رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

 

تحرص الولايات المتحدة الأمريكية على عدم الظهور وكأنها تتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، إلا أنه لا يخفى علينا أنها لا تفوت فرصة إلا وتقوم بتوجيه النصائح لخلق الله في شتى بقاع الأرض، فكيف لا وهي الساهرة على تحقيق العدالة الاجتماعية والدفاع المستميت عن حقوق البشر أينما وجدوا؟!

ومن هنا فالإدارة الأمريكية برئاسة باراك اوباما، تحاول جاهدة أن يستمر مسلسل سفك الدماء والأرواح كل يوم لأجل الحرية والديمقراطية المبتغاة وفق منظورهم، كما لا تألو جهدًا في توفير الفرصة لجماعة الإخوان المسلمين لإحكام السيطرة على مقاليد السلطة في مصر، فضلاً عن الدول المحيطة بإسرائيل.

وبالرغم من الحب الأخوي الذي يجمع ما بين الإخوان المسلمين والولايات المتحدة، إلا أنهم لا يريدون الظهور وكأنهم مغرمين بأمريكا، ولا يريدون أن يبدوا كمن يتعامل معها، في حين أن واشنطن بدورها ليست مغرمة بالإسلام، وكانت في وقت سابق تطرح في نقاشاتها قضية ما إذا كان العدو الأول للولايات المتحدة هو الصين أم الإسلام؟، وهذا ما يفرض علينا أن نتساءل ما الجديد الذي دعا لتعاون الطرفان في صياغة مستقبل الشرق الأوسط؟

*****

إن الإخوان يريدون من الولايات المتحدة أن تمهد لهم طريق السلطة، وأن توفر لهم الدعم اللازم طوال فترة حكمهم للبلاد ورعايتهم للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، إذن فما الذي تريده واشنطن من هذا التعاون؟.. في حقيقة الأمر فإن أمريكا لا تمانع في صعود الإسلاميين للحكم في بلاد الربيع العربي عمومًا، فما يهمها من منطقة الشرق الأوسط هو ضمان مصالحها وحمايتها، وعلى رأس ذلك، ضمان أمن وسلامة إسرائيل وضمان مستقبلها، والتزام مصر باتفاقية السلام البارد معها.

أضف إلى ذلك، مقاومة التطرف الديني والإرهاب، الذي يقلق راحة الولايات المتحدة، ويهدد أمنها الداخلي والخارجي، والإسلاميون المعتدلون هم الأقدر على ذلك، وبالتالي فإن محاربة الإرهاب وتثبيت السلام العربي الإسرائيلي هي الأوراق التي يستطيع الإخوان المسلمين تقديمها لواشنطن ثمناً للسلطة، وعقب استنفاذ هذه الاوراق وجني ثمارها، ينتهي دور الإخوان في نظر أمريكا بعد أن يمارسوا السلطة ويظهر فشلهم في تقديم الحلول المطلوبة، وينفض الناس من حولهم ويسهل التخلص منهم كما تتخلص الولايات المتحدة من كل أصدقائها عندما تنتهي مهامهم.

وتسعى واشنطن أيضًا لضمان استمرار تدفق البترول إليها من منطقة الشرق الأوسط بالسعر الذي تحدده، وفي هذا الشأن أود أن أوضح لك أيها القارئ الكريم، بأن أمريكا تستورد 22% فقط من المواد البترولية من دول الخليج، ومثلها من إفريقيا؛ حيث إن الولايات المتحدة تستورد البترول الخام وتصدر المنتجات البترولية بعد تكرير البترول، كما أن بمقدورها أن تغطي حاجتها من المواد البترولية، ولكنها تفضل أن تحتفظ بما تنتجه في أراضيها لوقت الأزمات.

*****

والجائزة الكبرى التي ستحصل عليها الولايات المتحدة في ظل حكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر ودول المنطقة بصفة عامة، هي المملكة الأردنية الهاشمية، حيث إن سيطرة الإخوان على البرلمان والحكومة لن تضمن تثبيت معاهدات السلام العربي الإسرائيلي فقط، بل تؤمن أيضًا حلاً نهائيًا لمعضلة الاحتلال الإسرائيلي، عن طريق إقامة الوطن البديل، الذي تتبناه جماعة الإخوان المسلمين عمليًا وإن رفضته اسميًا.

