رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

 

لقد بات واضحًا أن الإدارة الأمريكية  لعبت الدور الرئيسي في تنحية حسني مبارك ونظامه عن سدة الحكم في مصر، وبضغطه الشديد والمتواصل على المجلس العسكري قد اهدت انتصار ثورة يناير المجيدة إلى جماعة الإخوان المسلمين، وبزعامة أوباما تم حسم الأمور وبسرعة لمصلحة محمد مرسي عندما سادت حالة من الضبابية بالنسبة لنتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة بينه وبين منافسه الفريق أحمدشفيق.

ومن الواضح أيضًا، أن واشنطن قد فوجئت بتخلي جماعة الإخوان المسلمين عن كل وعودهم، وبعودتهم السريعة إلى شموليتهما لمعروفة، وإلى عدم قبولهم بالآخرين كشركاء، وأنها فوجئت أيضًا بأن رهانها على هؤلاء هو رهان خاسر، وأن عليها أن تستبدل بأحصنتها وبسرعة أحصنةجديدة.

وعندما استشعرت جماعة الإخوان الخطر في تخلي الولايات المتحدة عنها، سارعت بإرسال الوفود الممثلة لها إلى أمريكا، في زيارتين فصلت بينهما سبعة أشهر؛ الأولى في أبريل الماضي وقام بها وفد رسمي من «الحرية والعدالة»، والثانية في ديسمبر الحالي، وقام بهاوفد رسمي من رئاسة الجمهورية، يتكون من مستشاري الرئيس للعلاقات الخارجية وللتعاون الاقتصادي الدولي، وتأتي تلك الزيارات في وقت يحتدم فيه الصراع داخل مصر.

*****

إن الهدف الذي يريد الإخوان تحقيقه من تلك الزيارات، هو إقناع الإدارة الأمريكية بأنهم ليسوا أعداءً للولايات المتحدة، وأن التعامل معهم ليس ممكنًا، فحسب، بل وضروري أيضًا، أما الأمريكيون فلا يملكون خيارًا سوى إعطاء الضوء الأخضر للإخوان المسلمين، نظراً لتوفر جميع الظروف لسيطرة الإخوان على مقاليد السلطة، وبالتالي تبقى المهمة الرئيسية لواشنطن متمثلة في إقناع الإسلاميين بعدم اتخاذ أية خطوات مفاجئة في السياسة الخارجية، والالتزام باتفاقية السلام مع الاحتلال الإسرائيلي.

وجميعنا يدرك أن هذا المطلب يمث لاختبارًا عصيبًا بالنسبة لقيادات الجماعة؛ ذلك أن قدرة الإخوان على المناورة أقل بكثير مما يتصوره البعض، ففي حال أظهرت الجماعة مشاعر الود تجاه الولايات المتحدة، أو في حال قدمت تنازلات واضحة للاحتلال الإسرائيلي، فهناك خشية من فقدانها لدعم المؤيدين من الإسلاميين المتشددين والسلفيين.

وفي الأثناء، نجد أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الأمور من ناحية مختلفة، خاصة وأن واشنطن تملكا للعب بورقة مساعدات عسكرية قوامها مليار ونصف المليار دولار سنويًا تقدمها لمصر، ولايرغب الرئيس محمد مرسي التفريط بها، فضلاً عن العلاقة الوطيدة التي تربط جماعة الإخوان والولايات المتحدة الأمريكية، والحب الأخوي الذي يجمع بينهما عبر التاريخ، ولنننسى أنه على مدار 64 عامًا هي عمر علاقات جمعت الإخوان المسلمين بالولايات المتحدة، ومنذ 1948 وحتى اليوم تأرجحت العلاقات لتشكل نمطًا غريبًا بين تنظيم كان حتى العام الماضي سريًا وغيرقانوني، وبين الدولة الأقوى عالميًا؛ وبالتحديد فيما يخص طريقة التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

وبالرغم من أن قضية الاحتلال الإسرائيلي، وتبعاتها، مازالت تمثل معضلة حقيقية بين الطرفين، إلا أن ذلك لم يمنع من التواصل السري أو غير المباشر بين الطرفين خلال العقود الماضية، ومنذ خمسينيات القرن الماضي تركزت علاقات الولايات المتحدة مع الإخوان حول محاربة الشيوعية، وكانت مباركة الإخوان المسلمين للجهود الأمريكية فيدعم كفاح المجاهدين المسلمين ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي ممثلة أعلى درجات التوافق بين الطرفين.

