لأنه ببساطة لا يمثل المصريين ولا يليق بمصر بعد ثورة 25 يناير؛ فمسودة الدستور تحتوي على مواد عاصفة بالحقوق والحريات، خاصة لحقوق الفقراء، الذين لا توجد لهم أي حماية ضد السياسات الاقتصادية في مشروع الدستور الجديد.
*****
أرى أن مشروع الدستور الجديد سيكون لغمًا ينسف أسس الدولة المصرية التعددية المعروفة عبر التاريخ، حيث إن دستور ما بعد الثورة المجيدة يكتبه ويفرضه على المجتمع أناس لم يساهموا في انطلاقة وانتصار ثورة 25 يناير، وكلنا يعلم أن الثورة في بدايتها كانت وطنية تعددية، ومعادية لسلطة الفاسدين وولاية رجال الدين، والمبادرون لها وقواها المحركة كانوا من الليبراليين واليساريين والنقابات، ومسيحيون ومسلمون أرادوا تطبيق الشعار الأصيل الذي طرحه الوطنيون المصريون منذ مطلع القرن العشرين، والالتزام بهدفه الرئيسي متمثلاً في تحويل مصر إلى دولة ديمقراطية يتساوى فيها الجميع، بغض النظر عن موقفهم من الدين، فالدين لله, والوطن للجميع.
وبالرغم من أن الذين ينتمون لتيار الإسلام السياسي لم يشاركوا في ثورة يناير المباركة، إلا أنهم استغلوا الأوضاع، وحصلوا على أغلبية المقاعد في البرلمان، والهيئة الدستورية، وأوصلوا إلى سدة الحكم أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، التي تسعى لتطبيق مشروعها الخاص لبناء الدولة المصرية على أساس «الشريعة» بالتعاون مع من يناصرونها من السلفيين والسلفيين الجهاديين؛ بما يمكنهم من السيطرة على مصر، من خلال إقرار مشروع الدستور الجديد.
ذلك الدستور اللقيط المفصّل على مقاس تيار الإسلام السياسي، والذي يؤسس لدولة الاستبداد الديني، ومن شاهد التصويت عليه ليلاً داخل الجمعية التأسيسية التي صاغته يدرك أنها عملية اغتصاب للسلطة والوطن في آن معًا، وليس حوارًا حول رشادتها، بل ويتمادى في ذلك المستشار محمود مكي، نائب الرئيس، قائلاً: إن «البقاء للأقوى»، وبعد مذبحة قصر الاتحادية، وبعد التفرقة حتى في دم المصريين بين شهيد وغير شهيد «قتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار» بحسب زعمهم، وبعد تهديدات المرشد وخيرت الشاطر بمذابح للمواطنين، فإن النوايا قد ظهرت؛ وهي فرض رؤية فصيل سياسي بعينه بالقوة على شعب بأكمله، وهي عملية مرفوضة برمتها، والمشاركة فيها هي موافقة على منطق القوة ولغة العنف وروح الاستعلاء الديني والعنصرية.
*****
وتشير كل الدلائل إلى أن بلدنا مصر تقف على عتبة ثورة جديدة، بسبب طبيعة سياسة الرئيس محمد مرسي منذ توليه الحكم، فقد ركز جميع أفرع السلطة بيده، وطرح الدستور الذي وضعه الإخوان والسلفيون -في الواقع- للاستفتاء، وهذا ما كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لكثير من المصريين، وشدة الاحتجاجات الآن دليل على قيام أخطر أزمة سياسية في مصر منذ ثورة يناير العظيمة.
إن الرئيس محمد مرسي الذي لم يعمل على حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة التي يعاني منها جُلّ شعب مصر، قام بأخونة الدولة؛ فوضع في المناصب الرئيسية أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذي هو أحد أبنائها، أو أناسًا قريبين منها، أما السلفيون فمارسوا الأسلمة من أسفل، فأقاموا الإدارات الشرعية في القرى وأحياء المدن، بينما الهيئة الدستورية التي يشكل الإسلاميون غالبيتها، عملت بدأب وإصرار على صوغ مشروع دستور يتضح منه مباشرة أن الدولة التي يجمِّع من ينتمون لتيار الإسلام السياسي أوصالها، ستكون دولة التمييز على أساس الموقف من الإسلام؛ بل الإسلام السلفي تحديدًا.