ومن الدوافع الرئيسية لتأييد واشنطن لحكم الإخوان المسلمين في مصر، هو استمرار مبيعات صفقات الأسلحة الأمريكية والطائرات والسلع الاستراتيجية والأدوية للعالم العربي، ولضمان بيع الأسلحة فلابد من استمرار التوتر في المنطقة، التوتر بين الاحتلال الإسرائيلي والعرب يعمل على زيادة قوة وتسليح إسرائيل، كما أن زيادة التوتر بين إيران ودول الخليج يزيد من مبيعات الأسلحة للطرفين.

كما ارتأت الولايات المتحدة أيضًا أن تولي جماعة الإخوان الحكم في مصر ودول الربيع العربي قد يساعدها في حربها ضد الإرهاب، وأملها أن يفكك هذا تنظيم القاعدة، ودليلي على هذا، هو أن واشنطن نفسها قد تبدأ قريبًا في التفاوض بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع حركة طالبان، من خلال مكتب تمثيلها الذي افتتحته في قطر مؤخرًا، في الوقت نفسه، نلاحظ أن أمريكا تراهن على أن الإسلاميين سوف ينقسمون، وربما يحاربون بعضهم البعض، والإخوان والسلفيون بادروا بتلك الصدامات ضد بعضهم البعض في الوقت الحالي، والصراع الأكبر الذي قد يحدث هو صراع السنة والشيعة في كل من العراق وسوريا والبحرين والكويت، وقريبًا لبنان والسعودية.

*****

وبعد أن فشلت الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم القاعدة وطالبان، والتطرف الإسلامي بصفة عامة، اعتمدت على القاعدة الشهيرة، والتي تنص على «إن لم تستطع هزيمتهم، فانضم إليهم»، ونجدها اليوم ترحب بتيارات ما أسمته «الإسلام السياسي» وتدعمه بشدة تحقيقًا لمصالحها فقط، وذلك في ظل وصول الأنظمة الديكتاتورية في بلدان الربيع العربي لطريق مسدود؛ حيث لم تفلح في إنجاز التحديث المرجو منها، وساعدت أيضًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسلمة بلدانها والمنطقة عمومًا، عن طريق خلقها لوضع جعل غالبية السكان يقررون أن الرجوع إلى العقيدة الدينية فقط يمكن أن يحسن معيشتهم، وغدا هذا الأمر الاتجاه الرئيسي في شمال إفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط.

الأمر الذي دفع الولايات المتحدة والدول الغربية عمومًا إلى الارتكاز على من يسمون بـ«المسلمين المعتدلين» في بلادنا، وليس على المتشددين، وقررت الولايات المتحدة لدى نشرها الديمقراطية عدم السير ضد التيار بل ركوب موجة العمليات الجارية؛ ولهذا الغرض وجب دعم الإسلاميين المعتدلين، وأصبح من الصعب الآن الجزم بما ستؤول إليه سياسة الغرب هذه، غير أنه من المحتمل أن تعم الفوضى التي ستصبح نمط الحياة في منطقة الشرق الأوسط، ويجب أن لا ننسى أن المتطرفين والمتشددين قد يوجهون السلاح ليس فقط ضد الإسلاميين المعتدلين، بل وأيضًا إلى المواطنين الذين يخالفونهم في الرؤية والدين والثقافة.

وما أود أن ألفت الانتباه إليه هنا، هو أن الصراع الحالي يدور بين أنظمة ديكتاتورية رعت الإرهاب في فترات تاريخية، وبين مجموعات إرهابية تلقت دعمًا إقليميًا ودوليًا لتنفيذ أجنداتها الخاصة، والمضحك في هذا الشأن، هو أن غالبية قادة «الإسلام المعتدل» حاليًا كانوا يناصرون ويدعمون ويساندون تلك المجموعات الإرهابية الجهادية في تلك الفترات التاريخية، بل ويغازلونهم على الدوام حتى بعد أن وصلوا إلى السلطة، ولا يمكن أن نستبعد أن تحدث صدامات جزئية وفقًا لرؤية الراعي الأمريكي.

تم نسخ الرابط