****

وبالقراءة المتأنية لما سبق، يتضح لنا أن ما يحدث في مصر ما هو إلا مر حلة أولى من الخطة التي أعدها الغرب للشرق الأوسط في المستقبل، حيث إن القوى الغربية اعتبرت ثورات الربيع العربي مجرد وسيلة بالنسبة لها من أجل تخطيط حرب أهلية واضطرابات داخلية في الشرق الأوسط، بهدف إشعال حالة صراع عامة في منطقة الشرق الأوسط،وتحقق ذلك بالفعل، والمرحلة الثانية سيتم فيها استغلالا لموقف المضطرب في المنطقة كركيزة للانطلاق نحو تحقيق أهداف أكثر طموحًا، في إيران، وسوريا، وحتى ضد مصالح روسيا والصين، إنها سلسلة طويلة من الأهداف بعيدة المدى التي تلعب فيها مصر دورًا رئيسيا في ظل سيطرة الإخوان على السلطة.

ومن الواضح أن الرئيس مرسي يقامر بمصر معتمدًا على دعم الغرب لنظامه، وأحد الأهداف الرئيسية لذلك هو الحفاظ على حالة الفوضى والاضطرابات الاجتماعية، فكلما كانت مصر مضطربة من داخلها، بدا ضعفها خارجيًا، حيث إن مصر ضعيفة تصب حتمًافي مصلحة القوى الغربية، ومايزيد الأوضاع سوءًا وجود عناصرمثل الإخوان المسلمين الذين يلعبون لعبة خطرة من مغازلة الغرب تحت سمع وبصر الشعب، والمقابل أن واشنطن لا تمانع صعودهم، ولارغبتهم في فرض تصوراتهم على الناس في هذه المرحلة المضطربة في الشرق الأوسط بصفة عامة.

وبالرجوع إلى التاريخ، نجد أن الإخوان مجرد أداة، ووسيلة تتحكم بها الولايات المتحدة، فهي مؤسسة إسلامية دولية ومنظمة سرية أقرب إلى التنظيمات الماسونية التي لا تعمل بشفافية، والمخابرات المركزية الأمريكية لها تعاملات مع الإخوان منذ أخرجتهم من مصر إلى السعودية في الخمسينات، ولهم علاقات من قبل ذلك مع المخابرات البريطانية في ظل حكم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، لذلك تشعر المخابرات الأمريكية أن لديهم كيانًا معروفًا في جماعة الإخوان المسلمين،ولذلك يصر البعض في واشنطن على صعود الإخوان، مايعني أن الربيع العربي الآن يدخل مرحلة شديدة الخطورة، ولم يعد مستبعدًا أن الرئيس مرسي وجماعته يسيرون في مصر على خطى الإمام الخميني في إيران، عندما ظل يتحدث عن الديمقراطية في الوقت الذي شكل فيه ديكتاتورية إسلامية في الحكم.

*****

وما دام أن مشكلة منطقتنا أنها بقيت راعيًا لصناعة «التابعين» لهيمنة القوى الغربية، التي أوصلتنا إلى أوضاع مزرية لم تعد تُطاق ولاتُحتمل، فإنه يجب عدم استغراب أن يحاول الإخوان المسلمين الاستحواذ على الربيع العربي في كل بلدانه التي وصل إليها،وفي مقدمتها مصر،وأن يستهدفوا القوى الديمقراطية والليبرالية الصاعدة، أكثر حتى من استهدافهم للأنظمة السابقة القديمة؛ ولهذا فإنه من المحتمل أن هذا الصراع الاجتماعي والسياسي المحتدم في مصر قد يستمر لفترة طويلة.

ومن المؤكد أن جموع الشعب المصري في الشوارع الآن يحتجون على من انتخبوهم بالفعل، يثورون على منوضعوهم بأنفسهم في مواقع السلطة، هذا الغضب الشعبي قد يكون مؤشرًا على أنهم لن يقبلوا تلك الانقلابات السلطوية التي جرت أمام أعينهم خلال فترة تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، إن غضب المحتجين هذه المرة يعني أنهم يشعرون بتعرضهم للخيانة والخداع،ووجدوا أخيراً القوة والإرادة لقلب ماحدث فيهم، بعد أن انزاحت الغشاوة من على أعينهم، ورأوا الخدعة ماثلة أمامهم.

 

تم نسخ الرابط