بقلم : حمدي الحسيني

عندما كانت صاحبة الجلالة تخوض معركة شرسة مع النظام السابق دفاعاً عن حرية وكرامة الوطن والمواطن، كانت بعض قوى الإسلام السياسى تغط فى سبات عميق، وبعضها الآخر منشغل بعقد الصفقات مقابل توفير الشرعية لنظام أفسد الحجر والبشر فى مصر.. وفى الوقت الذى كان يواجه أبناؤها السجن والمطاردة من زبانية أجهزة الأمن، كان بعض رموز تلك القوى تغازل النظام وتمتدحه على منابرها وفى فضائياتها تزلفاً وقرباً.. لذلك كشف الهجوم التترى على جريدة حزب الوفد وتهديد العديد من الصحف مؤخراً عن حقيقة أصحاب هذه الحناجر المتاجرة بالدين على حساب الوطن الجريح.
صحيح.. كان من بين أبناء صاحبة الجلالة فئة ضالة باعت ضمائرها بثمن بخس وقبلت أن تضلل الشعب وتدافع عن الفساد بل وتمهد لمشروع التوريث الذى كان بمثابة العار الذى لاحق المصريين فى السنوات الأخيرة.. لكن هؤلاء فى النهاية قلة لفظتهم المهنة وخرجوا من الأبواب الخلفية بعد أن جردتهم صحفهم من ورق التوت.. بعضهم أصبح ضيفاً دائماً على جهاز الكسب غير المشروع، أما أغلبهم فتوارى عن أعين الناس باعتباره رمزاً للخيانة والفساد وموالاة النظام بمنتهى التطرف.
كل من شارك فى الهجوم على صحيفة ومقر حزب الوفد سيظل يلاحقه الخزى فينضمون لصفوف خونة صاحبة الجلالة فكلاهما بلا ضمير وعدو للحرية ورمز للرجعية والتخلف.. الجريمة التى جمعتهما معاً هى: التضليل، والتزييف المتعمد والعمل ضد مصلحة هذا الوطن الذى نحيا تحت سمائه.. فالمشاركون فى الهجوم أعطوا لعقولهم وقلوبهم إجازة مفتوحة، ولم يحاولوا التفكير للحظة واحدة فى سبب العدوان على صحيفة وحرق وتدمير محتوياتها، فلم يفرقوا بين صالة التحرير وبين بيت الله.. المدهش أن تكبيراتهم كانت تدوى فى أرجاء حى الدقى بأكمله وكأنهم يخوضون غزوة ضد الكفار.. بسلوكهم الهمجى تساووا تماماً فى التبعية الفكرية والعقلية مثل رموز الفساد فى مهنة الصحافة الذين اشتروا الضلالة بالهدى وباعوا الوهم للمواطنين البسطاء، ونفذوا عن عمد حملات ممنهجة لتبييض وجه نظام جرف مصر وجرد شعبها من كرامته وحوَّل أغلبهم إلى معدمين يتقاذفهم للأسف مثلث الفقر والجهل والمرض.
الفريقان كانا تابعين، الأول تابع لشخصيات تُظهر غير ما تُبطن حيث تتمسح بالدين واللحى الطويلة كجسر للوصول لعقول شعب متدين بطبعه بينما تخفى هوسها بالسلطة وبريقها.. هذه الشخصيات وجدت فى هؤلاء الأتباع المنقادين ضالتها واستغلتهم أسوأ استغلال لتحقيق مآربها بزعم تطبيق شرع الله، والشرع منهم براء.. أما الفريق الثانى فقد كان أيضاً تابعاً لمبارك ونظامه الفاسد، وزع عليهم المناصب والأضواء والأموال وأغواهم بركوب طائرة الرئاسة والتجول فى ربوع العالم على نفقة دافعى الضرائب المعدمين، فكانوا السوط الذى يُلهب به ظهور المعارضين.
إن الذين هاجموا صحيفة الوفد لا يدركون أنهم مستخدمون، وأن صاحب الشعارات «الدينية» التى تحركهم ينظر إليهم على أنهم السلم الذى يصعد عليه إلى السلطة، ثم سرعان ما سيتخلص من هذا السلم بعد أن يتأكد من وصوله إلى أهدافه السياسية.. هذه هى لعبة السياسة التى أكدها التاريخ وأثبتتها تجربة الرئيس محمد مرسى فى التعامل مع ملف أزمة غزة، عندما جذب انتباه واشنطن وتل أبيب بتقديم خدمات تفوق ما كان يقوم به سابقه المخلوع فى بقاء الكيان الصهيونى وضمان أمنه وحماية المصالح الأمريكية فى المنطقة.. هل يتوقع أتباع زيد أو عبيد ممن يرفعون شعارات إسلامية رنانة أنه فى حال فرض سطوته على كرسى السلطة سوف يمحو إسرائيل من الوجود؟
إن الصحافة التى يستعدونها هذه الأيام ويستدعون ألقاباً من أعماق التاريخ لإلصاقها بالعاملين فيها، هى التى دافعت عن حريتهم وحقهم فى التمثيل السياسى بل المشاركة السياسية السلمية ورفضت محاكمتهم أمام محاكم استثنائية.. لا تثريب على الصحافة أنها كانت تنشر جرائم بعض الفصائل الجهادية التى استهدفت السياح الأجانب والآمنين الذين يحرم قتلهم شرع الله الذى يتمسحون فيه الآن!! وليس ذنب الصحفى أن يغطى ما جرى لهم من محاكمات مادامت كانت وفقاً للقانون وتمت فى المحاكم المصرية.. الأمر الذى لا يعرفه أغلب هؤلاء أن للرأى العام حقوقاً على كل من يعمل فى هذا المجال بأن يمده بالمعلومات وينقل له حقيقة ما يحدث فى مصر بصرف النظر إن كان حقاً أو باطلاً وفقاً للقاعدة التى تقول إن «ناقل الكفر ليس بكافر» فمهمة الصحافة الأولى هى التنوير وإجلاء الحقائق.