والدلالة على ذلك، أوردها نص المادة الثانية من مشروع الدستور، والتي تعد لغمًا يهدد حتى المسلمون من غير السلفيين، فالسؤال يكمن في المحتوى الذي ستتضمنه صيغة «الإسلام دين الدولة»، أعلم أنك ستتهمني بالكفر والإلحاد وما إلى غير ذلك من الصفات التي ألصقت زورًا بكثير من المسلمين المسالمين، بالرغم من علمك بأن الله وحده جلّ في علاه «عليم بذات الصدور»، لكنني أريدك أن تخبرني بما هو الإسلام المقصود بنص تلك المادة؟.. مع الأخذ في الاعتبار بأنه إذا كانت السيادة داخل الفصيل الذي سيتحكم بالدولة ستنتقل للسلفيين -الأمر الذي لا يمكن استبعاده- فسوف يقع التمييز حتى على المسلمين الصوفيين المنحرفين «من وجهة نظر السلفيين».
أظن أنك ما زلت مشككًا فيما أقول، إذًا دعني أعرض عليك بعض ما قدمه السلفيون بعد الثورة من الأمثلة على عدائهم للصوفية، بداية من تدمير مساجد الصوفية، إلى محاربة مفتي الجمهورية الدكتور علي جمعة، الذي يتهمه السلفيون بالجهل في شؤون الدين، ووصفوه بالمنافق والضال؛ لأنه يعتبر مرجعًا صوفيًا، ولا ينتقد المذهب الشيعي، لذا فإنه من المتوقع بعد إقرار مشروع الدستور أن يتفاقم هذا الصراع كثيرًا.
*****
وبالرغم من تأزم الأوضاع على كافة الأصعدة، إلا أن الرئيس محمد مرسي ومن ورائه «الجماعة» وحلفاؤهم من السلفيين ماضون في الاستفتاء «إما طوعًا وإما إكراهًا»، حيث إن جلسات الحوار التي انعقدت في قصر الرئاسة اقتصرت على المحازبين ومن يدور في فلكهم في ضوء حملة دعائية طاحنة، ما يدفع إلى أن مناصري الاستفتاء يخاطبون عواطف الناس وبطونهم؛ فحوالي ربع سكان بلدنا أميون وأكثر من هذه النسبة بكثير تحت خط الفقر، وعند محاولة القوات المسلحة أن تتدخل حَكمًا بين الفرقاء السياسيين، قام الرئيس ومن يشور عليه بإقصائها تمامًا.
من جهة ثانية، بقي الإصرار على تمرير مشروع الدستور الجديد بالاستفتاء بمن حضر من القضاة؛ لكسر دعوة الحسم القضائي بمقاطعة الإشراف على الاستفتاء، وحشد الإخوان ومن والاهم للترويج بمقولة «من ضدي فهو من فلول النظام السابق»، وللأسف فإنها هي اللغة ذاتها التي استخدمها الرئيس السابق حسني مبارك ضد معارضيه.
في السياق ذاته، نجد أن الإدارة الأمريكية برئاسة باراك أوباما، تقف حتى الآن بشكل فعّال مع الرئيس محمد مرسي ضد معارضيه من الأعضاء الغير منتمين إلى تيار الإسلام السياسي، فمنذ اندلاع الأزمة الحالية بعد اتفاق وقف إطلاق النار بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين في غزة -الذي نال الكثير من ثناء الولايات المتحدة لدور مصر- أصدرت الخارجية الأمريكية بيانين رئيسيين، الأول بعد إصدار الرئيس مرسي قراره بالسيطرة على مقاليد السلطة، والثاني بعد الموافقة المتسرعة على مسودة الدستور والإعلان عن الاستفتاء، وكلا القرارين أخرسا أي انتقاد لسياسة الرئيس في إدارة شؤون البلاد.
*****
وأخيرًا، فإنه من المرجح أن يسفر الاستفتاء عن نتيجة إيجابية بالنسبة لمن ينتمون لتيار لإسلام السياسي، وستحصل مصر على دستور جديد، لكن هل سيحميها من الانقسام؟ ويجمع بين الفرقاء السياسيين ويقضي على الانقسام المجتمعي القائم؟.. أؤكد لكم أن هذه النتيجة لن تكون بشكل من الأشكال دليلاً على إجماع المواطنين المصريين، بل سوف تعمق الانقسام والفوارق في المجتمع، وما لم يتم إيجاد مخرج من المأزق الدستوري الذي دفع الإخوان المسلمين البلاد إليه، فقد تسير مصر نحو حرب محتملة جدًا، يخوضها الجميع ضد الجميع، وهذا ما لا أتمناه.



