رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
بقلم : مصطفي الأسواني

 

تكمن أهمية ثورتنا المجيدة في أنها خلصتنا من سلبية الانكفاء عن الاهتمام بالشأن العام لأكثر من أربعة عقود خلت، غير أنها لم تصل بعد إلى برّ الأمان، فهي ما زالت دون إنجاز نظام سياسي عليه إجماع وطني، أو نظام مجتمعي توافقي جديد يزيل أنقاض النظام البائد، ويمنع الارتداد إلى الوراء نحو ديكتاتورية في شكل جديد ومقنّعة خلف لُحى وجلباب.

 

 

ولعل قدرنا كمصريين أن نمضي إلى حينٍ ما بين حاضر مأزوم ومستقبل غامض، في ظل وجود خلافات كبيرة بين القوى التي أطلقت شرارة الثورة ونهضت بها، وبين تلك التي انقضت واستولت عليها واستفادت منها أيما استفادة.

 

 

وعلينا توخي الحذر من الوقوع في فخ حرق المراحل، حيث إن عملية البناء تحتاج إلى المزيد من الوقت، لذا فمن الواجب أن نواصل مرحلة التغيير مع تحاشي محذور أن تسقط الدولة بعملية إحلال وتبديل في أتون القادم من صراعات وأزمات على ساحات الأمن والسياسة والاقتصاد.

 

*****

 

إن الأجواء في مجتمعنا أخذت في التغير منذ صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم، وظهور الجماعات السلفية والسلفية المتشددة، إلى جانب تيارات الإسلام السياسي عمومًا على الساحة، وما أقصده من تغيير هنا لا يدور حول هوية مصر، لأنه كان أولى بالهكسوس والتتار والمغول والإنجليز وكل من احتل مصر على مر التاريخ أن ينجح في ذلك، ولكنه يدور تحديدًا حول صراع يهلك فيه المواطنون البسطاء والعمال والفقراء من الشعب، وتظهر فيه على السطح حالة من البلطجة الدينية والعنف لهؤلاء الذين أصبحوا محركًا لعنف ذي طبيعة خاصة، تحت شعارات دينية وعنصرية، أو تحت شعارات أخرى أخطر.

 

 

ويحاول هؤلاء الزج بمصر وشعبها في مشروعات ستفشل حتمًا، إن لم يكن بأيدينا نحن ومعنا قوانا السياسية، ستفشل بأيدي القوتين المتصارعتين «الإخوان والسلفيون» وأصدقائهما الإقليميين والدوليين؛ فمهما حاصر أحد الأطراف الطرف الآخر، أو قام بتجفيف المنابع من حوله، فهل يمكن أن نستعد نحن المواطنون لمثل هذه المرحلة ونواجهها ونتصدى للمخربين من الطرفين؟!

 

 

ففي بداية الأمر عمل الإخوان على إشعار جموع الشعب المصري والعالم كله أيضًا بأنهم زاهدون في الحكم، وأنهم في السنوات الأولى من التجربة الجديدة سوف يكتفون بأن يكونوا الأكثرية في مجلس الشعب والسلطة التشريعية، وأن يكون دورهم الأساسي رقابيًا، لكن تلك الوعود ما لبثت أن تبددت أمام مغريات السلطة والنفوذ؛ فكانت اندفاعتهم الواضحة نحو انتخابات الرئاسة، وتلويحهم بإغراق مصر كلها في بحر من الدماء، وإشعالها بالحرائق إن فاز المرشح الآخر أحمد شفيق، على ابن الجماعة محمد مرسي في سباق الرئاسة.

 

*****

 

ولقد أسقط الإخوان المسلمين الأقنعة عن مواقفهم الحقيقية، كاشفين عن أنهم جماعة شمولية واستبدادية، مثلهم مثل كل أحزاب الانقلابات العسكرية التي حكمت ولا يزال بعضها يحكم في بعض دول المنطقة العربية، والتي أذاقت شعوبها الأمرَّين، وأنهم لا يقبلون بالآخر، ويعتبرون الشراكة مع من سواهم في الوطن رجسًا من عمل الشيطان، فكانت قرارات الرئيس محمد مرسي الأخيرة، والتي جمعت كل السلطات بيده منفردًا، لا تكتفي بذبح المعترضين والمعارضين في الشوارع والميادين العامة، بل بتعليقهم أيضًا على أعواد المشانق، ويدعمها في ذلك دستورهم الجديد.

 

 

وتُظهر جماعة الإخوان المسلمين وممثلها في قصر الرئاسة خبثًا شديدًا في التعامل مع مختلف أطياف الشعب المصري، وتظهر بمظهر الواثق من نفسه عبر التصريحات المثيرة للدهشة والاستغراب، وسط ابتسامات متذاكية، مستندة على الاهتمام الغربي بها ودعمه اللامتناهي لها، منذ أن احتضنت الولايات المتحدة بعد إزاحة الاستعمار القديم من المنطقة، جماعة الإخوان واعتمدتهم كسلاح ضد القوى القومية واليسارية، التي كانت تعتبر حليفًا للاتحاد السوفيتي، كالشيوعيين والناصريين والبعثيين والقوميين العرب، وحقيقة الأمر أن الإخوان قد أبلوا بلاءً حسنًا في هذا المجال، مما جعل الإدارة الأمريكية تراهن عليهم مجددًا، على اعتبار أنهم القوة الرئيسية لـ«الإسلام المعتدل» في مواجهة تنظيم القاعدة، وللحفاظ على مصالحها في منطقتنا.

 

*****

 

وبالرغم من أن رغبة الشعب المصري في التحرر تتخذ طابعًا ديمقراطيًا في ظاهره، إلا أن القوى الإسلامية المتطرفة تكمن خلف ذلك الستار الديمقراطي، ما أدى إلى حيرة المجتمع الدولي في كيفية التعامل مع هذه القوى، فهو لا يستطيع استخدام أسلوب مكافحة الإرهاب ضدهم، وكل ما يستطيع فعله هو: إما الاعتراف بحقها السياسي في الصعود إلى سدة الحكم، أو شن حرب شاملة ضد تلك الدول، التي تنتعش فيها هذه الجماعات.

 

 

ويمكنني الجزم بأن القوى الغربية والولايات المتحدة بصفة خاصة، اختارت الخيار الأول، وفي محاولة منها لعدم فقدان زمام المبادرة، نرى تلك الدول تساهم في التغييرات الديمقراطية، وحتى أنها انخرطت في صراع الشعوب الثائرة ضد الأنظمة الاستبدادية بكل الوسائل، بما في فيها التدخل العسكري منها، ولكن استراتيجية التعاون المشترك مع تطورات الأوضاع في الدول التي نجحت في الإطاحة بأنظمتها، توحي بأن هذا الغرب، يمكن أن يندم لاحقًا؛ لأنه ليست هناك أية ضمانات بأن الأنظمة الصاعدة يمكن أن تنتهج سياسات عقلانية، أو أن تستطيع إحكام السيطرة على شعوبها الثائرة، كما أنه من الصعب الآن الجزم بما ستؤول إليه سياسة الغرب هذه، غير أنه من المحتمل أن تعم الفوضى التي ستصبح نمط الحياة في منطقة الشرق الأوسط بمباركة «إخوانية, سلفية».

تم نسخ الرابط