كانت طموحاتنا كبيرة فى أن نضع دستوراً يحقق طموحات المصريين فى غد أكثر إشراقاً يوحد ولا يقسم ويجمع ولا يفرق ينقلنا من الديكتاتورية العسكرية البغيضة إلى بر الديمقراطية الآمن، ثم يتيح لنا فرصة أن نتدرب على فن الاختلاف السلمى وأهمية التنوع وفضيلة النقاش الحر، بعيداً عن التخوين أو التكفير وشق الصف المصرى بشكل فج وغير مسبوق، لكن جاءت الريح بما لا تشتهى السفن.. وظهر لنا أن مشروع الدستور يستبدل ديكتاتوراً عسكرياً بديكتاتور دينى، كما تبين لنا أن هناك من يسعى إلى نشر الفتن والانقسامات فى المجتمع ويستغل البسطاء فى تحقيق مشروعاته الفئوية الضيقة، وكانت النتيجة الحتمية لهذا المسار الخاطئ ذلك التخبط فى القرارات والتمسك بالعناد غير المبرر والتى أضافت لنا إحباطاً على إحباط.. ضاعف من هذا الإحباط تلك الجيوش المُساقة التى تحاصر المحاكم وتعطل العدالة فى سابقة ليس لها مثيل فى العالم المتحضر، وكذلك إرهاب كل صوت حر يسعى إلى بناء مجتمع كريم يتحقق فيه شعار الثورة الخالد «عيش، حرية، عدالة اجتماعية».
لقد دفعت صاحبة الجلالة فاتورة استمرارها وتمسكها فى أداء رسالتها مرتين، الأولى طوال العقود الماضية، فالأنظمة الفاسدة السابقة التى أممت الصحف وصادرت الحريات كبلت وحاصرت العاملين فى بلاطها بعشرات القوانين التى تهدده بالسجن والتشريد لو حاول التمرد ومارس عمله بحرفية وأمانة، وكانت دائماً ما تستخدم أسلوب العصا والجزرة مع الصحفيين.
كما أن لدينا نماذج من الكفاح والنضال نفخر بها، أذكر على سبيل المثال الزميل المناضل عبد الحليم قنديل وغيره الذى تعرض للاختطاف على أيدى زبانية مبارك وتركه فى الصحراء عارياً بلا ملابس ليكون عبرة لمن يجرؤ على انتقاد مبارك وأسرته.. هل يذكر هؤلاء الذين هاجموا صحيفة الوفد واقعة ضرب وإهانة الراحل جمال بدوى فى طريق صلاح سالم عقاباً لعبارة «أصابت امرأة وأخطأ مبارك»؟
وبصرف النظر عن الدور السلبى الذى لعبه عدد من القيادات الصحفية الفاسدة الذين نظروا لمصالحهم الذاتية وأنكروا على باقى الشعب التحرر من العبودية، فإن الغالبية العظمى من الأسرة الصحفية يتمتعون بضمير حى ومستعدون للتضحية بأرواحهم من أجل تحرير هذا الوطن من أغلال الفساد والاستبداد.. ليس استشهاد الزميل الحسينى أبو ضيف ببعيد، كذلك زميلنا الراحل أحمد محمود الذى استهدفته رصاصة الغدر أثناء تصويره مظاهرات الغضب أثناء الثورة.. هذه مجرد نماذج قليلة من كثير للعطاء والتضحية من جانب فئة الصحفيين المستهدفين هذه الأيام بحملات تشويه منظمة من جانب قوى الإسلام السياسى التى اعتادت أن ترفع شعارات جوفاء فى حين يثبت الواقع يومياً أنهم يعملون عكسها.. فهم «يستخدمون» أتباعهم البسطاء الذين يحاولون إقناعهم بأننا لسنا سوى كهنة الفرعون هنا أدعوهم لقراءة التاريخ وفهمه إن كانوا يجيدون القراءة والفهم بعيداً عن أهوائهم ومخططاتهم الشخصية وانتماءاتهم الدينية.



